علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
تقارير
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

الخبير الإعلامي المصري

حصار لاهاي، ماذا يعني تصعيد واشنطن ضد المحكمة الجنائية الدولية؟

في فبراير 2011 أحال مجلس الأمن الدولي الوضع في ليبيا إلى المحكمة الجنائية الدولية بالإجماع، رغم أن ليبيا لم تكن عضواً في نظام روما.

مشاركة:
حجم الخط:

لم تعد المواجهة بين واشنطن والمحكمة الجنائية الدولية مجرد خلاف قانوني على حدود الاختصاص، ولا سجالاً سياسياً حول مذكرة توقيف هنا أو تحقيق هناك.

ما يجري الآن يقترب من معركة على قدرة المحكمة نفسها على البقاء والعمل.

فوفق معلومات نشرتها «رويترز» في 21 سبتمبر 2026، أعدت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عقوبات تستهدف المحكمة الجنائية الدولية كمؤسسة، لا عدداً من قضاتها ومسؤوليها فقط، بينما لا يزال توقيت الإعلان النهائي عنها غير محسوم.

وإذا نُفذت بهذه الصورة، فقد تمتد آثارها من الحسابات المصرفية إلى التأمين والبرمجيات والتعاقدات ورواتب الموظفين، أي إلى الشرايين اليومية التي تُبقي مؤسسة قضائية دولية تعمل.

هنا يصبح السؤال أكبر من خلاف أميركي مع قضاة في لاهاي: هل تستطيع عدالة دولية بلا جيش ولا شرطة ولا نظام مالي مستقل أن تواجه قوة تملك نفوذاً واسعاً على النظام المالي العالمي؟

من معاقبة القضاة إلى الضغط على المؤسسة

المواجهة ليست جديدة. ففي ولاية ترمب الأولى فرضت واشنطن عام 2020 عقوبات على المدعية العامة للمحكمة آنذاك فاتو بنسودا ومسؤول آخر بسبب التحقيق المتعلق بأفغانستان.

وألغت إدارة جو بايدن تلك العقوبات في أبريل 2021، رغم استمرار خلافها مع المحكمة بشأن أفغانستان وفلسطين.

لكن ترمب عاد في فبراير 2025 ليصدر أمراً تنفيذياً جديداً يسمح بفرض عقوبات مرتبطة بالمحكمة، معتبراً أن تحركاتها ضد أميركيين وإسرائيليين تتجاوز اختصاصها.

استمر استخدام هذه الآلية خلال 2026، إذ أظهرت سجلات وزارة الخزانة الأميركية إضافة أسماء مرتبطة بالمحكمة إلى قوائم العقوبات.
التحول الخطير في الخطة الجديدة هو الانتقال المحتمل من استهداف الأفراد إلى استهداف المؤسسة ذاتها.

فالبنوك والشركات العالمية كثيراً ما تتعامل بحذر يتجاوز النص الحرفي للعقوبات الأميركية، خشية فقدان قدرتها على العمل بالدولار أو دخول السوق الأميركية.

ولذلك قد يصبح العثور على شركة تأمين أو مزود برمجيات أو جهة لتحويل الأموال مشكلة حقيقية للمحكمة.

فلسطين.. الملف الذي نقل المواجهة إلى مستوى آخر

فلسطين انضمت إلى نظام روما الأساسي عام 2015، وفي فبراير 2021 قضت الدائرة التمهيدية في المحكمة بأن اختصاصها الإقليمي في الحالة الفلسطينية يمتد إلى قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية.

في 21 نوفمبر 2024 أصدرت المحكمة مذكرتي اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت على خلفية اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وهي اتهامات قضائية وليست أحكام إدانة نهائية.

واشنطن وإسرائيل ترفضان أساس هذا الاختصاص، وتؤكد الولايات المتحدة خصوصاً أنها ليست طرفاً في نظام روما.

في المقابل، يقوم المنطق القانوني للمحكمة على أن جنسـية المتهم ليست العامل الوحيد المحدد للاختصاص؛ إذ يمكن للمحكمة النظر في جرائم يشتبه في ارتكابها داخل أراضي دولة طرف في النظام.

هنا تحديداً تحولت فلسطين إلى اختبار غير مسبوق تقريباً:

ليس فقط لما ستقرره المحكمة، بل لما إذا كانت الدول الأعضاء ستنفذ قراراتها عندما تطال مسؤولين في دولة تحظى بدعم أميركي واسع.

ليبيا.. عندما فتح مجلس الأمن أبواب المحكمة

في فبراير 2011 أحال مجلس الأمن الدولي الوضع في ليبيا إلى المحكمة الجنائية الدولية بالإجماع، رغم أن ليبيا لم تكن عضواً في نظام روما.

وبعد أشهر أصدرت المحكمة مذكرات اعتقال بحق معمر القذافي وسيف الإسلام القذافي وعبد الله السنوسي.

لكن التجربة الليبية كشفت أحد أكبر عيوب المحكمة: هي تصدر أوامر الاعتقال، لكنها لا تملك قوة شرطية لتنفيذها.

فهي تعتمد على الدول في القبض على المطلوبين وتسليمهم.

بالتالي، قد يكون قرار القاضي قوياً على الورق، بينما تظل قيمته العملية مرتبطة بالإرادة السياسية للدول.

العراق.. حين اصطدم التحقيق بمبدأ «التكامل»

بحث مكتب المدعي العام لسنوات مزاعم تتعلق بجرائم ارتكبها أفراد من القوات البريطانية أثناء حرب العراق.

وفي تقريره النهائي عام 2020، خلص المكتب إلى وجود أساس معقول للاعتقاد بوقوع جرائم تدخل ضمن اختصاص المحكمة، لكنه أنهى الفحص الأولي بعد دراسة مسألة «التكامل» والتحقيقات البريطانية الداخلية وعدم توافر الأساس القانوني اللازم للانتقال إلى قضية أمام المحكمة.

تكشف هذه السابقة أن المحكمة، خلافاً للصورة الشائعة، ليست بديلاً تلقائياً عن القضاء الوطني؛ فنظامها يفترض أساساً أن تتدخل عندما تكون السلطات الوطنية غير راغبة أو غير قادرة على إجراء تحقيقات ومحاكمات حقيقية.

سوريا.. القضية التي لم تصل إلى لاهاي

لكن المثال الأكثر وضوحاً على ارتباط العدالة الدولية بموازين القوة ربما يكون سوريا.

سوريا ليست دولة طرفاً في نظام روما، وكان أحد الطرق الرئيسية لمنح المحكمة الاختصاص هو إحالة مجلس الأمن للملف.

وفي مايو 2014 أيد 13 عضواً في المجلس مشروع الإحالة، لكن روسيا والصين استخدمتا حق النقض، فسقط القرار.

كانت الرسالة واضحة: عندما لا تكون الدولة عضواً، يمكن للفيتو السياسي لدولة دائمة العضوية أن يغلق أبواب المحكمة مهما كان حجم الاتهامات المطروحة.

أفغانستان أصل الصدام الأميركي

في الامتداد الإقليمي لحروب ما بعد 11 سبتمبر، كان ملف أفغانستان أحد الأسباب الرئيسية للصدام الأميركي مع المحكمة.

ففي مارس 2020 سمحت دائرة الاستئناف بفتح التحقيق الذي شمل مزاعم بحق حركة طالبان والقوات الأفغانية، وكذلك مزاعم تتعلق بأفراد من القوات الأميركية ووكالة الاستخبارات المركزية بشأن التعذيب وغيره من الانتهاكات في أفغانستان وبعض الدول الأطراف في نظام روما.

من هنا ترى واشنطن أن المحكمة تحاول فرض سلطتها على مواطنين أميركيين رغم أن الولايات المتحدة لم تصادق على نظام روما، بينما يستند موقف المحكمة إلى وقوع بعض الأفعال المزعومة داخل أراضي دول تقبل اختصاصها.

المعركة الحقيقية: من يحاسب من؟

لهذا فإن أزمة 2026 تتجاوز نتنياهو أو فلسطين أو حتى الخلاف الأميركي مع لاهاي.

المحكمة الجنائية الدولية تأسست على فكرة بسيطة في ظاهرها وشديدة التعقيد في تطبيقها:

ألا تبقى الجرائم الأشد خطورة بلا مساءلة عندما تعجز المحاكم الوطنية عن القيام بدورها.

لكن تاريخ الشرق الأوسط أثبت أن المسافة بين النص القانوني وتنفيذ العدالة يمكن أن تكون هائلة.

في ليبيا فتحت إحالة مجلس الأمن الباب ثم ظهرت أزمة التنفيذ. وفي سوريا أغلق الفيتو الباب من البداية.

وفي العراق أوقف مبدأ التكامل الانتقال إلى المحاكمة الدولية.

وفي فلسطين وصل الصدام إلى قلب العلاقة بين القانون الدولي والقوة السياسية.

أما أفغانستان فقد نقل الخلاف مباشرة إلى العلاقة بين المحكمة والولايات المتحدة.

لذلك، إذا انتقلت واشنطن بالفعل إلى فرض عقوبات على المحكمة ككيان كامل، فإن السؤال لن يكون فقط ما إذا كانت لاهاي قادرة على مواصلة تحقيقاتها.

بل ما إذا كان النظام الدولي نفسه يستطيع حماية مؤسسة قضائية أنشأها لمحاكمة أخطر الجرائم عندما تصبح قرارات تلك المؤسسة غير مريحة لأقوى الدول وحلفائها.

فالمحكمة لا تملك جيشاً لفرض أحكامها، ولا نظاماً مالياً خاصاً يحميها من العقوبات. وما تملكه في النهاية هو القانون، وتعاون الدول، والاعتقاد بأن مرتكب الجريمة لا ينبغي أن يكون أقوى من العدالة.

وأزمة لاهاي الحالية ستختبر العناصر الثلاثة معاً.

شارك المقال:

التعليقات مغلقة على هذا المقال.