علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
اقتصاد
محمد كمال
محمد كمال

كاتب وباحث حقوقي

كيف تُدار حرب البقاء في مطابخ الطبقة المتوسطة؟

يدفع ارتفاع تكاليف المعيشة بعض الأسر إلى تقليل شراء اللحوم والدواجن، وتأجيل بعض المشتريات، وإعادة توزيع الدخل بين الطعام والمواصلات والفواتير والاحتياجات الصحية والتعليمية. وبلغ التضخم السنوي في مصر 12.7% في أغسطس 2026، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

مشاركة:
حجم الخط:

لم تعد مواجهة غلاء المعيشة في مصر مسألة مرتبطة بسعر سلعة واحدة.

داخل بعض الأسر من الطبقة المتوسطة، أصبح ارتفاع تكاليف الطعام والمواصلات والفواتير يدفع إلى إعادة ترتيب الأولويات يومًا بيوم:

تقليل كميات اللحوم والدواجن، تأجيل بعض المشتريات،

وإعادة توزيع الراتب بين احتياجات تتنافس جميعها على الدخل نفسه.

وتأتي هذه الضغوط في وقت بلغ فيه معدل التضخم السنوي في مصر 12.7% في أغسطس 2026، بعد 13% في يوليو،

بينما استقر الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين عند مستواه في يوليو.

غلاء المعيشة في مصر.. كيف تدير الطبقة المتوسطة حرب البقاء في المطبخ؟

في نهاية كل يوم، تعيد «منى» عدّ ما تبقى من النقود فوق طاولة المطبخ.

ليست المشكلة في الحساب، كما تقول، وإنما في معرفة ما يمكن تأجيله إلى الغد.

بالنسبة إلى أم لطفلين في إحدى مناطق الجيزة، أصبحت ميزانية المنزل سلسلة متواصلة من الاختيارات:

الطعام أم المواصلات؟ احتياجات البيت أم الدواء؟ شراء ما يلزم اليوم أم الاحتفاظ بجزء من المال لنهاية الشهر؟

تقول منى إن مشترياتها تغيرت مقارنة بما كانت تفعله سابقًا: «زمان كنت أنزل أشتري احتياجات البيت.

دلوقتي بنزل أشتري الضروري فقط، وأحيانًا أرجع بحاجات أقل من اللي في الورقة».

هذه الشهادة تلخص جانبًا من الضغوط التي تواجهها أسر تحاول الحفاظ على نمط حياتها

مع ارتفاع تكاليف الاحتياجات الأساسية.

التضخم يتراجع.. لكن الأسعار لا تعود إلى الوراء

بلغ معدل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية 12.7% في أغسطس 2026،

منخفضًا من 13% في يوليو، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

وفي الوقت نفسه، استقر الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين عند 289.8 نقطة في أغسطس،

وهو المستوى نفسه المسجل في يوليو.

لكن انخفاض معدل التضخم لا يعني أن الأسعار عادت إلى مستويات سابقة.

فالـتضخم يقيس معدل تغير الأسعار، وليس مستوى الأسعار نفسه.

وبالتالي، عندما يتباطأ التضخم، فهذا يعني أن الأسعار ترتفع بوتيرة أبطأ، وليس أنها تراجعت بالضرورة إلى ما كانت عليه.

وهذه النقطة تظهر بوضوح في حديث الأسر عن ميزانياتها.

تقول منى: «لما يقولوا الأسعار نزلت، أنا لا أشعر بذلك. يمكن الزيادة بقت أبطأ، لكن السعر نفسه لم يرجع».

الطعام أول ساحة للتوفير

عندما تضيق الميزانية، يبدأ التغيير غالبًا من قائمة المشتريات.

تتراجع مشتريات اللحوم، وتُشترى الدواجن بكميات أقل، بينما تصبح البقوليات والبيض بدائل أكثر حضورًا على المائدة.

أما بعض المنتجات الأخرى، مثل الفاكهة والعصائر والحلوى، فتتحول إلى مشتريات يمكن تأجيلها.

وتتوافق هذه الصورة مع بيانات أغسطس، التي أظهرت تراجعًا شهريًا في أسعار عدد من المجموعات الغذائية،

من بينها الخضروات بنسبة 7%، واللحوم والدواجن بنسبة 1.5%، والحبوب والخبز بنسبة 0.1%، والأسماك والمأكولات البحرية بنسبة 0.1%.

لكن في المقابل ارتفعت أسعار الألبان والجبن والبيض بنسبة 1.3% خلال الشهر، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

وهذا يوضح لماذا لا تكفي قراءة مؤشر واحد للحكم على تجربة المستهلك؛ فحركة الأسعار تختلف من مجموعة سلعية إلى أخرى.

هندسة جديدة للوجبة

داخل منزل منى، لم تعد الوجبة تُحدد دائمًا وفق ما تشتهيه الأسرة.

إذا كان الأرز متوفرًا، تُبنى الوجبة حوله. وإذا ارتفع سعر أحد المكونات، تبحث الأسرة عن بديل.

وإذا اشترت الدجاج، تحاول توزيع الكمية على أكثر من وجبة.

تقول:

«الفراخ التي كانت تكفي يومين أصبحت تكفي ثلاثة. نقطعها صغيرة، ونضع معها بطاطس أو أرزًا.

المهم أن يشعر الأولاد أن هناك فراخًا في الطبق».

وهنا تتحول إدارة الطعام إلى عملية حسابية يومية.

كمية الزيت المستخدمة في الطهي تصبح محل انتباه، وكمية البروتين في الوجبة تتغير،

وبعض الأطعمة التي كانت جزءًا عاديًا من قائمة الأسرة تصبح مرتبطة بالعروض أو بالمناسبات.

ماذا يمكن أن تشتري 100 جنيه؟

في سبتمبر 2026، تكشف أسعار بعض السلع التموينية المدعمة حجم الفارق بين أسعار المنتجات الأساسية المختلفة.

وبحسب قوائم مقررات التموين المنشورة للشهر، يبلغ سعر كيلوغرام السكر 12.60 جنيه،

وعبوة الزيت الخليط 800 مل 30 جنيهًا، وكيلوغرام الدقيق 18 جنيهًا، وعبوة المكرونة 800 جرام 17 جنيهًا.

وبحساب هذه السلع الأربع، يصل الإجمالي إلى 77.60 جنيه، قبل شراء أي مكون آخر.

لكن هذه الأسعار تخص السلع التموينية المدعمة ضمن منظومة المقررات،

وليست مؤشرًا مباشرًا على متوسط أسعار السلع نفسها في السوق الحرة.

وهذا التفريق مهم عند قراءة أثر الأسعار على ميزانية الأسرة.

المشكلة ليست في سلعة واحدة

 إن الضغط المالي لا يأتي من بند واحد:

«المشكلة ليست في سعر سلعة واحدة. المشكلة أن كل شيء زاد في الوقت نفسه. لو وفرت في الأكل،

أدفع في المواصلات. ولو قللت المواصلات، أتأخر عن العمل. ولو أجلت الدواء، أدفع الثمن صحيًا».

وهذه الشهادة تكشف جانبًا آخر من الأزمة: الإنفاق الأسري مترابط.

تقليل الإنفاق على الطعام لا يعني أن الأسرة أصبحت أكثر قدرة على الادخار.

فقد ينتقل المبلغ الذي تم توفيره إلى فاتورة أخرى، أو إلى تكلفة المواصلات، أو إلى احتياج صحي أو تعليمي.

الطبقة المتوسطة تفقد مساحة المناورة

كان هامش الأمان المالي يسمح لبعض الأسر بمواجهة المصروفات الطارئة أو شراء احتياجات شهرية دفعة واحدة.

لكن عندما ترتفع تكاليف أكثر من بند في الوقت نفسه، يصبح تقسيم الدخل أكثر صعوبة.

الإيجار أو القسط يأتي أولًا، ثم الكهرباء والغاز والمياه، ثم المواصلات، ثم الطعام.

أما الملابس الجديدة والخروج والهدايا وصيانة الأجهزة وبعض الأنشطة الترفيهية، فقد تنتقل إلى قائمة الانتظار.

ويقول «أحمد»، رب أسرة من أربعة أفراد:

«كنا نشتري احتياجات البيت أول الشهر ونرتاح. دلوقتي بنشتري كل أسبوع حسب الموجود في الجيب. آخر الشهر يبدأ من يوم 20».

الأجور ترتفع.. لكن ماذا عن القدرة الشرائية؟

شهد عام 2026 زيادات في أجور العاملين بالدولة.

وأعلنت وزارة المالية أن الزيادات الجديدة رفعت الحد الأدنى لدخل العاملين بالدولة إلى 8 آلاف جنيه اعتبارًا

من يوليو 2026، مع زيادات وحوافز أخرى ضمن حزمة الأجور الجديدة.

أما الحد الأدنى لأجور العاملين في القطاع الخاص، فقد رُفع إلى 7 آلاف جنيه اعتبارًا من مارس 2025، وفق المجلس القومي للأجور.

لكن مقارنة الأجر بالتضخم وحدها لا تكفي لقياس الوضع المعيشي لأسرة بعينها.

فالقدرة الشرائية تعتمد أيضًا على حجم الأسرة، والإيجار أو القسط، والمواصلات، والتعليم، والرعاية الصحية، وغيرها من النفقات.

ولهذا قد يكون ارتفاع الدخل الاسمي مصحوبًا باستمرار الضغوط على بعض الأسر إذا ارتفعت نفقاتها الأساسية بوتيرة كبيرة.

ما الذي يختفي أولًا من المطبخ؟

يمكن تتبع أثر ارتفاع تكاليف المعيشة من خلال الأشياء التي تبدأ الأسر في تقليلها أو تأجيلها.

من بين الأمثلة الواردة في الشهادات:

  • تقليل شراء اللحوم.
  • تقليل كميات الدواجن.
  • تأجيل شراء بعض الفاكهة.
  • تقليل العصائر والحلوى.
  • استخدام الزيت بكميات محسوبة.
  • تقليل الإنفاق على القهوة والمشروبات.
  • تأجيل طلبات الطعام الجاهز.
  • تأخير بعض المشتريات غير الأساسية.

لكن أثر الضغوط لا يتوقف عند المطبخ.

فالأسرة التي تقلل الإنفاق على الطعام قد تضطر أيضًا إلى تأجيل شراء ملابس، أو إصلاح جهاز منزلي، أو بعض النفقات التعليمية والترفيهية.

الأطفال يلاحظون التغيير

تحاول بعض الأسر تجنيب أطفالها الحديث المباشر عن الضغوط المالية.

لكن التغيير يظهر في تفاصيل الحياة اليومية.

اختفاء الحلوى من قائمة المشتريات، أو تراجع الخروج إلى المطاعم، أو استبدال

بعض الوجبات بأخرى أقل تكلفة، كلها أمور يمكن للأطفال ملاحظتها.

تقول منى:

«أحاول ألا أقول لهم إن الفلوس لا تكفي. أقول لهم إننا سنأكل في البيت، أو إن هذا الشهر ليس مناسبًا للخروج. لكنهم يفهمون».

هنا يتحول الضغط الاقتصادي إلى تجربة اجتماعية داخل الأسرة، لا تقتصر على الأرقام.

ماذا يوفر الدعم التمويني؟

توفر منظومة الدعم السلعي عددًا من المنتجات الأساسية بأسعار مدعمة.

وفي سبتمبر 2026، شملت المقررات سلعًا مثل السكر والزيت والدقيق والمكرونة والعدس والفول،

إلى جانب منتجات أخرى. وتشير القوائم المنشورة إلى أن نصيب الفرد من الدعم السلعي يبلغ نحو 50 جنيهًا شهريًا.

لكن السلة المدعمة لا تغطي جميع احتياجات الأسرة.

فالإنفاق المنزلي يشمل إلى جانب السلع الأساسية الخضروات والفواكه والبروتين،

فضلًا عن العلاج والمواصلات والفواتير والتعليم والاحتياجات الشخصية.

ولهذا يقول أحمد:

«التموين يساعد، لكنه لا يكفي. البيت ليس سكر وزيت ومكرونة فقط».

من أزمة الأسعار إلى إعادة تعريف الضروري

ما يحدث داخل بعض المطابخ المصرية ليس مجرد تغيير في قائمة الطعام.

إنه إعادة ترتيب للأولويات.

الأسرة التي كانت تشتري احتياجات الشهر دفعة واحدة قد تتحول إلى الشراء أسبوعًا بأسبوع.

والمنتج الذي كان أساسيًا قد يصبح قابلًا للتأجيل. والوجبة التي كانت تحتاج إلى مكونات عدة

قد يعاد تصميمها حول المكون الأقل تكلفة.

وفي هذا السياق، يصبح السؤال اليومي أقل ارتباطًا بما ترغب الأسرة في تناوله، وأكثر ارتباطًا بما يمكن إدخاله في الميزانية.

حرب الأرقام داخل المطبخ

في نهاية الشهر، لا تختفي الأزمة عندما تنجح الأسرة في تدبير وجبة الغد.

هي فقط تنتقل إلى اليوم التالي.

مائة جنيه إضافية قد تذهب إلى الطعام، أو المواصلات، أو فاتورة، أو دواء.

وتقليص بند لا يعني اختفاء الحاجة إليه، بل غالبًا يعني تأجيلها أو نقلها إلى بند آخر.

لذلك لا تقاس آثار غلاء المعيشة فقط بمعدل التضخم السنوي.

يمكن رؤيتها أيضًا في عدد مرات تغيير قائمة الطعام، وتقليل المشتريات،

وتأجيل بعض الاحتياجات، وإعادة توزيع الدخل بين الضروريات.

وفي مطابخ بعض الأسر المصرية، لم يعد السؤال فقط: «ماذا سنطبخ اليوم؟»

بل أصبح: «ما الذي نستطيع تحمّل تكلفته هذا الشهر؟»

 

 

 

شارك المقال:

شاركنا برأيك