علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
آراء و تحليلات
د. أيمن منصور ندا
د. أيمن منصور ندا

أستاذ الإعلام المصري

د. أيمن منصور ندا يكتب: أن تكون رئيسا لمصر (1-6) محمد نجيب

كان نجيب يريد للرئاسة أن تستعيد سلطاتها الفعلية، وللثورة أن تصلح الدولة ثم تغادرها، بينما أراد عبد الناصر للثورة أن تصبح هي الدولة.

مشاركة:
حجم الخط:

محمد نجيب: الرئيس الذي صادروا سلطته وأمموا صورته!

قبل نحو ستة قرون، كتب ابن خلدون في “المقدمة”: “الرئاسة لا تكون إلا بالغُلْب، والغُلْب إنما يكون بالعصبية” (الجماعة المتماسكة التي تتناصر، والشبكة التي تحمي رجالها)

لم يكن ابن خلدون يعرف بالطبع اللواء محمد نجيب، لكنه كاد يكتب ملخص أزمته قبل أن يولد بمئات السنين.

كان محمد نجيب يملك الرتبة الأعلى، والتاريخ العسكري، والشجاعة، والثقافة، والسمعة، والقبول في الجيش، ثم المنصب نفسه، لكنه لم يكن يملك الجماعة التي صنعها، ولا الشبكة التي ترتبط به، ولا الرجال الذين تستمد مواقعهم من بقائه.

كان عبد الناصر يملك ذلك كله.

امتلك نجيب السؤدد، وامتلك عبد الناصر العصبية، وحين اختلف صاحب الرئاسة مع صاحب العصبية، لم تعد المعركة حول مَن يستحق أن يكون الرئيس، بل حول مَن يستطيع أن يجعل إرادته هي إرادة الدولة.

هكذا كان محمد نجيب أول رئيس للجمهورية، وأول من اكتشف أنَّ الرئاسة شيء، والسلطة شيء آخر.

كان نجيب، بمقاييس المؤسسة العسكرية المصرية في النصف الأول من القرن العشرين، رجلاً سابقاً لعصره قبل أن يكون ضابطاً سابقاً لرفاقه في الرتبة.

كان أول ضابط مصري يحصل على ليسانس الحقوق أثناء الخدمة (1927)

وأضاف إليه دراسات عليا في الاقتصاد السياسي والقانون الخاص، وبدأ الإعداد للدكتوراه أثناء خدمته.

تحدث الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والروسية والعبرية وغيرها.

وقرأ في التاريخ والسياسة والجغرافيا، وألّف الكتب (4 كتب) وأجاد الكتابة على الآلة الكاتبة في زمن لم تكن فيه هذه التفاصيل عاديةً في تكوين ضابط مصري.

ولم تكن الثقافة تعويضاً عن نقص عسكري، إذ حصل على نجمة فؤاد العسكرية الأولى، ومُنح لقب البكوية تقديراً لشجاعته في فلسطين.

وكان أول ضابط مصري يقود ما يربو على الفيلق بمفرده

لخص ثروت عكاشة مكانته في أخلاقه الرفيعة، وثقافته الواسعة، وشجاعته في ميدان القتال، كان نجيب يجمع ما كان موزعاً عادةً على عدة رجال:

عقل القانوني، وانضباط الضابط، وخبرة القائد، وشجاعة المقاتل.

وكانت شرعية نجيب أكبر من مجرد رتبة وشهادات. فقد كشفت انتخابات نادي الضباط في نهاية 1951 أنَّ للرجل رصيداً حقيقياً داخل الجيش، إلى جانب شعبية كبيرة خارجه.

وكما أشار جمال حماد، فإنَّ الحركة احتاجت إلى اسمه ومكانته ورتبته حتى تكتسب من الثقل ما لم يكن متاحاً لصغار الضباط وحدهم.

كان نجيب يملك السيرة التي تحتاج إليها الثورة لكي تُصدَّق،ودخل مجلس القيادة ومعه تاريخه، بينما دخل عبد الناصر ومعه رجاله.

وعندما اختلف التاريخ مع الرجال، انتصر الرجال

ولعلَّ مأزق نجيب الحقيقي لم يكن في نقص المؤهلات، بل في نوعيتها

فقد كان الصراع يحتاج نوعاً آخر لا يتوفر لديه، كان نجيب رجلاً شديد الإيمان بالأشياء التي يُفترض أن تكون لها قيمة: الرتبة، والأقدمية، والقسم، والقانون، والمنصب، والشرف، والكلمة.

كان يتعامل مع القاعدة كما لو أنَّ مجرد شرعيتها يكفي لحمايتها. لكنَّ القواعد لا تحمي نفسها، والمؤسسات لا تعيش بالأخلاق وحدها.

لخَّص مونتسكيو المسألة قبل قرنين بقوله: “حتى لا يُساء استعمال السلطة، ينبغي أن توقف السلطةُ السلطةَ”

وهذه تحديداً كانت إحدى مشكلات نجيب:

كان يملك احترام القاعدة، ولا يملك دائماً القوة المؤسسية التي تجعل الآخرين عاجزين عن تجاوزها.. وربما لهذا كانت بعض أجمل صفاته هي نفسها بعض أخطر نقاط ضعفه..

وحين يوضع نجيب إلى جوار عبد الناصر ورفاقه، يظهر اختلاف نوع التكوين لا مجرد اختلاف درجاته، فقد تفوق عليهم في المؤهلات التقليدية لرجل الدولة:

التعليم المدني، والقانون، والاقتصاد، واللغات، والخبرة العسكرية، بينما تفوقوا عليه في التنظيم السري، وشبكات الولاء، وفنون الصراع.

كان نجيب رجل حقوق، وكانوا رجال قوة؛ رجل أصول، وهم رجال نفوذ.

وكان يرى في “الشللية” عيباً، بينما حولوها إلى أداة للحكم.

لم يُسقط الرصاص نجيب في فلسطين،الأصوات داخل الغرفة أسقطته في القاهرة.

أتقن نجيب قيادة الهرم، ولم يتقن قيادة الشبكة، كان يؤمن بأن “الحق فوق القوة”

بينما كانت ممارسات رفاقه تقلب المعادلة إلى “القوة فوق الحق”؛ وكانت ترقية عامر من صاغ (رائد) إلى لواء وتعيينه قائداً عاماً مثالاً كاشفا.

لكن تفسير أسباب هزيمة نجيب لا يبرئه من نصيبه في صناعة النظام الذي هزمه.

وليس من الإنصاف أن نصوّر نجيب قديساً ديمقراطياً نقياً وقع مصادفةً بين عسكريين مستبدين أشرار.

فتلك رواية مريحة أكثر مما ينبغي، شارك نجيب بنفسه في سلطوية البدايات:

أعلن سقوط دستور 1923، وصدَّق على حكم إعدام خميس والبقري، ووافق على حل الأحزاب، وشارك في الحكم الاستثنائي الذي وُلد من حركة عسكرية أطاحت بالنظام القائم.

وهذه ليست حاشيةً ينبغي حذفها دفاعاً عنه؛ بل جزء من التناقض الكبير في شخصيته.

في أزمة حل البرلمان وتعطيل الدستور في 1928 و1929

تخفَّى نجيب وذهب إلى مصطفى النحاس مقترحاً تدخل الجيش لإجبار الملك فؤاد على احترام إرادة الشعب، فرد النحاس بأنَّ الجيش يجب أن يبقى بعيداً عن السياسة، وأنَّ الأمة هي مصدر السلطات.

أعطاه النحاس الدرس سنة 1929، واحتاج نجيب إلى ثورة كاملة لكي يفهم ثمن مخالفته.

وفي فبراير 1942، حين حاصرت الدبابات البريطانية قصر عابدين، قدَّم نجيب استقالته احتجاجاً على إهانة السيادة والجيش والقسم الذي أداه.

ثم جاءت مفارقة 1952: الرجل الذي استقال لأنَّ قوةً مسلحةً أجنبية فرضت إرادتها على الملك، شارك بعد عشر سنوات في حركة عسكرية أطاحت بالملك نفسه!

كان التناقض يسكن نجيب نفسه، ويمكن القول بأنه كان “كتلة تناقضات”:

يؤمن بالقانون، لكنه يسمح لنفسه بالخروج عليه لكي ينقذه، شجاعاً كما يشهد سجله العسكري، لكنه يميل، حين يعجز عن منع ما يرفضه، إلى الانسحاب الأخلاقي وتسجيل موقفه أكثر من ميله إلى خوض الصراع حتى نهايته:

حين عجز عن منع إهانة الملك والجيش، قدم استقالته،

وفي أزمة مارس 1954، استخدم سلاح الاستقالة نفسه في صراعه مع مجلس قيادة الثورة..

ولم تكن أزمة مارس 1954، في تقديري، مجرد مواجهة بين “الديمقراطي نجيب” و”الديكتاتور عبد الناصر” كانت، في جوهرها، صراعاً حقيقياً على السلطة، اختلط فيه دفاع نجيب عن موقعه وسلطات الرئاسة بتصوره لمصير الثورة نفسها.

لكنَّ الخلاف تجاوز حدود الرجلين حين أصبح السؤال:

هل تعود الأحزاب؟ هل يعود البرلمان؟ هل تُنتخب جمعية تأسيسية؟ وهل ينتهي الحكم الاستثنائي ويعود الجيش تدريجياً إلى ثكناته؟

عندها لم يعد الصراع على مَن يجلس على الكرسي فقط، بل على طبيعة الدولة التي ستخرج من الثورة.

وكان نجيب يريد للرئاسة أن تستعيد سلطاتها الفعلية، وللثورة أن تصلح الدولة ثم تغادرها، بينما أراد عبد الناصر للثورة أن تصبح هي الدولة.

من هذه الزاوية أنظر إلى الهدف السادس من أهداف يوليو:

“إقامة حياة ديمقراطية سليمة” وما أظنه واعتقده هو أن نجيب هو من اقترح إضافة هذا الهدف إلى قائمة أهداف (الحركة) الست، حتى ولو جاء في ذيل القائمة.

لا أملك دليلاً يسمح بمنح نجيب حق تأليفه منفرداً، لكنني أعرف مَن حاول تنفيذه عندما أصبح التنفيذ مكلفاً.

مرةً أخرى، امتلك نجيب القرار؛ وامتلك أعضاء مجلس قيادة الثورة القدرة على تنفيذه أو تعطيله.

أُخرِج نجيب من السلطة (نوفمبر 1954) وخرج معه البند السادس تقريباً.

بقي الوعد في قائمة أهداف يوليو، وظل التنفيذ مؤجلاً.

احتفظت جمهورية يوليو بالوعد، وأجّلت موعد التسليم إلى أجل غير مسمى.

لم يكن محمد نجيب ضعيفاً كما اختصره البعض، ولم يكن قديساً كما أحب آخرون أن يتذكروه.

كان رجلاً شديد الحس بالشرف، شديد الإيمان بالمؤسسة، سريع الاعتراض حين يرى القواعد تُكسر، وأقل استعداداً من خصومه لأن يفعل كل ما يلزم لكي ينتصر.

كان نجيب حريصاً على أن يخرج من المعركة صحيح الموقف، وكان خصومه حريصين على أن يخرجوا منها مالكي السلطة.

وربما كانت هذه أجمل صفاته وأكثرها تكلفةً في الوقت نفسه، ولهذا تبدو عبارة إنَّ محمد نجيب كان مجرد “واجهة” وصفاً كسولاً، بل وظالماً أيضاً.

الواجهة لا تحتاج إلى كل هذا الجهد لإبعادها، ولا إلى كل هذه السنوات لكي تعود إلى الذاكرة.

والأكثر إثارةً في هذا الصراع أن سلطات محمد نجيب لم تُصادر لصالح عبد الناصر فقط، بل تم أيضاً تأميم جوانب بارزة ورئيسة من صفاته الشخصية وصورته الذهنية لصالح الزعيم الجديد.

فالمعركة لم تكن على السلطة وحدها، وإنما على الذاكرة أيضاً

على سبيل المثال، قبل أن تصبح صورة “الضابط المثقف” جزءاً من بناء الزعامة الجديدة، كان نجيب يحمل شهاداته وكتبه ولغاته

وقبل أن تصبح الشجاعة العسكرية عنصراً مركزياً في صورة الرئيس، كان لنجيب سجل معروف و(حقيقي) في فلسطين.

وقبل أن يصبح الزهد ونظافة اليد من مكونات الصورة الناصرية

كان نجيب قد تنازل عن رتبة الفريق حتى لا تتحمل الدولة أعباء راتبها الأعلى.

وحتى صورة “الأب” التي كان نجيب أقرب إليها بحكم السن والرتبة والتكوين، انتقلت لاحقاً إلى عبد الناصر الشاب، فأصبح هو الأب السياسي للمصريين رغم أنه مات ولم يتجاوز الثانية والخمسين.

وهكذا أبقت الرواية الرسمية لسلطة يوليو صفات النموذج، وغيّرت صاحب الصورة.

أخرجوا الأصل من الصورة، ثم أمضوا سنوات يرسمون في الصورة الجديدة بعض ملامحه.

ولم تبقَ مفارقة محمد نجيب مصريةً خالصة بل بدا ما حدث كأنَّه نموذج سياسي قابل للتصدير.

فقد تكرر المشهد في جمهوريات ارتبطت بمصر الناصرية:

في الجزائر أطاح بومدين ببن بلة، وفي غانا أطاح العسكريون بنكروما، وفي مالي أطاح موسى تراوري بموديبو كيتا.

اختلفت الظروف، لكن التشابه لافت:

زعيم تاريخي يمنح النظام شرعيته، ثم تنتقل الكلمة الأخيرة إلى مَن يملك الرجال والسلاح.

وكأنَّ من مفارقات جمهوريات التحرر أنها وضعت بندقيتها في يد رجل، ثم اكتشفت أنَّ الرجل يستطيع، باسم البندقية، أن يقرر مَن يبقى رمزاً للثورة ومَن يحكمها..

أما محمد نجيب نفسه، فإنَّ عنوان مذكراته “كنتُ رئيساً لمصر” يحمل معنىً أعمق من مجرد التذكر.

يكاد يبدو محضر إثبات وجود، وفي العنوان شيء من مأساة “الملك لير”

أن يبقى للرجل اسم المُلك، بينما تكون السلطة قد غادرته بالفعل.

فالرجل الذي كان يصر في آخر يوم له على إثبات أنه أُقيل ولم يستقل، أمضى بعد ذلك سنوات طويلة خارج الصورة، ثم عاد في النهاية ليضع شهادته أمام التاريخ.

لم يقل: “حكمتُ مصر” قال: “كنتُ رئيساً لمصر” وبين العبارتين تقف مأساة نجيب كلها.

لكنَّ مأساة محمد نجيب لم تنتهِ عند محمد نجيب.

فالأخطر من أن يفقد رجلٌ سلطته وهو لا يزال يحمل اسم الرئيس، أنَّ جمهورية يوليو بدأت عهدها بهذه المفارقة نفسها:

منصبٌ له شرعيته، وقوةٌ لها كلمتها؛ قواعد تحدد مَن يفترض أن يحكم، وسلطة تستطيع، إذا امتلكت أدواتها، أن تعيد كتابة القواعد ذاتها.

منذ تلك اللحظة لم يعد السؤال فقط:

مَن يجلس على كرسي الرئاسة؟ بل: مَن يملك القوة التي تقرر مَن يجلس عليه، وما الذي يستطيع أن يفعله بعد أن يجلس؟

ومنذ ذلك اليوم ظل السؤال نفسه يطارد الجمهورية:

هل تُحْكَم مصر بالقانون الذي يحدد السلطة، أم بالقوة التي تعيد تعريف القانون؟!

شارك المقال:

شاركنا برأيك