كاتب وكتاب
محمدفرحات
محمدفرحات

ناقد وقاص

محمد فرحات يقرأ: كتاب (بغير علم الوصول)

وبرع العرب الأوائل في ذلك الفن، بل كانوا أسبقَ إلى تصنيفه جنسًا أدبيًا مستقلًا، أداته النثر الأرحب غير المقيَّد بوزن أو قافية أو رويّ. وقد برعوا في صياغته وجعلوه فنهم الثاني، أو الموازي للشعر

مشاركة:
حجم الخط:

فن الرسائل: من تراث عربي عريق إلى إحياء معاصر

يبقى فنُّ الرسائل أقربَ أجناس الأدب إلى النفس، لاتساع براحه، وكونه أجدى وسائل الأديب للتعبير عن مكنونات نفسه وخلجاتها، ولأنه يعبِّر عن حاجة الإنسان الأساسية إلى التواصل مع الآخرين.

وبرع العرب الأوائل في ذلك الفن، بل كانوا أسبقَ إلى تصنيفه جنسًا أدبيًا مستقلًا، أداته النثر الأرحب غير المقيَّد بوزن أو قافية أو رويّ. وقد برعوا في صياغته وجعلوه فنهم الثاني، أو الموازي للشعر.

في حقبٍ مبكرة جدًا من تشكُّل الوجدان الأدبي العربي، وعلى يد عبد الحميد الكاتب (ت 132هـ)، ثم الجاحظ (ت 255هـ)، وابن العميد (ت 360هـ)، وبديع الزمان الهمذاني (ت 395هـ)، بل وفي فترات أبعد توغلًا في تاريخ الأدب العربي، ألا وهي حقبة الأدب الجاهلي؛ والغريب أنه، في ظل ذلك الازدهار الشعري المشهود بمعلَّقاته وأسواقه، كشكل من أشكال مهرجانات الشعر التي تتبارى فيها القبائل بشعرائها، كان فن الرسائل قد أخذ أرقَّ الصور وأبعدها عن التكلُّف.

فهل كان ذلك نوعًا من العلاقة الجدلية، كنقيضٍ موضوعيٍّ للشعر بكل ما فيه من قيود؟

وما كان في صدر الإسلام ونشأته من رسائل وجَّهها النبي ﷺ إلى أصحابه ورؤوس القبائل وزعماء الأمم، وما كان في الحقبة الأموية، إذ أخذ الفن في التطور لدواعي التوسع، والذي وصل ذروة تطوره في أواسط العصر العباسي، أو العصر الرشيدي، حيث التنافس القبلي والحزبي والدعوات العقائدية المتباينة، وامتزاج العرب بغيرهم.

محمد بدر الدين يكتب: الناصرية؟

الانتحار صرخة مجتمع (4) : ازدواجية الرحمة

قصة قصيرة (هل كان الموت أرحم)

بين الديواني والإخواني تحولات الوظيفة والدلالة

لتظهر الحاجة إلى فن الرسائل، براجماتيًا، كوسيلة فرضها الظرف الاجتماعي والسياسي في المجتمع العربي. وقد فرَّق الوعي العربي بين نوعين من الرسائل، وهما: الرسائل الديوانية والإخوانية؛ فالديوانية ما تعلَّق بالدواوين الرسمية وحاجات الدولة المركزية في بث توجيهاتها السياسية إلى أطرافها، خاصة في عصور التوسع السياسي، أما الإخوانية فهي الرسائل ذات الطابع الشخصي التي يرسلها أحدهم إلى أخيه، وهذا هو مقصود مقالنا في المقام الأول.

لنطوِ الأزمنة إذن، ونصل إلى عصرنا الحديث، فنجد أول الغيث فيما تبادله إبراهيم اليازجي (1847–1906)*1 وقسطاكي الحمصي، إلا أنها رسائل قد غلب عليها التَّصنُّع.

ثم يأخذ خليل مردم بك (1895–1959)*2 بناصية هذا الفن، فنلمس تطورًا ملحوظًا.

إلا أن الذروة العليا، التي تحقق بها فن الرسائل كجنس أدبي مستقل في عصرنا الحديث، كانت فيما دار بين جبران خليل جبران (1883–1931) والأديبة مي زيادة (1886–1941)، وفيه عبَّر الأديبان الفذان عن مكنونات قلوبهما وعقولهما في أروع صور ممكنة. ثم تأتي الذروة الموازية التي مثَّلها الناقد والأديب المهدور حقه أنور المعداوي، والشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان*3، وهي سبع عشرة رسالة بين الناقد والشاعرة، أخذت منحى نفسيًا عاطفيًا، عبَّرا فيها عن علاقة حب أفلاطونية جمعت بينهما على ما بينهما من تناءٍ اجتماعي ومكاني.

ثم تبع ذلك الرعيل الأول من عصرنا الحديث: أمين الغريب، ومحمود درويش، وسميح القاسم، وغيرهم.

ليتوقف الرسل؛ وهو ما يورده ابن منظور في مادة (ر س ل) قائلًا: «والترسل والرَّسل: الرفق والتؤدة، ونثر مرسل: لا يتقيد بسجع، وترسَّل الكاتب: أي أتى بكلامه مرسلًا من غير سجع، وأرسل كلامه: أطلقه من غير تقييد، وراسله في عمله تابعه فيه.

غلاف كتاب أدب الرسائل
غلاف كتاب بغير علم الوصول

سلمي أنور وإحياء أدب الرسائل 

تباغتنا الأديبة د. سلمى أنور بإعادة الحياة لهذا الفن، وهذا الجنس الأدبي المهمل من أبناء جيلنا على الأقل، المولود في السبعينيات والثمانينيات، والذي وصل إلى نهاية الأربعينيات من عمره أو أوائلها؛ ذلك الجيل المشتت بين الأجناس الأدبية، والذي عبَّر النقاد عن أزمته بمصطلح «التعدي الأجناسي» في النص الأدبي الواحد.

تعيد سلمى أنور إذن الحياة لفن الرسائل، فهل تراني بذلك قد قفزت قفزًا على النتيجة في صورة حكمٍ انطباعي متحمِّس؟
قد يكون، فأنا لا أكتب إلا عن عمل يهزُّني هزًّا، ويضطرني إلى قراءة نصوصه أكثر من مرة. ولكن ما حيثيات هذا الحكم المتحمس؟
لعل أولى الحيثيات هو الإخلاص لجنس أدب الرسائل ذاته، دون التورط في ذلك الشكل الأكاديمي البغيض من تحديد المصطلح لغويًا واصطلاحيًا، وهذا «الدُّش» الأكاديمي!

العقاد وفن الرسائل 

فيقول العقاد عن فن الرسائل إنه «أدب خاص»، ويعرِّف هذا المصطلح بأنه: «الأدب الذي لم يُقصد للنشر، وإن كان فيه ما يشوِّق الاطلاع عليه كثيرين غير أصحابه في حياتهم الخصوصية»

وتعود قيمة تعريف العقاد لفن الرسائل إلى أنه عبَّر عن أخص خصائصه؛ فهو أولًا يدور موضوعه في التعبير عن مكنون النفس، وهذا ما نجده على مدار الإحدى والسبعين رسالة التي كتبتها سلمى.

وثانيًا أنه لم يُقصد في بدايته للنشر، وهذا ما أكدته سلمى، بل بالغت في تأكيده في أكثر من موضع في رسائلها؛ فهي لن تُطلع حتى الطرف الآخر الذي وجَّهت إليه رسائلها: «لن أتحسَّب أن تفقد أيٌّ من خطاباتي إليك في البريد، كما لا أخشى أن يضل ساعي البريد الطريق إلى مدينتك.

إلى من ترسل سلمى 

ما لي أنا وسعاة البريد الضائعين في طرقات المدن الصغيرة؟! أنا يا حبيبي لن أرسل إليك شيئًا من كل هذا الهراء.
والطرف الآخر، ذلك المجهول دائمًا عند سلمى: ما كينونته؟ هو طرف مذكَّر دائمًا، طيلة الرسائل، تبثه سلمى كل مكنونات نفسها من رضا وسخط، وحب وبغض، وفرح وحزن، وضحك وبكاء، واستكانة وثورة.

هل هو رجل حقًا راسلته سلمى؟ وهل يستحق أي رجل كل هذا الزخم من المعاني والمشاعر؟

الأنا العليا أم القيمة المفتقدة؟ 

أم هو، في الحقيقة، الموجِّه الأخلاقي، أو المعلم، أو النبي، أو الأنا العليا، أو القيمة المفتقدة في عالمنا؟ هو آدم الأول، الكامل، المثل الأعلى الذي تسعى سلمى إليه، وهو الضمير بقيمه وزواجره ونواهيه وتعاليمه.

تعرض سلمى على مثلها الأعلى مشكلاتها الكبيرة والصغيرة، ومشاعرها البسيطة والمركبة، وتجاربها وذكرياتها وتفصيلات يومها؛ فهي بذلك تنشد خلاصًا من صراعٍ يضطرم في داخلها، في صورة الاعتراف الكاثوليكي الذي تبغي به راحةً وسكينة.

تتنوع موضوعات الرسائل ومحاورها بين الأدب والفن والسياسة والميتافيزيقا والقضايا الاجتماعية، وأولها انسحاق المرأة في مجتمعاتنا البطريركية، ثم التعبير عن الجائحة الأخيرة وتفصيلاتها.

لغة شاعرية رصينة 

لغة الرسائل لغة شاعرية آسِيانة رصينة في مجملها العام، نادرًا ما تتخللها بعض التعبيرات العامية، ولا تخلو من سخريةٍ وما يجلب الابتسام في هذا الزخم المشاعري الطاغي.

تعودنا في هذا النوع من المقالات على حشوه بنصوص من الكتاب موضع الدراسة، إلا أنني إن فعلت ذلك أكون قد بخست الكتاب حقه؛ فهو كلٌّ لا يتجزأ، دفقة شعورية طويلة النفس، آسرة، هادرة، مشتعلة، متأججة. لا أغمطها حقها بالنقل المباشر، وإنما أدعوك، يا عزيزي القارئ، لما فعلته أنا: انغمس حتى شحمة أذنيك في هذا النص الرائع، وتمتع كما تمتعت، وابتعد عن كل حدود الواقع البغيض، وغُص كما غُصت، ولسوف تخرج بالكثير من المتعة القلبية أولًا، ثم أيِّ شيءٍ آخر يريده عقلك.

شارك المقال: