مقالات
حسن مدبولي
حسن مدبولي

كاتب وباحث مصري

حسن مدبولي يكتب: مصر وتركيا اقتصادان ونتائج مختلفة!

رغم موجات التضخم التي شهدتها تركيا خلال السنوات الأخيرة، فإن الاقتصاد ما زال قادرًا على توفير فرص عمل للمواطنين، وجذب الاستثمارات الأجنبية، والحفاظ على قاعدة صناعية وتصديرية تمنحه قدرة أكبر على امتصاص الصدمات العالمية والاقليمية.

مشاركة:
حجم الخط:

كيف يمكن لدولة لا تمتلك احتياطيات كبيرة من النفط أو الغاز أن تتحول إلى قوة صناعية يتخطى اقتصادها التريليون دولار، بينما تمتلك دولة أخرى قناة السويس، وحقول غاز، ونهر عذب، وبحيرات وسواحل ممتدة، وسوقًا يزيد على مائة مليون نسمة، وموقعًا يربط ثلاث قارات، ثم تجد نفسها بعد سنوات طويلة تبحث عن الدولار، وتبيع أصولها، وتعتمد بصورة متزايدة على الاقتراض؟

هذا السؤال لا يتعلق بتركيا أو مصر وحدهما، بل بفكرة أعمق:

هل تصنع الثروات نهضة الدول، أم تصنعها طريقة إدارة تلك الثروات؟

فخلال العقدين الماضيين واجه البلدان تحديات هائلة، لكن النتائج جاءت مختلفة إلى حد يصعب تجاهله.

فعندما تولى رجب طيب أردوغان الحكم عام 2003، كانت تركيا تخرج من واحدة من أسوأ أزماتها الاقتصادية، تعاني تضخمًا مرتفعًا، وانكماشًا اقتصاديًا، ومديونية ثقيلة، وضعفًا في الثقة بالعملة والأسواق.

ثم توالت عليها الأزمات؛ هجمات إرهابية، وتمرد مسلح، ومحاولة انقلاب عام 2016، وحروب على حدودها الجنوبية، وعقوبات وضغوط اقتصادية.

وأخيرًا الزلزال المدمر الذي أودى بحياة عشرات الآلاف وخلف خسائر اقتصادية هائلة.

ورغم كل ذلك، لم يكن الرد الاقتصادي هناك هو بيع كافة ممتلكات الدولة، أو تسول الاقتراض الأجنبي، وإنما التركيز على بناء قاعدة إنتاجية أوسع، وتشجيع الاستثمار الصناعي والزراعى، وزيادة نسبة المكون المحلي، ودعم الصادرات، والاستثمار في التكنولوجيا والصناعات الدفاعية.

واليوم على سبيل المثال تنتج تركيا الطائرات المسيّرة، والمقاتلات، والسفن، والغواصات، والمدرعات، والأقمار الصناعية، والسيارات، والأجهزة المنزلية، وأصبحت صادراتها السلعية تتجاوز 250 مليار دولار سنويًا، بينما يقترب حجم اقتصادها من 1.3 تريليون دولار.

وتنتج (على سبيل المثال) نحو 1.5 مليون سيارة سنويًا، يذهب جزء كبير منها إلى الأسواق الأوروبية والعالمية، كما تستقطب مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية المباشرة كل عام رغم ما تواجهه من تحديات سياسية واقتصادية ومحاولات حصار من قوى متعددة كقبرص واليونان واسرائيل !؟ 

حسن مدبولي يكتب: مخرجٌ آمن للمستقبل؟ (1)

ولم ينعكس ذلك على المؤشرات الكلية فقط، بل على الحياة اليومية أيضًا.

فبرغم موجات التضخم التي شهدتها تركيا خلال السنوات الأخيرة، فإن الاقتصاد ما زال قادرًا على توفير فرص عمل للمواطنين، وجذب الاستثمارات الأجنبية، والحفاظ على قاعدة صناعية وتصديرية تمنحه قدرة أكبر على امتصاص الصدمات العالمية والاقليمية.

مقارنة بالاقتصادات التي تعتمد أساسًا على التمويل والاقتراض الأجنبى، قد نختلف مع سياسات أردوغان الخارجية في ملفات عديدة، من بينها غزة، وعلاقته بالغرب، واستمرار عضوية تركيا في حلف الناتو، وبعض مواقفه الإقليمية تحديدا تجاه إيران لكن تقييم السياسة الخارجية لا ينبغي أن يحجب تقييم السياسة الاقتصادية.

لأن نجاح الدول لا يقاس فقط بمواقفها السياسية، وإنما أيضًا بقدرتها على بناء اقتصاد منتج يوفر لمواطنيها فرص العمل والدخل والتقدم الصناعي.

في المقابل، تمتلك مصر مزايا يصعب أن تجتمع في دولة واحدة

قناة السويس، واحتياطيات من الغاز الطبيعي، وساحلين بحريين، وثروة سياحية وأثرية، وأراضي زراعية، ومياه مستقرة رغم سد النهضة.

وموقعًا استراتيجيًا فريدًا، وسوقًا محلية ضخمة، وقوة عمل بشرية كبيرة تساهم فى توفير عملات اجنبية من عملها بالخارج، لكن هل تحولت كل تلك المزايا إلى قاعدة إقتصادية إنتاجية تضاهي ما تمتلكه مصر من إمكانات !؟

الإجابة، في تقديري، هي لا.

فبعد أكثر من عشرة أعوام، ما زالت الوصفة الاقتصادية نفسها تتكرر تقريبًا مع كل أزمة:

الاقتراض، وبيع أصول الدولة، وفرض ضرائب ورسوم جديدة، ورفع أسعار الطاقة والخدمات والسلع الرئيسية وغير الرئيسية، وتقليص الدعم.

ثم تخفيض قيمة الجنيه بلا توقف أو قاعدة مالية

ورغم الجهود الكبيرة التي بُذلت في مشروعات البنية الأساسية والطرق والعاصمة الجديدة، وقناة السويس الجديدة والمونوريل والاتوبيس الترددى وغيرها، فإن المؤشرات الإنتاجية لا تعكس تحولًا مماثلًا في هيكل الاقتصاد.

فما زالت الصادرات السلعية المصرية تدور حول 40 مليار دولار سنويًا، أي أقل بنحو ست مرات من الصادرات التركية.

كما لا تزال الصناعة المصرية تعتمد في قطاعات عديدة على مكونات مستوردة، ولم يتحقق بعد تحول واسع نحو صناعات عالية القيمة المضافة قادرة على المنافسة عالميًا.

وهو مايعنى ان تلك المشروعات لم تكن ذات مردود يتناسب مع حجم الانفاق عليها، بل واحدث فجوة ضخمة تتضح عند مقارنة عدد من المؤشرات الاقتصادية الأساسية بين البلدين : 

الناتج المحلي الإجمالي تركيا نحو 1.3 تريليون دولار ، مصر: نحو 400 مليار دولار •

الصادرات السلعية تركيا: أكثر من 260 مليار دولار مصر: نحو 40 مليار دولار •

إنتاج السيارات ( على سبيل المثال) تركيا: نحو 1.4–1.5 مليون سيارة سنويًا مصر: أقل من 100 ألف سيارة سنويًا •

الاستثمارات الأجنبية المباشرة تركيا: 10–15 مليار دولار سنويًا مصر: 6–10 مليارات دولار سنويًا (مع تذبذب ملحوظ)

الدين الخارجي تركيا: يتجاوز 500 مليار دولار، لكن معظمه على الشركات والقطاع الخاص ويستند إلى اقتصاد وصادرات أكبر.

مصر: نحو 160 مليار دولار، ويغلب عليه الدين الحكومي أو المضمون حكوميًا. •

متوسط دخل الفرد تركيا: يزيد بنحو 4 مرات فى المتوسط على نظيره المصري.

ولا تتوقف الفروق عند هذه المؤشرات الكلية، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية التي يلمسها المواطن.

ففي تركيا، ورغم التضخم المرتفع، ما زالت الأجور الحقيقية ومستويات الدخل أعلى بصورة واضحة، كما أن الاقتصاد يمتلك قدرة أكبر على تعويض ارتفاع الأسعار من خلال الإنتاج والتصدير وجذب الاستثمار والسياحة.

أما في مصر، فقد تزامنت موجات التضخم مع انخفاضات متكررة في قيمة الجنيه، وارتفاع أسعار الوقود والكهرباء والغاز والمياه والمواصلات، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار الغذاء والدواء ومعظم السلع والخدمات.

بينما لم تنجح الدخول في مواكبة هذه الزيادات، فتراجعت القوة الشرائية لقطاع واسع من المواطنين، بالاضافة الى البطالة المتفشية بلا مواجهة ، والفارق هنا لا يكمن في الأرقام وحدها، بل في الفلسفة الاقتصادية الحاكمة.

فالاقتصاد الذي يعتمد على الإنتاج والتصدير يجلب العملات الأجنبية من المصانع والأسواق الخارجية، ويخلق وظائف مستقرة، ويزيد دخول المواطنين، ويمنح الدولة قدرة أكبر على تمويل احتياجاتها.

أما الاقتصاد الذي يعتمد بصورة أساسية على الاقتراض، فإنه يجلب العملات الأجنبية من الديون، ويظل مطالبًا بسداد أصل الدين وفوائده، بما يفرض ضغوطًا متزايدة على الموازنة العامة وسعر الصرف.

ولهذا، عندما ترتفع أسعار الفائدة العالمية، أو تتراجع التدفقات الاستثمارية، أو تتعرض المنطقة لأزمات سياسية أو عسكرية، يكون الاقتصاد الإنتاجي أكثر قدرة على امتصاص الصدمات، لأنه يمتلك قاعدة صناعية وتصديرية تعوض جزءًا من الخسائر.

بينما يصبح الاقتصاد المعتمد على التمويل الخارجي والقروض أكثر هشاشة أمام أي اضطراب ولو كان هامشيا.

وقد يقول قائل إن تركيا نفسها شهدت انخفاضًا حادًا في قيمة الليرة وارتفاعًا كبيرًا في معدلات التضخم، وهذا صحيح.

لكن الأزمة هناك أصابت اقتصادًا يمتلك قاعدة صناعية واسعة، وصادرات تتجاوز ربع تريليون دولار، وشركات قادرة على المنافسة عالميًا.

أما حين تضرب الأزمة اقتصادًا لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد والتمويل الخارجي، فإن آثارها تصبح أشد قسوة، ويكون التعافي منها أكثر صعوبة.

ولا يعني ذلك أن التجربة التركية خالية من الأخطاء، ولا أن التجربة المصرية تخلو من الإنجازات.

فلكل دولة ظروفها وتحدياتها، ولكل تجربة جوانب نجاح وإخفاق. لكن المقارنة هنا لا تدور حول الأشخاص أو المواقف السياسية، وإنما حول النتائج التي أفرزتها السياسات الاقتصادية.

فالنتائج تشير إلى أن دولة محدودة الموارد الطبيعية استطاعت أن تبني قاعدة صناعية واسعة، وتضاعف صادراتها مرات عديدة، وتجعل الإنتاج والتصدير محركين رئيسيين للنمو.

وفي المقابل، لا تزال دولة تمتلك موارد ومزايا استراتيجية استثنائية تبحث عن التوازن المالي عبر الاقتراض، وبيع الأصول، والإجراءات المالية المتكررة.

لكن الفارق الأهم بين التجربتين أن تركيا جعلت الإنتاج هو مصدر القوة الاقتصادية.

بينما تحولت إدارة الاقتصاد في مصر، بدرجات متفاوتة، إلى الاعتماد على التمويل أكثر من الاعتماد على الإنتاج.

فالمشكلة ليست في نقص الموارد، ولا في الموقع الجغرافي، ولا في عدد السكان، وإنما في كيفية إدارة هذه المقومات وتحويلها إلى قيمة مضافة.

فالدول لا تصبح قوية لأنها تمتلك النفط أو الغاز أو المياه او الموانئ، بل لأنها تحول هذه المقومات إلى مصانع، وشركات قادرة على المنافسة، ومراكز أبحاث، وتكنولوجيا، وصادرات تولد الثروة وفرص العمل.

أما الاعتماد المستمر على الاقتراض، وبيع الأصول، ورفع الأعباء الضريبية، وخفض قيمة العملة، فقد يؤجل الأزمة لبعض الوقت، لكنه لا يبني اقتصادًا قادرًا على إنتاج الثروة، ولا يضمن تنمية مستدامة أو استقلالًا حقيقيًا في القرار الاقتصادي، بل يعمق من التبعية ويزيد من احتمالية الانهيار.

شارك المقال: