علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
ترجمات
محمد كمال
محمد كمال

كاتب وباحث حقوقي

تراجع الثقة بواشنطن يعيد رسم خريطة التحالفات العالمية

بحسب تحليل في الغارديان، تدفع حالة عدم اليقين بشأن السياسة الخارجية الأمريكية دولًا وقوى متوسطة إلى تنويع شراكاتها الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية، عبر ترتيبات تشمل بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون وتعاونًا أوروبيًا وخليجيًا وآسيويًا أكثر استقلالًا عن واشنطن.

مشاركة:
حجم الخط:

تراجع الثقة بواشنطن يعيد رسم خريطة التحالفات العالمية

فيما يستعد قادة العالم للاجتماع السنوي للأمم المتحدة، تتواصل التحولات في النظام العالمي.

وفي هذا السياق، تبحث قوى متوسطة عن ترتيبات جديدة، في ظل حالة متزايدة من عدم اليقين بشأن الدور الأميركي.

القوى المتوسطة تعيد حساباتها

في البداية، يظهر هذا التحول في الطريقة التي تعيد بها دول عديدة النظر إلى تحالفاتها.

فبدلاً من الاعتماد على إطار تحالف واحد، تتجه هذه الدول بصورة متزايدة إلى تنويع شراكاتها السياسية والاقتصادية والأمنية.

وكما دعا رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في خطاب ألقاه في دافوس،

فإن القوى المتوسطة تعيد تنظيم صفوفها. وبالتالي، يبدو هذا الاتجاه أكثر وضوحاً بين عدد من الحلفاء السابقين للولايات المتحدة.

وفي هذا الإطار، يقول مارك ليونارد، مدير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية،

إن العالم ينتقل من نظام كانت الدول تتحرك داخله وفق التحالفات القائمة إلى وضع جديد

يركز على التحوط وضمان القدرة على الدفاع عن النفس إذا لم تكن الولايات المتحدة موجودة.

بريكس ومنظمة شنغهاي توسعان حضورهما

وفي المقابل، تشهد التحالفات التي لا تشارك فيها الولايات المتحدة، مثل مجموعة «بريكس»

ومنظمة شنغهاي للتعاون، توسعاً وتعمقاً متزايدين.

فعلى سبيل المثال، اختُتمت قمة «بريكس» الأخيرة في دلهي بإعلان مؤلف من 140 فقرة،

ركز على تعزيز قدرة الدول ذات السيادة على حماية اقتصاداتها وسلاسل إمدادها وأنظمة الدفع الخاصة بها.

وفي الوقت نفسه، سعى الإعلان إلى إبراز قدرة «الجنوب العالمي» على صياغة القواعد،

من دون أن يتحول ذلك إلى تحالف معلن ضد الولايات المتحدة.

ومن جهة أخرى، شهد اجتماع منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك، عاصمة قرغيزستان،

دعوة من الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى التعاون الدولي والتنمية، بعيداً عن الصراع والمواجهة.

وبالإضافة إلى ذلك، توسعت أنشطة المنظمة، التي تأسست في الأصل لإدارة النزاعات الحدودية،

لتشمل مجالات اقتصادية مرتبطة بالتجارة والاستثمار والترابط بين الدول.

تحالفات جديدة بأهداف محددة

وفي المقابل، لا تقتصر التحولات على التكتلات الدولية الكبرى. فهناك أيضاً تحالفات جديدة تركز على أهداف محددة،

سواء داخل مؤسسات قائمة أو من خلال إنشاء آليات جديدة للتعاون التجاري.

وعلى سبيل المثال، تشير تقديرات مركز «تشاتام هاوس» إلى إمكانية تشكيل ما يصل إلى ستة تحالفات مصغرة في المملكة المتحدة،

تشمل مجالات مثل بناء الغواصات ومحركات الطائرات والمعادن الحيوية والتجارة الحرة.

ومن هنا، يظهر نمط جديد يقوم على إنشاء شراكات متخصصة بدلاً من الاعتماد الكامل على تحالف واحد.

الشرق الأوسط يعيد حساباته

وفي الشرق الأوسط أيضاً، برزت مؤشرات على إعادة ترتيب العلاقات الأمنية.

ففي 7 آب/أغسطس، وقعت تركيا وباكستان والسعودية «اتفاق مكة»، وهو تحالف عسكري دفاعي.

وبينما يرى بعضهم أنه قد يقلل الاعتماد على المظلة العسكرية الأميركية، يرى آخرون أنه يستهدف مواجهة إيران.

ومع ذلك، فإن التفسير النهائي لهذا الترتيب لا يزال موضع نقاش. وفي كلتا الحالتين،

يشير المصدر إلى أن الاتفاق قد يؤثر في البنية الأمنية للشرق الأوسط.

الخليج يبحث عن خيارات أمنية جديدة

وفي هذا السياق، ازدادت المخاوف الخليجية بشأن الاعتماد على المظلة الأمنية الأميركية،

خصوصاً بعد تعرض قواعد أميركية في المنطقة لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.

إضافة إلى ذلك، أدى استهداف الدوحة إلى إعادة طرح أسئلة بشأن طبيعة التهديدات الأمنية في المنطقة.

وبناءً على ذلك، قال ماجد الأنصاري، المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية،

إن دول الخليج لا تستطيع الاعتماد حصراً على الولايات المتحدة والتحالفات الدولية الأخرى لضمان أمنها،

مؤكداً أهمية الاعتماد على القدرات الذاتية.

وفي الوقت نفسه، تبقى الحسابات الاقتصادية حاضرة بقوة. فـ«رؤية السعودية 2030»

تحتاج إلى الاستثمارات الأجنبية والسياحة ومسارات موثوقة للطاقة؛

ولذلك يمكن أن تشكل الحروب المستمرة عبئاً على الاقتصاد السعودي، وفق ما يورده المصدر.

الهند أمام معادلة الطاقة

وبالتوازي مع ذلك، تمتد تداعيات التحولات الإقليمية إلى الهند.

فالهند تعتمد على الشرق الأوسط في الحصول على نحو 60% من احتياجاتها من النفط الخام،

إضافة إلى نحو 70% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال.

ولهذا السبب، قد تجد نيودلهي نفسها أمام حاجة متزايدة إلى بناء شراكات أمنية خاصة بها في المنطقة تستند إلى القوة الصلبة.

أوروبا تبحث عن مساحة أكبر

أما في أوروبا، فقد ظهرت الأسئلة نفسها بشأن مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة.

ولهذا السبب، برزت دعوات لجعل حلف «الناتو» أكثر أوروبية، مع تعزيز قدرة الدول الأوروبية على التعاون في مواجهة التهديدات الأمنية.

وفي الوقت نفسه، يغذي هذا النقاش عاملان أساسيان: الحرب الهجينة التي تنسب إلى موسكو،

وخطة الولايات المتحدة لترك مسؤولية الدفاع التقليدي عن أوروبا للأوروبيين.

وبالتالي، ليس من المستغرب أن تكون بولندا ودول البلطيق والدول الإسكندنافية

قد رفعت إنفاقها الدفاعي منذ عام 2022 بنسب بلغت، على التوالي، 71% و134% و126%.

كما تتزايد، في المقابل، الدعوات إلى شراء المزيد من الأسلحة الأوروبية.

كندا تبحث عن شبكة جديدة

ومن جهة أخرى، تواجه كندا معضلة مختلفة، إذ تدخل في حرب تجارية مع الولايات المتحدة.

وفي هذا السياق، دعا رئيس الوزراء مارك كارني إلى إعادة تنظيم صفوف القوى المتوسطة.

لكن رسالته في دافوس تركت أسئلة مفتوحة حول طبيعة هذا التحرك:

هل يتعلق الأمر بالبحث عن أسواق جديدة، أم ببناء شبكة من الدول تمثل تكتلاً ثالثاً؟

وبالإضافة إلى ذلك، يرى السفير الكندي السابق لدى الأمم المتحدة بوب راي أن نجاح تحالف القوى المتوسطة

يتطلب وضوحاً أكبر بشأن القيم التي تدافع عنها كندا، ومنها التمسك بالقانون الدولي.

وفي خطاب لاحق أمام البرلمان الأوروبي، قال كارني إن العضوية المنتسبة في الاتحاد الأوروبي

لا ينبغي أن تكون اقتصادية فقط، بل يمكن أن تقوم أيضاً على قيم مشتركة.

ومع ذلك، يظل هذا الطرح أمام تعقيدات مرتبطة بطبيعة الاتحاد الأوروبي وقواعده المتعلقة بالأسواق.

كوريا الجنوبية واليابان أمام أسئلة أمنية

ولا تقتصر هذه التحولات على أوروبا وأميركا الشمالية. ففي كوريا الجنوبية، أثار تقليص الولايات المتحدة

مدة مناورات «أولتشي فريدوم شيلد» من 11 يوماً إلى خمسة أيام نقاشاً حول مستقبل التعاون الأمني.

وبالتالي، امتد النقاش إلى اليابان أيضاً، خصوصاً بشأن فكرة امتلاك أسلحة نووية مستقلة في ظل المخاوف

المرتبطة ببرنامج كوريا الشمالية.

وفي المقابل، أتاحت هذه التوترات للصين فرصة لتقديم نفسها إلى كوريا الجنوبية وآسيا باعتبارها شريكاً أكثر موثوقية، وفق ما يورده المصدر.

هل يمكن إعادة بناء النظام القديم؟

في النهاية، لا يوجد اتفاق واضح بشأن الاتجاه الذي ستتخذه هذه التحولات.

فمن جهة، يرى المتفائلون، ومن بينهم كورت كامبل، أن التحالفات الأميركية القديمة يمكن إعادة بنائها،

وأن قوى كانت تدفع الأطراف إلى التعاون قد تعود إلى الواجهة.

ومن جهة أخرى، يرى رأي مختلف أن شيئاً أساسياً قد تغير بالفعل، وأن الدول التي تعرضت لصدمة سياسية

أو أمنية ستصبح أكثر حذراً مستقبلاً.

وبناءً على هذا الرأي، قد لا يعود النظام القديم عبر الأطلسي بالشكل نفسه، بينما بدأ يتشكل نظام جديد أكثر تشرذماً وأقل قابلية للتنبؤ.

شارك المقال:

شاركنا برأيك