مقالات

حسن مدبولي يكتب: مخرجٌ آمن للمستقبل؟ (1)

كلما اقتربت مصر من استحقاق سياسى كبير، عاد الجدل حول الأشخاص: من يبقى؟ ومن يرحل؟ ومن يخلف من؟

مشاركة:
حجم الخط:

النظام البرلمانى

كلما اقتربت مصر من استحقاق سياسى كبير، عاد الجدل حول الأشخاص: من يبقى؟ ومن يرحل؟ ومن يخلف من؟

غير أن هذه الأسئلة، على أهميتها، تظل أقل أهمية من السؤال الجوهرى:

كيف نبنى نظامًا سياسيًا يجعل استقرار الدولة غير مرتبط بأى شخص، مهما كان موقعه أو دوره؟

إذا كانت مصر تواجه اليوم تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة، فإن مسؤولية الجميع تقتضى البحث عن حلول جادة تتجاوز المعالجات التقليدية التى أثبتت محدودية أثرها.

حسن مدبولي يكتب: ماذا على إيران أن تفعل؟

فالقضية ليست مجرد أسماء أو أشخاص

ولا تتعلق بمن يتولى السلطة فى المرحلة المقبلة، وإنما بكيفية بناء نظام سياسى يضمن الاستقرار ويوقف الفوضى ويمنع تكرار الأزمات مستقبلاً.

لقد عاشت مصر، عبر معظم تاريخها، فى ظل دولة مركزية قوية ارتبطت غالبًا بفكرة الحاكم الفرد.

ولا شك أن هذا النموذج أسهم، فى مراحل زمنية مختلفة، فى الحفاظ على تماسك الدولة ووحدة أراضيها.

لكنه حمل فى المقابل مخاطر كبيرة، إذ جعل استقرار الدولة مرهونًا بقدرات شخص واحد.

وأدى فى محطات عديدة إلى غياب التوازن بين السلطات، وضعف آليات الرقابة والمساءلة، وتعاقب أزمات كان من الممكن الحد من آثارها لو توزعت المسؤوليات بصورة مؤسسية.

بينما فى المقابل، شهد العالم خلال العقود الأخيرة توسعًا فى النظم التى تقوم على توزيع السلطات وتعزيز دور المؤسسات المنتخبة، بما يقلل من الاعتماد على الفرد، ويجعل تداول المسؤولية السياسية أكثر سهولة واستقرارًا.

وبالتالى فإننا نعتقد أن العودة إلى نظام برلمانى حقيقى

تستحق أن تكون مطروحة للنقاش العام باعتبارها أحد الخيارات الدستورية الممكنة وفق تصور محدد لمواجهة المستقبل دون تكرار للمآزق .

ويقوم هذا التصور على أن تتولى الحكومة، برئاسة رئيس الوزراء المنبثق عن الأغلبية البرلمانية، إدارة شؤون الدولة.

بينما يصبح رئيس الجمهورية رمزًا لوحدة الدولة وسيادتها، يمارس اختصاصات محددة وفقًا للدستور.

بما يعزز الفصل بين السلطات، ويجعل المسؤولية السياسية مرتبطة بالحكومة التى منحها الشعب ثقته من خلال ممثليه.

إن الميزة الأساسية لهذا النموذج أنه يفصل بين الدولة والحكومة

فالحكومة تتغير وفقًا لإرادة الناخبين وتوازنات البرلمان، بينما تبقى الدولة ومؤسساتها مستقرة.

وبذلك يصبح تغيير رئيس الوزراء أو الحكومة أمرًا طبيعيًا لا يثير مخاوف بشأن استقرار الدولة أو استمرار مؤسساتها، ولايستدعى الثورات أو الإضطرابات، وهو امر بات بديهيا و تعرفه العديد من الديمقراطيات البرلمانية العالمية .

لذلك، فإن النقاش العام الحالى لا ينبغى أن ينحصر فى أسماء المرشحين، أو فى مسألة التمديد، أو اختيار نائب للرئيس، وإنما فى السؤال الأهم:

ما هو نظام الحكم الأكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والتنمية، ومنع تكرار أزمات تركيز السلطة فى يد شخص واحد؟

إن الإصلاح الدستورى، إذا كان مطروحًا

فإن قيمته الحقيقية لا تكمن فى تعديل مدد البقاء فى المناصب أو إعادة ترتيبها، وإنما فى بناء منظومة سياسية أكثر توازنًا، يكون فيها البرلمان صاحب الدور الرئيس فى منح الثقة للحكومة ومحاسبتها وسحبها عند الاقتضاء، دون أن تتحول كل أزمة سياسية إلى أزمة تمس الدولة بأكملها.

غير أن نجاح أى نظام برلمانى لا يعتمد على النصوص الدستورية وحدها، بل يحتاج إلى بيئة سياسية سليمة.

تقوم هذه البيئة على التعددية الحزبية الحقيقية، وحرية العمل السياسى لكافة الإتجاهات السياسية.

وجود إعلام متنوع يعبر عن مختلف الاتجاهات، وسيادة القانون.

وضمان الحقوق والحريات العامة التى يجب أن يكفلها الدستور

وتجريم التمويل الأجنبي، وتحديد سقوف للانفاق على الدعاية تطبق فعليا.

كذلك اعتماد قانون انتخابات وفقا للقائمة النسبية والغاء ظاهرة الافراد المستقلين.

وتحويل التصويت الى البرامج السياسية بدلا من التربيطات والعائلات أو ذوى النفوذ.

وتجريم الرشاوى والتدخلات فى نزاهة العمليات الانتخابية بقوانين رادعة، بحيث تتوافر منافسة سياسية حقيقية بين البرامج والأفكار، لا بين الأشخاص فقط.

إن الانتقال إلى نظام برلمانى لا يعنى مجرد تعديل فى توزيع الصلاحيات، بل يعنى الانتقال من ثقافة الحكم بالفرد إلى ثقافة الحكم بالمؤسسات.

من ربط مصير الدولة بشخص الحاكم إلى ربطه بالدستور والقانون وإرادة الناخبين.

فكلما كانت المؤسسات أقوى، أصبح انتقال السلطة أكثر سلاسة، وتراجعت المخاوف التى تصاحب كل استحقاق سياسى

شارك المقال: