مقال بوك
د. فاروق شرف 
د. فاروق شرف 

. إستشاري و خبير ترميم وصيانة الآثار

د. فاروق شرف يكتب: مسار العائلة المقدسة بين القداسة والقيمة الأثرية

كانت مصر أرض الأمان والطمأنينة والنجاة، وأصبحت رحلة العائلة المقدسة أحد أهم الأحداث الروحية التي شهدتها أرضها عبر التاريخ.

مشاركة:
حجم الخط:

مصر أرض الأمان والسلام 

الرحلة المباركة التي صنعت أحد أعظم مسارات التراث الديني والإنساني في العالم.
حينما نتحدث عن رحلة العائلة المقدسة إلى مصر، فإننا لا نتحدث فقط عن حدث ديني عظيم، بل عن صفحة فريدة من صفحات التاريخ الإنساني ارتبطت بأرض مصر ارتباطًا مباشرًا.

حتى أصبحت مصر البلد الوحيد خارج أرض فلسطين الذي احتضن السيد المسيح عليه السلام وأمه السيدة العذراء مريم والقديس يوسف النجار خلال سنوات من حياتهم.
وقد خلد الإنجيل هذه الرحلة بعبارة عظيمة وردت في سفر إشعياء:

“مبارك شعبي مصر”

فكانت مصر أرض الأمان والطمأنينة والنجاة، وأصبحت رحلة العائلة المقدسة أحد أهم الأحداث الروحية التي شهدتها أرضها عبر التاريخ.

د. فاروق شرف يكتب: هرم زوسر أول صرخة حجرية في تاريخ الإنسانية

د. فاروق شرف يكتب: حكاية باب الفتوح

* لماذا هربت العائلة المقدسة إلى مصر؟

بعد ميلاد السيد المسيح بمدينة بيت لحم، شعر الملك هيرودس بالخوف من الطفل الذي تناقلت الأخبار أنه سيكون ملكًا عظيمًا، فأصدر أوامره بقتل الأطفال الذكور في بيت لحم وما حولها فيما عُرف تاريخيًا بـ” مذبحة بيت لحم” 

وحسب الرواية الإنجيلية ظهر ملاك الرب للقديس يوسف النجار في حلم قائلًا:
«قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر»
فخرجت العائلة المقدسة ليلًا متجهة نحو مصر طلبًا للأمان، لتبدأ واحدة من أشهر الرحلات المقدسة في تاريخ الأديان.

وقد اختيرت مصر تحديدًا لعدة أسباب:

– قربها الجغرافي من فلسطين.
– إستقرار الأوضاع السياسية نسبيًا داخل الأراضي المصرية آنذاك.
– وجود جاليات يهودية كبيرة داخل مصر.
– مكانة مصر التاريخية باعتبارها أرض الحضارات والملاذ الآمن عبر العصور.

 مدة إقامة العائلة المقدسة في مصر

تجمع أغلب التقاليد الكنسية القبطية على أن العائلة المقدسة أقامت في مصر نحو ثلاث سنوات ونصف تقريبًا.
وخلال هذه المدة قطعت ما يقرب من 3500 كيلومتر ذهابًا وعودة بين سيناء والدلتا والقاهرة والصعيد حتى أسيوط.
وبعد وفاة هيرودس ظهر ملاك الرب مرة أخرى للقديس يوسف وأمره بالعودة إلى فلسطين، فعادت العائلة المقدسة إلى أرضها بعد أن باركت أرض مصر ومسّت أقدامها عشرات المواقع التي تحولت لاحقًا إلى مزارات مقدسة.

مسار العائلة المقدسة في مصر
مسار العائلة المقدسة في مصر

* مسار رحلة العائلة المقدسة في مصر:

يعترف المشروع القومي المصري لإحياء مسار العائلة المقدسة بوجود 25 محطة رئيسية مرت بها الرحلة المباركة.
المحطات الرئيسية بالترتيب العام
1- رفح (بوابة الدخول إلى مصر)
2- الفرما (شرق بورسعيد)
3- تل بسطا (الزقازيق)
4- مسطرد
5- بلبيس
6- سمنود
7- سخا
8- وادي النطرون
9- دير البراموس
10- دير السريان
11- دير الأنبا بيشوي
12- دير أبو مقار
13- المطرية وشجرة مريم
14- عين شمس
15- الزيتون
16- حارة زويلة
17- مصر القديمة (كنيسة أبي سرجة)
18- الكنيسة المعلقة
19- المعادي
20- البهنسا
21- جبل الطير بالمنيا
22- الأشمونين
23- ديروط
24- دير المحرق بالقوصية
25- درنكة بأسيوط.

هل عُرفت مدة الإقامة في كل موقع؟

لا توجد وثائق تاريخية مؤكدة تحدد عدد الأيام بدقة في كل محطة من المحطات الخمس والعشرين.
والمعروف علميًا أن مدد الإقامة تختلف بين الروايات الكنسية والتقاليد الشعبية المحلية.
لكن الثابت أن أطول فترة إقامة كانت في:
دير المحرق بالقوصية – أسيوط
ويُعد أهم محطات الرحلة على الإطلاق.
وتشير التقاليد القبطية إلى أن العائلة المقدسة أقامت فيه نحو ستة أشهر أو أكثر.
ولهذا يطلق عليه:
«بيت لحم الثانية»
كما يعتبره كثير من الباحثين أكثر مواقع الرحلة قدسية داخل مصر.

 الآبار المقدسة التي ارتبطت بالرحلة:

من أبرز المواقع التي ظهرت بها آبار ارتبطت بالعائلة المقدسة:
– بئر كنيسة أبي سرجة بمصر القديمة.
– بئر كنيسة السيدة العذراء بحارة زويلة.
– بئر شجرة مريم بالمطرية.
– بئر سمنود.
– بئر دير المحرق.
– بئر جبل الطير.
– آبار متعددة بوادي النطرون.
وقد ارتبطت هذه الآبار بالموروث الكنسي الذي يؤكد أن العائلة المقدسة شربت منها أو استراحت بالقرب منها، ولذلك أصبحت جزءًا من الذاكرة الروحية للمسار.

* أكثر الأماكن التي استقبلت العائلة المقدسة بمحبة وبركة

تُبرز التقاليد القبطية بعض المواقع باعتبارها من أكثر المناطق ترحيبًا بالعائلة المقدسة، ومنها:
– المطرية :حيث استظلت العائلة بشجرة مريم الشهيرة.
– سمنود :حيث استقبل الأهالي العائلة بترحاب كبير.
– جبل الطير :الذي ارتبط بمعجزة إنقاذ العائلة من سقوط صخرة ضخمة.
– دير المحرق : الذي شهد أطول إقامة للعائلة المقدسة.
ولهذا أصبح من أهم المزارات المسيحية في الشرق كله.

الأحداث المثيرة في رحلة العائلة المقدسة:

– معجزة سقوط الأصنام
– تذكر بعض الروايات الكنسية أن عددًا من الأصنام انهارت عند مرور السيد المسيح في بعض المدن المصرية.

. شجرة مريم بالمطرية : يُروى أن الشجرة انشقت لتوفر الظل والحماية للعائلة المقدسة.
نبع الماء المبارك

ظهور عيون وآبار مياه في أكثر من موقع أثناء الرحلة.

. جبل الطير : حيث يُقال إن صخرة ضخمة كانت على وشك السقوط فوق العائلة المقدسة، فمد السيد المسيح يده إليها فثبتت في موضعها.
. صفحة الكتاب المقدس بالمعادي : من أشهر الأحداث المرتبطة بالمسار، حيث ظهرت صفحة من الكتاب المقدس طافية على سطح مياه النيل أمام كنيسة المعادي، مفتوحة على الآية:
“مبارك شعبي مصر”

* أهمية مشروع إحياء مسار العائلة المقدسة

يُعد المشروع القومي لإحياء مسار العائلة المقدسة من أهم المشروعات الحضارية والثقافية والدينية في مصر الحديثة.
ويهدف إلى:
– حماية وتوثيق المواقع الأثرية المرتبطة بالرحلة.
– دعم السياحة الدينية والثقافية.
– تنمية المجتمعات المحلية المحيطة بالمسار.
– خلق فرص عمل جديدة.
– إبراز مكانة مصر عالميًا كمركز للحوار الديني والحضاري.
– تعزيز الهوية الوطنية المصرية القائمة على التنوع والتسامح.

* توصية علمية ومشروع مقترح:

أوصي بإنشاء مشروع متكامل تحت عنوان:
«متحف ومسار العائلة المقدسة الرقمي العالمي»
ويشمل:
– توثيقًا ثلاثي الأبعاد لجميع مواقع المسار.
– أرشفة فوتوغرافية وعلمية متخصصة.
– تسجيل الروايات الشفوية والتراث الشعبي المرتبط بكل موقع.
– إنشاء مركز أبحاث دولي لدراسات رحلة العائلة المقدسة.
– إعداد خرائط تفاعلية رقمية بعدة لغات.
– ربط المسار بالمواقع الأثرية المصرية الأخرى ضمن منظومة سياحية وثقافية متكاملة.

إن مسار العائلة المقدسة ليس مجرد طريق تاريخي

بل هو رسالة إنسانية عالمية تؤكد أن مصر كانت وستظل أرض الأمان والتسامح والتلاقي الحضاري، وأن هذا التراث الفريد يمثل كنزًا دينيًا وأثريًا وثقافيًا يجب الحفاظ عليه وتعريف العالم كله بقيمته الاستثنائية.

ومن جميل ما أعتز به في مسيرتي المهنية خلال سنوات خدمتي بوزارة الآثار

أنني تشرفت بالمشاركة في أعمال ترميم وصيانة عدد من المواقع الأثرية المرتبطة بمسار العائلة المقدسة في مصر، وهي مواقع لا تمثل مجرد مبانٍ تاريخية، بل صفحات حية من الذاكرة الروحية والحضارية لهذا الوطن.

فقد تشرفت بالمساهمة في أعمال ترميم وصيانة كنيستي الشهيدين سرجيوس وواخس (أبي سرجة) بمصر القديمة.
تلك الكنيسة العريقة التي تحتضن المغارة الشهيرة المرتبطة بإقامة العائلة المقدسة أثناء وجودها بالمنطقة.

كما تشرفت بالمشاركة في أعمال الصيانة والترميم بكنيسة السيدة العذراء الأثرية بحارة زويلة، إحدى المحطات المهمة في مسار الرحلة المقدسة بقلب القاهرة التاريخية.

وامتد هذا الشرف ليشمل زيارة فنية متخصصة إلى دير السيدة العذراء المعروف بدير المحرق بالقوصية بمحافظة أسيوط،

ذلك الموقع الذي يُعد من أقدس وأهم محطات رحلة العائلة المقدسة في مصر

حيث طُلب مني إبداء الرأي الفني في كيفية معالجة مشكلة رفس العقد المؤثر على أحد الأعمدة الرخامية بالكنيسة الأثرية.

وكانت تلك الزيارة فرصة نادرة للتأمل في عظمة هذا المكان الذي احتضن أطول إقامة للعائلة المقدسة على أرض مصر، حتى استحق أن يُعرف بين الباحثين والمؤرخين باسم «بيت لحم الثانية».

لعل ما يبعث على التأمل أن هذه المواقع الثلاثة تمثل محطات مختلفة من الرحلة المباركة

من القاهرة التاريخية إلى مصر القديمة ثم إلى قلب صعيد مصر، وكأن القدر قد أتاح لي أن أقترب مهنيًا وإنسانيًا من بعض أهم الشواهد المادية الباقية على هذه الرحلة الفريدة التي باركت أرض مصر وسجلت اسمها في وجدان العالم المسيحي والإنساني عبر أكثر من ألفي عام.

ما زلت أرى أن مسار العائلة المقدسة ليس مجرد سجل تاريخي أو مشروع سياحي واعد

بل هو رسالة حضارية عالمية تؤكد مكانة مصر كأرض للأمان والتسامح والتعايش، وهي رسالة تستحق منا جميعًا المزيد من الدراسة والتوثيق والحفاظ للأجيال القادمة.

شارك المقال: