مقالات
د. أيمن خالد
د. أيمن خالد

باحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي

قرار التراجع في مواجهة إيران؟

تبدأ الحسابات الأكثر تعقيدًا فالحرب قد تؤدي إلى نتائج تتجاوز ساحة المعركة، ماذا لو أدت الضربات العسكرية إلى انهيار رأس النظام الإيراني؟ ماذا لو قُتل المرشد الأعلى وبدأ انتقال غير مستقر للسلطة؟

مشاركة:
حجم الخط:

الحروب الكبرى لا تُقاس في واشنطن بقدرة الجيوش على القتال، بل بقدرة الدولة على إدارة ما يأتي بعد القتال، ولهذا فإن السؤال الحقيقي في الحرب الدائرة مع إيران لا يبدأ بسؤال: هل تستطيع الولايات المتحدة الانتصار؟ فميزان القوة العسكرية والاقتصادية والمالية يميل بوضوح لصالحها.

السؤال الأكثر تعقيدًا هو: هل تسمح حسابات الكلفة الاستراتيجية للرئيس الأمريكي بالتراجع عن حافة الحرب، أم أن المعركة وصلت إلى نقطة لا يمكن الرجوع منها دون تغيير جذري في ميزان القوى؟

الولايات المتحدة تدخل أي حرب وهي تدرك أن التفوق العسكري وحده لا يكفي، فهي تمتلك أكبر قدرة عسكرية في العالم، وتملك شبكة قواعد عسكرية تمتد من المحيط الهادئ إلى الخليج والبحر المتوسط، كما أن اقتصادها ما يزال العمود الفقري للنظام المالي الدولي.

الدولار ما يزال العملة المركزية للتجارة العالمية، والمؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تتحرك ضمن النظام الاقتصادي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، فيما يبقى النفوذ السياسي الأمريكي حاضرًا داخل مجلس الأمن الدولي بوصفه أحد أهم مفاتيح الشرعية الدولية.

حرب متعددة المسارات

لكن هذا التفوق لا يجعل قرار الحرب بسيطًا، فالمواجهة مع إيران لا تُقرأ في واشنطن كحرب تقليدية بين جيشين، بل كحرب متعددة المسارات. إيران ليست مجرد دولة تملك جيشًا نظاميًا، بل هي عقدة جغرافية وسياسية في قلب منطقة تتحكم بأهم طرق الطاقة والتجارة البحرية. أي مواجهة واسعة معها لا تفتح جبهة واحدة، بل سلسلة من الجبهات المتداخلة: مضيق هرمز، أمن الخليج، القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة، أمن إسرائيل، واستقرار أسواق الطاقة العالمية.

أسئلة معقدة في الحسابات 

وهنا تبدأ الحسابات الأكثر تعقيدًا فالحرب قد تؤدي إلى نتائج تتجاوز ساحة المعركة، ماذا لو أدت الضربات العسكرية إلى انهيار رأس النظام الإيراني؟ ماذا لو قُتل المرشد الأعلى وبدأ انتقال غير مستقر للسلطة؟ هل سيؤدي ذلك إلى انتقال منظم داخل النظام أم إلى صراع داخلي على القيادة؟ وإذا انتُخب خليفة من داخل الحلقة الضيقة للسلطة، أو حتى من العائلة السياسية نفسها، فهل يعني ذلك استمرار النظام بشكل أكثر تشددًا أم بداية مرحلة جديدة من إعادة التشكّل السياسي داخل إيران؟

السؤال الحاضر دائما 

السيناريوهات التي تُناقش في غرف القرار الأمريكية لا تقف عند حدود القيادة السياسية، فإيران دولة كبيرة جغرافيًا وسكانيًا، وأي انهيار في بنيتها السياسية قد يفتح بابًا لمرحلة طويلة من عدم الاستقرار الداخلي، في هذه الحالة لن يكون السؤال كيف تُهزم إيران، بل كيف يُدار الفراغ الذي قد ينشأ بعدهان التجربة الأمريكية في العراق وأفغانستان جعلت هذا السؤال حاضرًا بقوة في كل حسابات الحرب.

ثم هناك البعد البحري الذي لا يقل خطورة، مضيق هرمز ليس مجرد ممر جغرافي ضيق بين إيران والخليج، بل أحد الشرايين الأساسية للاقتصاد العالمي، أي مواجهة مفتوحة فيه قد تعني اضطرابًا واسعًا في تدفق الطاقة، وارتفاعًا حادًا في الأسعار، وتأثيرًا مباشرًا على الاقتصاد العالمي، في مثل هذا السيناريو قد تتحول الحرب من مواجهة إقليمية إلى أزمة اقتصادية عالمية، وهو أمر تدرك واشنطن أنه قد يصيب حلفاءها قبل خصومها.

كلفة التراجع عن استمرار الحرب 

وفي المقابل، هناك قراءة أخرى داخل التفكير الاستراتيجي الأمريكي تقول إن التراجع دون تحقيق نتيجة واضحة قد يحمل كلفة سياسية أكبر من استمرار المواجهة،

فإذا خرجت إيران من هذه الحرب دون خسارة استراتيجية كبيرة، فقد يُفسر ذلك على أنه فشل في سياسة الردع، وقد يفتح الباب أمام إعادة بناء قدراتها العسكرية بصورة أسرع وأكثر جرأة. في هذه الحالة يصبح التصعيد جزءًا من محاولة إعادة تثبيت التوازن الإقليمي وليس مجرد رغبة في المواجهة.

القرار الأمريكي الحائر

لهذا فإن القرار الأمريكي لا يتحرك بين خيارين بسيطين: الحرب أو التراجع. بل يتحرك داخل مساحة أوسع من الحسابات المعقدة التي تجمع بين القوة العسكرية والاقتصاد والسياسة الدولية. الولايات المتحدة قد تكون قادرة على الانتصار في ساحة المعركة، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن الحروب الكبرى لا تُحسم فقط بإسقاط الخصم، بل بالقدرة على رسم النظام الذي سيأتي بعدها.

في هذا الإطار يمكن فهم النقاش الدائر داخل مراكز القرار الأمريكية. فواشنطن لا تبحث فقط عن تدمير بنية عسكرية أو إضعاف نظام سياسي، بل عن نتيجة استراتيجية يمكن أن تعيش معها المنطقة والعالم بعد انتهاء الحرب. فالانتصار العسكري الكامل قد يكون ممكنًا، لكن السؤال الذي يحدد المسار النهائي للحرب يبقى: هل سيؤدي هذا الانتصار إلى استقرار طويل المدى أم إلى فوضى يصعب احتواؤها؟

وهنا تظهر المفارقة التي تحكم الحروب الكبرى في النظام الدولي الحديث. الولايات المتحدة تمتلك أدوات القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية التي تجعلها الطرف الأكثر قدرة على فرض النتيجة، لكن القدرة على فرض النتيجة لا تعني دائمًا القدرة على التحكم بكل ما سيأتي بعدها، ولهذا تبقى السياسة، وليس السلاح وحده، هي العامل الحاسم في تحديد اللحظة التي يجب أن تتوقف فيها الحروب.

قد تنتهي هذه المواجهة بمنتصر واضح في ميزان القوة، لكن التاريخ يعلمنا أن المنتصر الحقيقي في الحروب الكبرى ليس من يكسب المعركة الأولى، بل من يستطيع أن يصوغ العالم الذي يأتي بعدها.

شارك المقال: