مقالات
د. أيمن خالد
د. أيمن خالد

باحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي

د. أيمن خالد يكتب: التحالف البحري الجديد السعودية تعيد رسم معادلة الأمن الإقليمي

من غير المتوقع أن تعلن الدول المؤسسة أن التحالف أنشئ لمواجهة إيران، بل المرجح أن تدور وثائقه الرسمية حول حماية الملاحة، وتأمين الممرات البحرية، والدفاع عن السفن والمنشآت

مشاركة:
حجم الخط:

لا يبدو الإعلان السعودي عن المضي في بناء تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات مجرد استجابة أمنية عابرة لاضطراب الملاحة في المنطقة.

ولا مجرد إضافة إلى قائمة طويلة من الترتيبات البحرية التي عرفها الخليج والبحر الأحمر خلال العقود الماضية.

فالتوقيت، وطبيعة البناء المؤسسي المعلن، وانضمام دول إضافية، وتعيين قيادة عسكرية للتحالف، كلها مؤشرات تفتح الباب أمام قراءة أوسع:

هل نحن أمام قوة لحماية الممرات البحرية فحسب، أم أمام نواة لهندسة أمنية إقليمية جديدة تتقدم فيها السعودية إلى موقع القيادة؟

وزارة الدفاع السعودية أعلنت أن التحالف مفتوح لانضمام دول أخرى، وأن بيانًا سيصدر بأسماء الدول الموقعة عليه، بالتزامن مع التحضير لاجتماعات يومي 12 و13 أغسطس/آب لاستكمال متطلبات البناء المؤسسي، فيما عُيّن اللواء الركن البحري عبدالله الشهري قائدًا للتحالف.

وهذه التفاصيل ربما تكون أهم من الإعلان السياسي نفسه، لأن الانتقال إلى الحديث عن قيادة وبناء مؤسسي يعني أن المشروع يتجه، مبدئيًا، إلى ما هو أبعد من تنسيق ظرفي بين مجموعة من القوات البحرية.

السؤال الأول يتعلق بالتوقيت.

فالمنطقة تعيش واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ عقود، ولم يعد أمن الخليج منفصلًا عن أمن البحر الأحمر، كما لم يعد مضيق هرمز منفصلًا استراتيجيًا عن باب المندب.

وما يحدث في أحدهما يستطيع التأثير سريعًا في الآخر، لأن كليهما جزء من الشريان الذي يربط مصادر الطاقة والتجارة في الخليج بالمحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس والأسواق العالمية.

ولهذا فإن الأمن البحري لم يعد مسألة تتعلق بالسفن وحدها، وإنما أصبح جزءًا من الأمن القومي للدول المطلة على هذه المسارات، وفي مقدمتها السعودية التي تتمتع بخصوصية جغرافية نادرة،

فهي دولة خليجية في الشرق ودولة بحر أحمر في الغرب، وتقع عمليًا بين اثنين من أهم الممرات البحرية في العالم: هرمز وباب المندب.

من هنا يمكن فهم التحالف بوصفه محاولة للانتقال من سياسة التعامل مع التهديد البحري بعد وقوعه إلى بناء منظومة دائمة للردع والإنذار والاستجابة.

ومع ذلك، ينبغي عدم تحميل المشروع أكثر مما تحتمله المعلومات المتاحة حتى الآن.

فالتحالف المعلن بحري دفاعي، ولا توجد حتى هذه اللحظة معطيات كافية للحديث عن حلف دفاع جماعي شامل على غرار حلف شمال الأطلسي، بحيث يصبح الاعتداء على دولة عضو اعتداءً على بقية الدول.

لكن الحدود بين الأمن البحري والجوي والبري لم تعد واضحة كما كانت في السابق.

فالسفينة التي تتعرض لهجوم في البحر قد يكون مصدر التهديد ضدها صاروخًا أطلق من اليابسة أو طائرة مسيّرة أو منظومة استخبارات ومراقبة بعيدة المدى.

وبالتالي فإن أي تحالف بحري فعال سيحتاج بالضرورة إلى الإنذار المبكر، والدفاع الجوي، والاستطلاع، والمعلومات الاستخباراتية، والأقمار الصناعية، والقيادة والسيطرة والأمن السيبراني.

ولهذا قد يبقى اسم التحالف ووظيفته الأساسية بحريين، بينما تتوسع أدواته العملياتية لتصبح بحرية وجوية واستخباراتية وتقنية في الوقت نفسه.

وهنا تحضر الولايات المتحدة.

فحتى إذا لم تكن واشنطن جزءًا من القيادة السياسية المعلنة للتحالف، يصعب تصور بناء منظومة أمن بحري واسعة في هذه المنطقة بمعزل عن التنسيق معها.

فالوجود العسكري الأميركي، والقدرات الاستخباراتية والفضائية، ومنظومات الإنذار المبكر والقيادة والسيطرة، والخبرة المتراكمة في مراقبة الممرات البحرية، تجعل الولايات المتحدة شريكًا يصعب تجاوزه في أي ترتيبات أمنية واسعة النطاق.

لكن الفارق المحتمل هذه المرة قد يكون مهمًا:

أن تكون القيادة الإقليمية سعودية، بينما يكون التنسيق والإسناد الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، بدل أن تكون القيادة أميركية وتنضم إليها دول المنطقة.

وإذا تأكد هذا الاتجاه عند إعلان الهيكل النهائي للتحالف، فإننا سنكون أمام تحول يتجاوز المسألة البحرية إلى إعادة توزيع للأدوار داخل منظومة الأمن الإقليمي نفسها.

أما السؤال الأكثر حساسية فهو: هل هذا التحالف موجه ضد إيران؟

من غير المتوقع أن تعلن الدول المؤسسة أن التحالف أنشئ لمواجهة إيران، بل المرجح أن تدور وثائقه الرسمية حول حماية الملاحة، وتأمين الممرات البحرية، والدفاع عن السفن والمنشآت، ومواجهة التهديدات التي تستهدف التجارة الدولية.

لكن التحالف لا يولد في فراغ.

إنه يتشكل في بيئة إقليمية ارتبط جزء كبير من تهديداتها البحرية خلال السنوات الماضية بالمواجهة مع إيران وشبكة القوى المسلحة المرتبطة بها.

وفي مقدمتها الحوثيون الذين أثبتت تجربتهم في البحر الأحمر أن جماعة مسلحة تمتلك الصواريخ والطائرات المسيّرة تستطيع التأثير في واحد من أهم طرق التجارة العالمية.

ولهذا يمكن القول إن التحالف قد لا يكون موجهًا ضد إيران في تعريفه السياسي، لكنه بالتأكيد يتشكل في مواجهة بيئة أمنية تشكل إيران وحلفاؤها أحد أهم عناصرها.

ومن هنا تصبح فرضية انضمام إيران إلى البنية العسكرية للتحالف ضعيفة

على الأقل في الظروف الحالية.

فمن الصعب بناء منظومة لتبادل المعلومات والإنذار والقيادة والسيطرة تضم في داخلها دولة ينظر عدد من أعضاء المنظومة إلى قدراتها أو إلى القوى المرتبطة بها باعتبارها جزءًا من مصادر التهديد.

لكن ذلك لا يمنع قيام مسار آخر موازٍ للحوار مع طهران، خصوصًا بشأن أمن مضيق هرمز ومنع الاحتكاك العسكري وضمان حرية الملاحة.

والفرق كبير بين إشراك إيران في حوار أمني إقليمي وبين إدخالها في الهيكل العملياتي لتحالف دفاعي.

وفي اليمن يجب الفصل بين الدولة اليمنية والحوثيين

فاليمن بوصفه دولة يقع في قلب معادلة أمن باب المندب، بينما يمثل النشاط العسكري الحوثي أحد أبرز التحديات التي دفعت ملف أمن البحر الأحمر إلى مقدمة الحسابات الإقليمية والدولية.

وتبقى آفاق التحالف مرهونة بما سيحدث بعد البيانات السياسية.

فقد يتحول إلى إطار تنسيقي جديد تكثر اجتماعاته ويظل تأثيره العملياتي محدودًا، وقد يصبح قوة فعلية لمرافقة السفن وتبادل المعلومات ومواجهة الصواريخ والمسيّرات والتهديدات البحرية.

لكن السيناريو الثالث هو الأكثر أهمية:

أن يصبح تدريجيًا نواة لمنظومة أمن إقليمية تقودها السعودية، تعمل بالتنسيق مع الولايات المتحدة وشركاء دوليين، لكنها تمنح دول المنطقة دورًا أكبر في إدارة أمنها المباشر.

ولهذا فإن البيان المنتظر لأسماء الدول المنضمة سيكون بالغ الأهمية.

فتركيبة التحالف ستكشف جزءًا كبيرًا من هويته السياسية: هل هو خليجي موسع؟

هل يشمل دول البحر الأحمر؟

هل تدخل فيه قوى عربية وإسلامية من خارج الإقليم المباشر؟

وهل تشارك قوى غربية بوصفها أعضاء أم شركاء داعمين؟

لكن الاختبار الحقيقي لن يكون عدد الأعلام الموجودة في قاعة الاجتماع، وإنما ما سيأتي بعدها:

هل توجد قيادة مشتركة دائمة؟

هل ينشأ مركز موحد للعمليات؟

ما حدود الانتشار الجغرافي؟

ما قواعد الاشتباك؟ كيف ستوزع المسؤوليات؟

وما طبيعة العلاقة العسكرية والاستخباراتية مع الولايات المتحدة؟

الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كنا أمام تحالف بحري آخر، أم أمام بداية تحول استراتيجي أوسع.

فالذي يعاد تشكيله في المنطقة اليوم ليس أمن البحر وحده، وإنما مفهوم الأمن نفسه. وإذا نجحت السعودية في بناء تحالف متعدد الجنسيات يمتلك مؤسسة وقيادة وقدرة عملياتية حقيقية، فقد نكون أمام انتقال تدريجي من مرحلة كانت فيها الولايات المتحدة تدير أمن الممرات وتشاركها دول المنطقة، إلى مرحلة تسعى فيها القوى الإقليمية إلى إدارة أمنها بنفسها، مع بقاء الولايات المتحدة قوة إسناد وضمان وتنسيق من الخلف.

وعندها لن يكون السؤال: من يحمي السفن؟

بل: من يقود النظام الأمني الجديد في المنطقة؟

 

شارك المقال: