محمد فرحات يكتب: نجيب محفوظ حين تتحول الرواية إلى نبوءة (1)
يمكن القول إن محفوظ لم يكن فيلسوفًا يكتب الرواية، ولا لاهوتيًا يفسر النصوص المقدسة، بل كان روائيًا جعل من الحوار بين الفلسفة واللاهوت محركًا دائمًا لسرده

الكاتب الكبير نجيب محفوظ (وسائل التواصل)
من القدر إلى السلطة… ميلاد المشروع المحفوظي
النبوءة التي أقلقت خوفو
اعتاد النقاد النظر إلى روايات نجيب محفوظ التاريخية الثلاث؛ «عبث الأقدار» (1939) «رادوبيس» (1943) و«كفاح طيبة» (1945) بوصفها مرحلةً أولى تجاوزها الكاتب سريعًا حين انتقل إلى الواقعية الاجتماعية.
غير أن هذه النظرة، في تقديري، تُغفل حقيقةً جوهرية، وهي أن هذه الروايات لم تكن مجرد تدريب مبكر على فن الرواية، وإنما كانت البذرة الأولى للمشروع الفكري الذي اكتمل لاحقًا في «أولاد حارتنا» و«الحرافيش»** وسائر أعماله الكبرى.
ففي هذه الأعمال المبكرة، تتجاور ثلاثة عناصر ستظل حاضرة في عالم محفوظ حتى نهاية مسيرته: الفكرة الفلسفية، والرمز، والإسقاط على الواقع السياسي.
كانت البداية مع «عبث الأقدار» حيث يجعل محفوظ من القدر بطلًا حقيقيًا للرواية.
تنطلق الأحداث من نبوءة تُلقى أمام الملك الحكيم خوفو، تخبره بأن وريث العرش لن يكون ابنه، بل طفل سيولد في بيت أحد الكهنة.
ومنذ تلك اللحظة يبدأ الصراع؛ ليس بين أشخاص، وإنما بين إرادة الإنسان وما يظنه قدرًا محتومًا.
اللافت أن خوفو، الذي اشتهر بالحكمة، يفقد اتزانه أمام النبوءة، فيسعى إلى قتل الطفل قبل أن يكبر، ظنًا منه أنه يستطيع إبطال ما كُتب له.
غير أن كل خطوة يخطوها لمقاومة النبوءة تصبح، من حيث لا يدري، سببًا في تحقيقها.
هذه الفكرة ليست غريبة عن التراث الديني، ففي سفر الخروج، يخشى فرعون مولد الطفل الذي سيهدد ملكه، فيأمر بقتل أطفال بني إسرائيل، ثم ينتهي الأمر بأن ينشأ موسى في قصره.
ويأتي القرآن الكريم ليقدم القصة نفسها في بناء أكثر تكثيفًا، محتفظًا بجوهر الصراع بين إرادة الحاكم وسنن التاريخ.
لكن محفوظ لا يكرر الحكاية، بل يعيد بناءها فلسفيًا.
فالطفل الذي تتحدث عنه النبوءة لا يصبح أداة لهلاك الملك كما في قصة فرعون، وإنما يتحول إلى سبب نجاته.
ينشأ في بيت كبير مهندسي الهرم، ويلتحق بالجيش، ثم يختاره ولي العهد قائدًا لحرسه الخاص، قبل أن يكتشف مؤامرة الابن على أبيه، فيحبطها، ويقف إلى جوار خوفو حتى وفاته الطبيعية.
وهنا تتجلى أولى سمات المشروع المحفوظي، إذ لا ينشغل محفوظ بإثبات صدق النبوءة أو نفيها، وإنما يستخدمها ليطرح سؤالًا فلسفيًا عن العلاقة بين الإنسان والقدر، وبين الحرية والضرورة، وهي الأسئلة التي سترافقه طوال مسيرته الأدبية.
حين صافحت الفلسفة اللاهوت
ومنذ هذه الرواية أيضًا، تبدأ علاقة محفوظ الخاصة باللاهوت.
فهو لا يكتب روايةً دينية، ولا يقدم معالجةً لاهوتية، لكنه يستعير البنية الدينية ليعيد طرحها في سياق فلسفي. ولذلك تبدو الفكرة اللاهوتية عنده مادةً للتأمل، لا موضوعًا للإيمان أو الإنكار.
ومن هنا يمكن القول إن محفوظ لم يكن فيلسوفًا يكتب الرواية، ولا لاهوتيًا يفسر النصوص المقدسة، بل كان روائيًا جعل من الحوار بين الفلسفة واللاهوت محركًا دائمًا لسرده.
ولهذا فإن معظم أعماله الكبرى لا تنحاز بالكامل إلى أحد الطرفين، وإنما تقيم بينهما توترًا خلاقًا، يفتح باب التأويل أمام القارئ.

وهذه السمة المبكرة تفسر لنا كثيرًا من أعماله اللاحقة
فمحفوظ لم يتعامل مع الموروث الديني بوصفه مادةً للتقديس أو الرفض، وإنما بوصفه خزانًا رمزيًا وفلسفيًا يطرح من خلاله أسئلته الكبرى حول الإنسان والسلطة والعدل والحرية.
ومن هنا، لم تكن «عبث الأقدار» مجرد رواية تاريخية، بل الإعلان الأول عن مشروع روائي يتجاوز التاريخ إلى التأمل في قوانين الوجود الإنساني.
التاريخ يتكلم بلسان السياسة
هذه البذرة الصغيرة، التي غرسها محفوظ في «عبث الأقدار»، ستنمو لاحقًا لتصبح مشروعًا روائيًا متكاملًا، مشروعًا ينتقل فيه سؤال القدر إلى سؤال السلطة، ثم إلى سؤال العلم، قبل أن يبلغ ذروته في «أولاد حارتنا»
لكن قبل أن يصل محفوظ إلى تلك الذروة، كان عليه أن يخوض تجربة أخرى لا تقل جرأة؛ إذ ترك سؤال القدر مؤقتًا لينتقل إلى سؤال السلطة نفسها، في رواية «رادوبيس»، حيث تحولت مصر الفرعونية إلى مرآة دقيقة للواقع السياسي المصري في أربعينيات القرن العشرين.
فإذا كانت «عبث الأقدار» قد طرحت سؤال الإنسان في مواجهة القدر، فإن «رادوبيس» تمثل خطوة جديدة في تطور المشروع المحفوظي.
إذ ينتقل نجيب محفوظ من التأمل الفلسفي إلى الإسقاط السياسي، مستعينًا بالتاريخ الفرعوني ليقرأ واقعه المصري في أربعينيات القرن العشرين.
تدور الرواية حول الفرعون الشاب مرنرع الثاني، الذي يقع في غرام الغانية الجميلة رادوبيس، حتى يصبح أسيرًا لهواه، وينشغل بنزواته عن شؤون الحكم.
غير أن محفوظ لا يجعل من قصة الحب محور الرواية، وإنما يتخذها مدخلًا لطرح سؤال أكثر عمقًا: من أين تستمد السلطة مشروعيتها؟
يحتدم الصراع حين يسعى الفرعون إلى انتزاع مساحات شاسعة من أراضي المعابد، ليضعها تحت سلطانه المباشر، متحررًا من نفوذ الكهنة الذين تحولوا إلى قوة موازية للعرش.
وهنا لا يصبح الصراع بين رجل وامرأة، ولا بين ملك وكهنة، بل بين السلطة السياسية والسلطة الدينية، وكلتاهما تدعي حق الوصاية على المجتمع.
ولا تخفى دلالة هذا الصراع على قارئ الأربعينيات؛ فقد كُتبت الرواية عام 1943، في وقت كانت فيه الشائعات تتردد حول حياة الملك فاروق الأول، كما كانت العلاقة بين القصر والقوى السياسية والدينية تشهد توترًا متزايدًا.
ولهذا بدت مصر الفرعونية عند محفوظ ستارًا رقيقًا يخفي خلفه مصر الحديثة.
ولم يكن محفوظ، في هذه المرحلة، يكتب التاريخ لذاته، بل كان يستخدمه أداةً لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.
ومن هنا بدأت تتشكل ملامح الكاتب الذي سيجعل من الرواية فضاءً رحبًا للفلسفة والرمز والإسقاط، قبل أن يبلغ مشروعه ذروته في أعماله الكبرى.
وفي الحلقة الثانية نواصل قراءة «رادوبيس»، لنرى كيف ناقش نجيب محفوظ العلاقة المعقدة بين السلطة والدين، وكيف تحولت الرواية التاريخية إلى قراءة مبكرة لمصير الملكية المصرية.






