مقالات
عمرو صابح
عمرو صابح

كاتب وباحث

عمرو صابح يكتشف: مذكرات جديدة لمحمد نجيب (1)

اكتشف أن الأجندة تحمل يوميات الرئيس محمد نجيب، أدرك أهمية الأوراق التي عثر عليها، وقرر أن يهديها إلى مجلة «آخر ساعة» بدلًا من الاحتفاظ بها لنفسه.

مشاركة:
حجم الخط:

مذكرات محمد نجيب في مجلة “آخر ساعة”

لم يترك الرئيس محمد نجيب مذكرات واحدة عن حياته ودوره في ثورة 23 يوليو، وإنما ترك وراءه أربع روايات مختلفة صدرت على امتداد نحو ثلاثة عقود.

وتولى صياغتها ثلاثةُ كُتّاب مختلفين، وهو ما أفرز اختلافات وتناقضات واضحة في سرد الوقائع وتقييم الأشخاص والأحداث.

ثم ظهرت، بعد ذلك، أجندة شخصية بخط يده في عام 1998

لتضيف رواية خامسة إلى شهاداته المتعددة، وتفتح من جديد ملف رجل ظل يعود إلى ماضيه، ويعيد رواية تجربته أكثر من مرة.

​بدأ مسلسل مذكرات نجيب بكتاب «مصير مصر» الذي صدر باللغة الإنجليزية عام 1955، وصاغه الصحفي الإنجليزي لي وايت.

وظلت النسخة العربية غائبة عن القارئ المصري لعقود طويلة، قبل أن تصدر مترجمة عام 1995.

وتكتسب هذه النسخة أهمية خاصة لقربها الزمني من أحداث الثورة وأزمة مارس 1954، قبل أن تتراكم الخصومات السياسية، وتتغير الظروف، وتُعاد صياغة الوقائع من جديد.

واللافت أن محمد نجيب أهدى هذه النسخة إلى رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد، أحد أبرز رجال بريطانيا في العالم العربي، وأكثرهم عداءً لجمال عبد الناصر وثورة يوليو، وهي واقعة تكشف جانبًا من أفكار نجيب وتوجهاته في تلك المرحلة المبكرة.

​وفي عام 1975، وبعد عشرين عامًا من صدور «مصير مصر»، ظهرت الرواية الثانية بعنوان «كلمتي للتاريخ» وقام بصياغتها الضابط الحر والمؤرخ أحمد حمروش.

​ثم جاءت الرواية الثالثة والأشهر «كنت رئيسًا لمصر» التي صدرت عام 1984، وهو العام نفسه الذي توفي فيه محمد نجيب، بعد أن تجاوز الثالثة والثمانين من عمره.

وقد تولى صياغتها الكاتب الصحفي عادل حمودة

لتصبح الرواية الأكثر تداولًا بين خصوم ثورة يوليو، رغم أنها لم تكن بداية شهادة نجيب، وإنما إعادة صياغة جديدة لرواية سبق أن قُدّمت في صورة مختلفة.

​وبعد عام واحد فقط، عاد عادل حمودة إلى أوراق الرئيس الأسبق، فأصدر كتاب «الوثائق الخاصة بالرئيس نجيب» عام 1985.

صدر الكتاب متضمنًا وثائق ومذكرات وأوراقًا جديدة، ليصبح الكتاب بمثابة الرواية الرابعة في سلسلة شهادات محمد نجيب عن نفسه وعن الأحداث التي عاشها.

والأكثر إثارة للانتباه أن حمودة أدرج في الصفحات الأخيرة من الكتاب قائمة بمؤلفاته، وجاء ضمنها كتاب «كنت رئيسًا لمصر» باعتباره واحدًا من مؤلفاته!

​وهكذا، لم يعد محمد نجيب مجرد صاحب مذكرات، وإنما أصبح صاحب سلسلة من الروايات عن حياته وتاريخه.

روايات ظهرت في أزمنة مختلفة، وصاغها أكثر من قلم، وتفاوتت في سرد الوقائع وتقييم الأشخاص والأحداث.

 الأمر الذي يجعل شهاداته مادة تحتاج إلى المقارنة والتدقيق، لا إلى التعامل معها باعتبارها رواية واحدة مستقرة.

​لكن المفاجأة جاءت بعد ذلك بسنوات، ومن مكان لم يكن أحد يتوقع أن تخرج منه وثيقة تاريخية بهذه الأهمية.

في عام 1998، اشترى مدرس لغة إنجليزية يُدعى أنسي السيد محمد أجندة قديمة من سوق الروبابيكيا في القَلَج بخمسين قرشًا فقط.

وفي البداية لم يكن يعرف قيمة ما وقع في يده

لكن بعدما اكتشف أن الأجندة تحمل يوميات الرئيس محمد نجيب، أدرك أهمية الأوراق التي عثر عليها، وقرر أن يهديها إلى مجلة «آخر ساعة» بدلًا من الاحتفاظ بها لنفسه.

​وهكذا وصلت الأجندة إلى المجلة، التي نشرت محتوياتها في خمس حلقات، في أعدادها الصادرة من 11 أغسطس 1998 حتى 9 سبتمبر 1998.

لتظهر إلى العلن يوميات تغطي فترة شديدة الحساسية من تاريخ مصر، تبدأ في 25 أغسطس 1970 وتنتهي في 17 أكتوبر 1970.

وكانت هذه الأسابيع القليلة تختزن مرحلة مفصلية في التاريخ المصري والعربي

فالمنطقة كانت تعيش على وقع أزمة أيلول الأسود في الأردن، بينما كان جمال عبد الناصر يخوض آخر معاركه السياسية قبل وفاته في 28 سبتمبر 1970، ثم بدأت بعد رحيله مباشرة مرحلة انتقال السلطة التي انتهت بتولي أنور السادات رئاسة الجمهورية.

​وتكمن أهمية هذه الأجندة في أنها تختلف، في طبيعتها، عن الكتب التي صدرت من قبل.

فهي لا تقدم شهادة سياسية أُعيد إعدادها للنشر بعد سنوات

وإنما يوميات يُفترض أنها كُتبت يومًا بيوم، وتكشف محمد نجيب في لحظات شديدة الخصوصية، بعيدًا عن الصورة الرسمية للرئيس السابق.

​في صفحاتها يتحدث نجيب عن أبنائه وخدمه وطعامه ومعاشه وأحلامه وغضبه، ويسجل تفاصيل حياته اليومية، ويستعيد ذكرياته مع جمال عبد الناصر وأنور السادات.

ويتابع أحداث أيلول الأسود، ويرصد ما يجري في المنطقة، ثم يسجل رد فعله على وفاة عبد الناصر، قبل أن يعود مرة أخرى إلى روايته الخاصة لأحداث ثورة 23 يوليو والصراع الذي انتهى بإبعاده عن السلطة.

غلاف مجلة آخر ساعة عن أجندة نجيب
غلاف مجلة آخر ساعة عن أجندة نجيب

​يكشف نجيب في يومياته جانبًا بعيدًا عن السياسة وهو علاقته بأبنائه وحياته اليومية معهم.

ينتقد ابنه يوسف لأنه تزوج من فلاحة، ويذكر أن والدها كان غفيرًا يعمل في مؤسسة الدواجن، كما يشكو من أن يوسف لا يزوره إلا مرة واحدة في الشهر.

أما ابنه فاروق، فيقول نجيب عنه إنه طفل كبير، ويصف معاناته من إقامته معه في فيلا زينب الوكيل.

إذ يقول إنه يتعامل مع الموجودين في المنزل وكأنهم عبيد له ولأبيه، ويعتدي على الخدم والجنود المكلفين بخدمة والده، ولا يقدم الشكر لأحد.

ويتوقف نجيب بصورة خاصة عند الخادمة شمس، التي يقول إن فاروق كان يضربها بالأقلام (صفعًا) على وجهها.

ويكتب نجيب أن حياته تحولت إلى جحيم بسبب أبنائه، الذين لا يدفعون شيئًا، بينما يتحمل هو نفقات معيشتهم، بل ويوفر لهم حتى أبسط احتياجاتهم، ومنها أمواس الحلاقة.

​وحياة الرئيس نجيب التي سرد أحداثها في الأجندة ليست حياة رجل معزول عن المجتمع.

 فهو يذكر أنه يتواصل مع الناس، ويخرج بسيارته الخاصة، ويزور من يشاء، ويأكل ويتعالج كما يريد، بما يعكس قدرًا من الحرية الشخصية رغم ابتعاده الطويل عن الحياة السياسية.

وتسجل اليوميات تفاصيل تبدو شديدة البساطة، لكنها ذات دلالة على الحياة اليومية للرئيس السابق.
يتذمر نجيب من اللحوم العجوزة التي كان الخدم يشترونها من الجزارين وتسبب له إمساكًا.
وفي ليلة الإسراء والمعراج، يكتب نجيب أن كمية اللحوم زادت في المنزل احتفالًا بهذه المناسبة.

 

شارك المقال: