مقالات
حماده إمام
حماده إمام

كاتب صحفي

حمادة إمام يكشف :دماء خميس والبقرى فى رقبة محمد نجيب

قال له عبدالناصر ان اعدام الرجلين سيلطّخ سمعة الثورة، فقال نجيب حسبما تروي ان الاخطر من هذا ان يأتي العفو فيكون سبيل مخربين آخرين للتحرك ضد الثورة.

مشاركة:
حجم الخط:

اول سبتمبر 1952رفض العرض الذى قدمه له اللواء محمد نجيب رئيس مجلس قيادة الثورة بتخفيف الحكم الصادر ضده بالاعدام مقابل الاعتراف على رفاقه العمال وإدانة حركتهم وبعد حوار دام لنصف ساعة انتهت المقابلة بعد أن قال للواء نجيب :

انه لا يعرف اسماء، وانه لو كان يعرف اسماء لفضّل الموت على الخيانة.

خرج من مبنى مجلس قيادة الثورة الى سجن الحضرة بالاسكندرية ليتم اعدامة يوم 7سبتمبر 1952وهو ذات اليوم الذى احتفل فيه اللواء نجيب باختيارة كاول رئيس لمجلس الوزراء بعد ثورة يوليو ولم يهتم لبيانات الادانة التى اصدرتها الحركات العمالية فى كل دول العالم .

كان للاعدام له صدى عالمي سلبي كبير، بعد ان تبنيت اتحادات النقابات العربية والعالمية والاحزاب الشيوعية القضية وراحت تطلق السهام ضد الثورة، متهمة اياها بأنها ثورة معادية، اولاً واخيراً، للطبقة العاملة، ولا تتورع في عدائها ذاك عن سفك الدماء بعد ان كانت الامور السياسية استتبت لها من دون سفك دماء.

مصطفى خميس المتهم الاول فى احداث كفر الدوار

تحولت قضيته من يومها وحتى كتابة هذة السطور الى قضية عالمية ونموذج لكل الدارس والباحثين فى قضايا العمالية.

وسنويا يعاد فتح القضية فى المنديات العالمية فى كل عيد عمال والمفارقة انها تحولت إلى أهم إداة من أدوات تشوية صورةالرئيس جمال عبد الناصر.

كان اول من قاد حملة الاتهامات هو اللواء محمد نجيب الذى صدق على حكم الإعدام وطالب بسرعة تنفيذه نفسه وذكر
فى كتابه “كنت رئيسا لمصر”:

” صدقت على حكم الإعدام تحت ضغط وزير الداخلية – فى إشارة إلى جمال عبد الناصر” رغم أنه الوحيد بشهادة خصومة الشيوعين والوفدين وحتى الاخوان المسلمين اكدو انه الوحيد الذى وقف ضد قرار الاعدام الامر الذى دفع عضو مجلس الثورة ووممثل اليسار فى المجلس الاستاذ خالد محيى الدين أن يتصدى لكشف كذبه 

فى مذكراته التى صدرت تحت عنوان “الآن اتكلم”

 وقال محيي الدين: أن نجيب كان أكثر الجميع حماسًا لإعدامهما،” يقصد خميس والبقرى” وانقسم “مجلس القيادة”: نجيب ومعه الأغلبية يطالبون بالضرب من حديد حتى يرتدع الجميع.

وكانوا يتكلمون من منطلق أن الإضراب هو جزء من حركة معادية للثورة، وأننا لو تساهلنا إزاء هذا الأمر لضاعت الثورة وضاع البلد.

بينما “خالد” وعبدالناصر ويوسف صديق وزكريا كانوا ضد الإعدام، وحجتهم أن الإعدام سيفتح الباب أمام إراقة الدماء، وأنه لا مبرر لأن تصطبغ حركتهم بالدماء.

بدأت وقائع قضية مصطفى خميس بعد نحو عشرين يوما من ثورة يوليو 1952

ففى العاشرة من مساء يوم الثانى عشر أغسطس من نفس العام أضرب عن العمل عمال مصانع «شركة مصر للغزل والنسيج» بـ«كفر الدوار»، التابع لبنك مصر، الذى كان يرأسه حافظ عفيفى باشا رئيس الديوان الملكى السابق.

خشي مجلس قيادة حركة الجيش أن تكون هذه الأحداث بداية لسلسلة من الاضطرابات تنتشر في بقية التجمعات العمالية، ورأى أن يتعامل معها بالشدة والحزم منعاً لتكرارها.

وقرر محاكمة المتهمين في نفس موقع الحادث بقصد الردع (على طريقة محاكمة دنشواي)، وتطوع البكباشي عبد المنعم أمين عضو مجلس قيادة الحركة لرئاسة المحكمة التي ضمت 7 ضباط.

 صدر قرار تشكيل أول محكمة عسكرية في تاريخ مصر لمحاكمة مدنيين وبعد محاكمة لم تستغرق سوى خمسة أيام، صدر الحكم في 17 أغسطس بإعدام اثنين من العمال هما:

مصطفى خميس ومحمد حسن البقري

سافر الصاغ صلاح الدفراوي نائب أحكام المنطقة الشمالية في الحال إلى القاهرة، وعاد في الساعة الرابعة من صباح يوم 18 أغسطس بالحكم بعد أن صدق عليه اللواء محمد نجيب قائلا: «دول شوية عيال شيوعيين » 

وجد جمال عبدالناصر نفسه أمام أول مأزق حقيقي يحيط بسمعة الثورة كلها بالخطر.

فالثورة التي كانت تفتخر بأنها تمت من دون سفك دماء، وبأنها ثورة العمال والفلاحين، بين طبقات محرومة اخرى، وجدت نفسها امام حكم قضائي يقضي بإعدام العاملين خميس والبقري بتهمة القيام بأعمال مخلّة بالأمن ومعادية للثورة، ومن بينها احراق مصنع النسيج الذي يعملان فيه في منطقة “كفر الدوار” بالقرب من مدينة الاسكندرية.

كان حكم المحكمة مبرماً ونهائياً، ولا ينقص التنفيذ سوى موافقة رئيس الدولة.

كانت المحكمة قررت ان يكون الاعدام يوم 19 اغسطس من العام نفسه، الا اذا ارتأى محمد نجيب ان يعفو عنه. وكان هو الوحيد، رسمياً، القادر على ذلك.

الملف كله كان بين يدي جمال عبدالناصر باعتباره وزير الداخلية فى ذلك الوقت، وكانت أيام سبعة فقط تفصل بين ذلك اليوم وبين اليوم المعين لاعدام العاملين، ولم يكن عبدالناصر يريد ان تُلطّخ دماء العاملين الثورة.

اجتمع عبد الناصر بكل من خالد محيى الدين ويوسف الصديق

وهما العضوان اليساريان، القريبان من الحزب الشيوعي، بين الضباط الاحرار واعضاء مجلس قيادة الثورة، وقرر الثلاثة ان يقوموا بكل الخطوات التي يمكن ان تؤدي الى وقف تنفيذ حكم الاعدام، او تأجيله على الاقل ريثما تتوافر اثباتات تدين او تبرئ خميس والبقري.

اجتمع الثلاثة بالقضاة، لكن هؤلاء تمسكوا بقانونية الحكم وبأن لديهم من القرائن ما يؤكد ضلوع العاملين في التخريب. وان خميس – على الاقل – رغم مناداته ببراءته لم يتمكن من توفير اية ادلة تؤكد على تلك البراءة.

امام يأس الضباط الثلاثة من استجابة القضاء لمساعيهم، توجهوا الى محمد نجيب الذي كان الامر كله – الآن – في يده حدّثوه في الامر طويلاً، لكنه أصرّ.

قال له عبدالناصر ان اعدام الرجلين سيلطّخ سمعة الثورة، فقال نجيب حسبما تروي ان الاخطر من هذا ان يأتي العفو فيكون سبيل مخربين آخرين للتحرك ضد الثورة.

وفي 7 سبتمبر تم تنفيذ الحكم بسجن الحضرة بالإسكندرية، بينما كان اللواء محمد نجيب يحتفل بتوليه رئاسة الوزراء.

المصادر

الان اتكلم …خالد محيى الدين
خمسون عام فى قطار الصحافة …موسى صبرى
أسمى مصطفى خميس ….محمد كامل القليوبى عرض أقل

شارك المقال: