أحمد بدوي: أزمة مارس ومحمد نجيب كما يراه د. أيمن ندا
المبالغة في تصوير محمد نجيب كأنه كان «مشروع دولة قانون كامل» وأنه اصطدم بـ "رجال القوة" أراها نقطة أساسية تحتاج مراجعة يا دكتور، كونها تتعارض مع قرارات أساسية في المرحلة الأولى للثورة
جمال عبد الناصر ومحمد نجيب (صورة أرشيفية)
أزمة مارس 1954 ليست صراع “خير وشر” بل كانت حماية لمستقبل ثورة 23 يوليو يا د.أيمن ندا وبالتالي، لدي 9 نقاط للرد على مقالك: «محمد نجيب.. الرئيس الذي صادروا سلطته وأمموا صورته!»
د. أيمن منصور ندا يكتب: أن تكون رئيسا لمصر (1-6) محمد نجيب
تواجهنا المشكلة الأولى في المقال
أقصد الاستناد إلى ابن خلدون في تفسير عزل محمد نجيب، أسلوب جذاب أدبيًا، لكنه ليس تفسيرًا تاريخيًا دقيقًا.
ابن خلدون كان يتحدث عن قيام الدول وسقوطها في إطار العصبية، القبلية، والعائلية في عصره، بينما تنظيم «الضباط الأحرار» كان تنظيمًا سياسيًا عسكريًا حديثًا نشأ داخل مؤسسة الدولة.
وبالتالي، فإن نقل مفهوم «العصبية» إلى تنظيم الضباط الأحرار يحتاج إلى إثبات أن الولاء كان قائمًا على رابطة اجتماعية شبيهة بما قصده ابن خلدون، وليس مجرد تنظيم سري عسكري.
والأدق أن يقال إن عبد الناصر امتلك تنظيمًا سياسيًا داخل الجيش، لا «عصبية» بالمعنى الذي قصده المؤرخ الشهير.
كون الفرق كبيرًا بين رابطة الدم والقبيلة التي تحدث عنها ابن خلدون، وبين تنظيم حديث له قيادة وخلايا ويحكمه الانضباط.
هل كان نجيب يملك كل الشرعية بينما كان عبد الناصر يملك القوة فقط؟
هذه صياغة انتقائية، من وجهة نظري. صحيح أن محمد نجيب امتلك عناصر قوة مهمة، كان أقدم رتبة من معظم الضباط الأحرار.
كان بطلًا في حرب فلسطين.
فاز بانتخابات نادي الضباط عام 1951.
كان مقبولًا لدى قطاعات واسعة من الجيش والرأي العام، لكن الوثائق والشهادات تشير أيضًا إلى أن قيادة تنظيم الضباط الأحرار اختارته لأسباب عملية.
رتبته العسكرية الأعلى، صورته العامة المقبولة، قدرته على منح الحركة غطاءً أمام الجيش والرأي العام.
في حين أنه لم يكن مؤسس التنظيم أو قائده التنظيمي، هذه نقطة مهمة، وعليه، فالقول إن «نجيب امتلك السؤدد وعبد الناصر امتلك العصبية» اختزال أدبي أكثر منه تحليلًا تاريخيًا.
المبالغة في تصوير محمد نجيب كأنه كان «مشروع دولة قانون كامل» وأنه اصطدم بـ “رجال القوة”
أراها نقطة أساسية تحتاج مراجعة يا دكتور، كونها تتعارض مع قرارات أساسية في المرحلة الأولى للثورة، تشكل من وجهة نظري “قرارات مركزية في بناء النظام الجديد” آنذاك
وقد توافق محمد نجيب مع كل خطوة تمت في السنوات الأولى للثورة الأم في تاريخ الجمهورية المصرية.
أزمة مارس 1954 لم تكن ببساطة معركة “الديمقراطي ضد الديكتاتور” كما تقول
محمد نجيب طالب بعودة الأحزاب والبرلمان وانتخابات جمعية تأسيسية.
بينما مجلس قيادة الثورة كان يرى أن العودة السريعة للأحزاب قد تعيد القوى القديمة إلى الحكم.
خاصة أنصار النظام السابق والأحزاب التي تتقاطع معه ومع الاحتلال نفسه هي التى تغذي الأزمة، خلال فترة انتقالية لا يمكن اختزال دوافعها في الرغبة المجردة بالاستيلاء على السلطة!!
بخصوص الهدف السادس لثورة 23 يوليو
والقول إن محمد نجيب صاحب إضافة هدف «إقامة حياة ديمقراطية سليمة» يحتاج إلى دليل مباشر.
المعروف أن أهداف الثورة الستة صيغت في بيانات مجلس قيادة الثورة، وأُعلنت رسميًا عام 1953، ومن ثم فنسبة الهدف السادس إلى نجيب تحديدًا غير موثقة تاريخيًا
ولا يوجد ما يثبت أنه صاحب الاقتراح منفردًا، وحتى لو كان نجيب أكثر أعضاء المجلس وضوحًا في الدعوة إلى العودة للحياة النيابية (!) لكن هذا لا يعني أنه صاحب صياغة الهدف.
ترقية عبد الحكيم عامر من رائد إلى لواء وتعيينه قائدًا عامًا للقوات المسلحة عام 1953 ليست دليلًا حاسمًا على صراع «القوة ضد الحق»
نعم، كانت بالفعل نقطة جدلية في إعادة تشكيل موازين القوة داخل الجيش، لكن تفسيرها بأنها مجرد دليل على انتصار «الشبكة» على «القانون»
يتجاهل أن الثورات والحكومات الانتقالية كثيرًا ما تعيد تشكيل المؤسسات العسكرية وفق الولاءات السياسية الجديدة.
يمكن نقد القرار من زاوية تأثيره على المؤسسة العسكرية، حينها، لكن لا يمكن اختزاله في صراع أخلاقي بين “رجل نزيه” و”رجال نفوذ”
المقارنة مع بومدين وبن بلة ونكروما تحتاج أيضًا إلى وقفة يا د.أيمن.
في الجزائر كان الصراع بين أحمد بن بلة وهواري بومدين مرتبطًا بتركيبة الثورة الجزائرية، قيادة الثورة السياسية داخل الجزائر، أقصد قادة جبهة التحرير الوطني الذين عملوا داخل البلاد أو في الهيئات السياسية الخارجية، وكانوا معنيين بإدارة العمل السياسي والعسكري.
وجيش الحدود، القوات التي تمركزت خارج الجزائر، وتولت التدريب والتسليح والإعداد العسكري تحت قيادة هواري بومدين قبل الاستقلال.
في غانا كان انقلاب 1966 ضد نكروما مرتبطًا بعوامل اقتصادية ودولية وعسكرية مختلفة.
في مالي كان انقلاب 1968 ضد موديبو كيتا له ظروفه الخاصة.
وجود قاسم مشترك عام لا يعني أن الحالات متطابقة.
الأكثر إشكالية في المقال:تأميم صورة نجيب لصالح عبد الناصر
كما أقول لكم دائمًا: «البرغة تتقدم على التوثيق»
صحيح أن عبد الناصر أصبح لاحقًا رمزًا لصورة الرئيس العسكري المثقف والزاهد والقريب من الشعب، وهي صفات ارتبط بعضها أيضًا بمحمد نجيب، لكن انتقال الرموز السياسية لا يحدث فقط عبر الإقصاء، بل عبر قدرة الزعيم الجديد على بناء علاقة سياسية وشعبية واسعة.
عبد الناصر لم يرث صورة نجيب فقط، بل صنع صورة خاصة به من خلال قرارات كبرى مثل اتفاقية الجلاء مع بريطانيا، تأميم قناة السويس، بناء السد العالي،سياسة عدم الانحياز
تواجهنا مشكلات أساسية في المقال
أقصد:
– تحويل الخلافات بين محمد نجيب (الواجهة السياسية) وقيادة الثورة (السلطة الفعلية) إلى مظلومية أخلاقية بين رجل يمثل القانون ورجال يمثلون القوة.
الحقيقة التاريخية أكثر تشعبًا من ذلك.
محمد نجيب، على دوره النسبي في بداية الثورة، لم يكن يحمل وحده مشروعًا ديمقراطيًا مكتملًا منذ اليوم الأول.
– جنازة جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970 تظل شاهدًا تاريخيًا على حجم المكانة التي احتلها في وجدان قطاعات واسعة من الشعب المصري والعالم العربي.
كما أن استمرار الجدل حول تجربته، وما يتعرض له من انتقادات بعد أكثر من خمسة عقود على رحيله وهو في مرقده، يؤكد أن مشروعه وأفكاره ما زالت حاضرة في النقاش العام.
وأن الرسائل التي حملها خلال حياته تجاوزت حدود الزمن والجغرافيا ووصلت إلى كثير من الشعوب التي رأت فيها تعبيرًا عن الاستقلال والكرامة الوطنية.
– الزعيم جمال عبد الناصر لم ينتصر فقط لأنه امتلك «العصبية» أو التنظيم، بل لأنه كان صاحب المشروع الفكري المؤسس، وصاحب الدور المركزي (حينها كان محمد نجيب يُكرم من الملك)
وبالتالي، فمحمد نجيب ليس «صاحب الحق الذي هزمته القوة»
بل حل ضيفًا على ثورة يقودها رجال لديهم استراتيجية وطنية شاملة، حاول (رحمه الله) لاحقًا تغيير قواعدها في اتجاه كان كفيلًا بفشلها، وكان «البوليس السياسي”سيطاردنا الآن، لأننا كتبنا هذا الكلام.
شاركنا برأيك