محمد فرحات يحاور نجيب محفوظ خلف الخيال (1-3)
هل كان محفوظ يقرأ المستقبل، أم كان فقط يرى الحاضر بعيون لا يملكها سواه؟

صورة خيالية للقاء
حين طلب نجيب محفوظ أن نلتقي
صحوتُ هذا الصباح على رنين الهاتف، وفي الطرف الآخر كان صوت رئيس التحرير، الأستاذ علي أبو هميلة، بنبرته المرحة الجادة في ذات الوقت والتي لا تعرف مقدمات كثيرة:
— اصحى يا محمد… عندك مقابلة مهمة النهارده.
قلت، وأنا أحاول أن أستوعب الكلام:
— مقابلة مع مين؟
سكت لحظة، ثم قال:
— الأستاذ نجيب محفوظ.
ظننت في البداية أنها واحدة من تلك الدعابات الصباحية التي قد يفاجئك بها رئيس تحرير يعرف أن الكاتب لم يستيقظ بعد.
قلت:
— نجيب محفوظ؟!
قال:
— أيوه… نجيب محفوظ بنفسه.
ثم أضاف بهدوء وكأنه يخبرني بموعد مع طبيب الأسنان:
— قرأ سلسلة مقالاتك عن رؤيته الاستشرافية في الرواية، وعايز يقابلك.
هنا سقط الهاتف تقريبًا من يدي.
سألته:
— يقابلني أنا؟
— أيوه، إنت.
ثم جاء الجزء الأخطر:
” ها أبعت موقع وفي حد مستنيك تحت البيت، أمشى معاه وأنت ساكت”
سكتُّ.
كان من السهل أن أتعامل مع خبر نشر مقال، أو قبول دراسة، أو حتى اختلاف ناقد معي.
لكن أن يقول لك رئيس التحرير إن نجيب محفوظ قرأ مقالاتك وطلب لقاءك، فهذه مسألة أخرى تمامًا.
قلت:
— طب… هنتكلم في إيه؟
ضحك وقال:
: عايز حوار سريع عن نجيب محفوظ بين النص والسينما.
ثم أردف:
— وبعدها الأستاذ عنده اجتماع مع الحرافيش.
أغلقت الهاتف، وجلست على حافة السرير.
محمد فرحات يكتب: نجيب محفوظ حين تتحول الرواية إلى نبوءة (3) أولاد حارتنا
أنا سأقابل نجيب محفوظ!
الرجل الذي قرأتُه طويلًا، وكتبتُ عنه، وناقشتُ عوالمه، ووقفتُ أمام «عبث الأقدار» و«رادوبيس» و«كفاح طيبة»، ثم دخلتُ معه إلى «أولاد حارتنا»، وطاردتُ «عرفة» في بحثه عن العلم والعدل، ووقفتُ عند «ثرثرة فوق النيل» و«ميرامار» وأنا أتساءل:
هل كان محفوظ يقرأ المستقبل، أم كان فقط يرى الحاضر بعيون لا يملكها سواه؟
والآن سأجلس أمامه!
أول سؤال خطر في بالي كان ساذجًا:
ماذا أرتدي؟
ثم جاء السؤال الأصعب:
ماذا أقول لرجل قال كل شيء تقريبًا؟
وبدأت أراجع في رأسي ما يمكن أن يكون موضوع الحوار.
السينما.
الرواية.
الاقتباس.
«الثلاثية» التي بدت أوسع من أن تحتويها شاشة سينمائية في ساعتين.
«اللص والكلاب» التي بدت، رغم عمقها النفسي والفلسفي، أكثر قابلية لأن تتحول إلى صورة وحركة ومطاردة.
ثم تذكرت أن الرجل نفسه كان يعرف السينما من الداخل، وكتب السيناريو، وتولى مواقع في مؤسساتها، أي أنه لم يكن روائيًا ينظر إلى السينما من نافذة بعيدة.
كان يعرف ماذا تكسب الرواية حين تدخل الكاميرا، وماذا تخسر.
لكن ظل هناك سؤال يلح عليّ:
هل سأسأله عن الرواية؟
أم عن السينما؟
أم عن نفسي وأنا جالس أمام نجيب محفوظ؟
نظرت إلى الساعة.
ما زال أمامي وقت.
قلت لنفسي:
“اهدأ يا فرحات… إنه مجرد حوار”
ثم تذكرت أنني ذاهب لمقابلة نجيب محفوظ.
فقلت لنفسي:
” مش مجرد حوار”
وفي الخامسة إلا دقائق كنت في الموقع الذي ارسله الاستاذ نجيب لرئيس التحرير
دخلتُ «المكان” وأنا أبحث بعيني عن الرجل الذي لا يمكن أن تخطئه العين: الجالس بهدوء، وبجانبه قهوته، وربما حوله بعض الحرافيش الذين بكروا إلى اجتماعهم المسائي.
ثم رأيته.
كان يجلس في مكانه المعتاد، هادئًا كأن كل ما حدث في الأدب المصري طوال القرن العشرين لم يكن سوى جلسة طويلة على المقهى.
اقتربت.
رفع عينيه نحوي.
ابتسم.
وقال:
— أنت محمد فرحات؟
قلت:
— نعم يا أستاذ نجيب.
وأشار إلى الكرسي:
— اتفضل… اقعد.
جلست.
وبدأت أفكر:
من أين أبدأ؟
نظر إليّ وقال:
: الأول هتشرب إيه؟
– (ضحكت حتى أبدد ارتباكي) سيجارة سوبر!! وفنجان قهوة سادة…
– ( وهو يقهقه بعذوبة منقطعة النظير، طردت كل ارتباكي بعيدًا) طيب مانجبلك سندوتش كمان!!
— سمعت إنك مشغول بالرواية والسينما؟
ابتسمتُ.
قلت:
— أنا اللي المفروض أسأل يا أستاذ نجيب.
ضحك وقال:
— إحنا اتنين قاعدين على قهوة… مش في امتحان يعني.
وهنا بدأ الحوار.
وهكذا، قبل أن ألتقط أنفاسي، اكتشفت أنني أمام نجيب محفوظ فعلًا.
ولم يكن أمامي سوى أن أفتح دفتري.
فالحوار قد بدأ.
محمد فرحات: أستاذ نجيب، دعني أبدأ معك من حيث انتهينا في سلسلة مقالاتي:
كنتُ أتعامل مع رواياتك باعتبارها مشروعًا يتجاوز الحكاية.

في «عبث الأقدار» كان السؤال عن القدر، وفي «رادوبيس» عن السلطة، وفي «كفاح طيبة» عن الوطن، ثم انتقلنا إلى «أولاد حارتنا»، حيث بدا العلم، ممثلًا في «عرفة»، عاجزًا عن تحقيق الخلاص حين انفصل عن العدل، بل وقع في قبضة رأس المال.
ثم قرأنا «ثرثرة فوق النيل» و«ميرامار» باعتبارهما نصين اكتسبا، بعد هزيمة 1967، دلالة استشرافية لأزمات المرحلة الناصرية.
والآن أريد أن أسألك عن شيء مختلف: ماذا يحدث عندما تخرج روايتك من الورق، وتدخل إلى السينما؟
نجيب محفوظ:
تدخل السينما؟!
يا أستاذ محمد، الرواية عندي كانت بتدخل الحارة بصعوبة، فإذا بها تريد الآن أن تدخل الاستوديو! ،ثم بضحكة ملئت وجهه، أشعرتني أني صديقه من زمن طويل، ربما أطول من عمري كله.
محمد فرحات: لكنك لم تكن بعيدًا عن السينما أصلًا.
نجيب محفوظ: أعلم. بل عملت في السينما سنوات طويلة، وكتبت السيناريو، وعرفت المخرجين والمنتجين والممثلين والرقابة، ولذلك أعرف جيدًا أن السينما ليست الرواية.
محمد فرحات: وتلك تحديدًا هي القضية التي أريد مناقشتها معك.
أنت لم تكن روائيًا يكتب الرواية ثم يترك السينما تفعل بها ما تشاء، بل كنت سيناريست محترفًا، وتوليت مناصب مهمة في المؤسسة السينمائية المصرية.
نجيب محفوظ: صحيح. كنتُ مديرًا للرقابة على المصنفات الفنية عام 1959، ثم مديرًا عامًا لمؤسسة دعم السينما عام 1960، ثم رئيسًا لمجلس إدارة المؤسسة العامة للسينما عام 1966، ثم مستشارًا لوزير الثقافة لشؤون السينما عام 1968.
محمد فرحات: أي أنك كنت تعرف السينما من الداخل.
نجيب محفوظ: جدًا. وأحيانًا كنت أعرفها أكثر مما أحب!
محمد فرحات: لماذا؟
نجيب محفوظ: لأن السينما فن جماعي، في الرواية أنا المسؤول وحدي تقريبًا عن كل شيء.
أما الفيلم، فهناك المخرج والممثل والمنتج والمصور والمونتير والموسيقي بل والرقابة.
وفي النهاية قد تكتشف أن الشخصية التي قضيت شهرًا في بنائها أصبحت عند أحدهم «راجل كويس بس عصبي شوية».
محمد فرحات: وهذه مشكلة الاقتباس أصلًا، فالرواية عندك ليست أحداثًا فقط.
نجيب محفوظ: طبعًا، وهذه نقطة مهمة جدًا.
قد أكتب مشهدًا لا يتجاوز صفحتين، لكن هاتين الصفحتين تكونان نتيجة خمسين صفحة من تاريخ الشخصية وذاكرتها ومخاوفها وأوهامها وعلاقاتها.
الكاميرا تستطيع أن تصور الرجل وهو يفتح الباب.
لكنها لا تستطيع أن تصور بسهولة لماذا فتح الباب بهذه الطريقة بعد أن تذكر أمه، وزوجته، وخيانته القديمة، وخوفه من المستقبل!
محمد فرحات: إذن يمكن أن نقول إن المشكلة أن المشهد في الرواية ليس هو الرواية، بل نتيجة لما قبله.
نجيب محفوظ: هذه عبارة جيدة.
اكتبها.
محمد فرحات: سأكتبها باسمي!
نجيب محفوظ: لا بأس… أنا رجل كبير، والآن
بدأتَ تسرق مني الجمل!
الرواية ليست المشهد
محمد فرحات: دعنا نضع قاعدة: في روايات نجيب محفوظ، المشهد ليس الرواية، وإنما المشهد نتيجة للرواية.
نجيب محفوظ: بالضبط.
ولذلك فإن نقل المشهد وحده إلى الشاشة قد يحافظ على الحدث، لكنه قد يفقد الأسباب النفسية والفكرية التي أعطته معناه.
محمد فرحات: طيب ممكن نبدأ من الثلاثية
نجيب محفوظ : لا مش كده .. ناخد راحة وفنجان قهوة ونكمل مع .. ليكن من الثلاثية
استراحة
في المقال القادم نستكمل






