مقالات
د. فاروق شرف
د. فاروق شرف

إستشاري وخبير ترميم الاثار والمنشآت التاريخية.

فاروق شرف يكتب: مصر حيث تنبض الحجارة بالحياة (2) خان الخليلي

من أروع ما يميز خان الخليلي أنه لم يكن سوقًا للتجارة وحدها، بل كان ملتقى للعلماء والأدباء والفنانين.

مشاركة:
حجم الخط:

 خان الخليلي… حيث لا تُباع التحف وحدها، بل تُشترى معها الذكريات.

ليست كل الأسواق أماكن للبيع والشراء

فهناك أسواق تبيع الزمن نفسه، وتمنح زائرها رحلةً إلى أعماق التاريخ.

ومن بين هذه الأسواق يقف خان الخليلي شامخًا منذ أكثر من ستة قرون، ليس مجرد سوق أثري، بل ذاكرة حية للقاهرة، وروح نابضة لا تزال تحتفظ بعطر الماضي في كل حارة، وكل زقاق، وكل حجر.

ما إن تعبر بواباته حتى تشعر أن عقارب الساعة قد توقفت، وأنك انتقلت إلى عصر السلاطين والأمراء.

تتشابك الأزقة الضيقة في مشهد بديع، وتتعانق المشربيات الخشبية مع المآذن العتيقة، بينما تمتزج رائحة البخور والعنبر والقهوة العربية بصوت النحاس الذي ما زال يصدح كما كان منذ مئات السنين.

ولعل ما لا يعرفه كثير من الناس أن الخان أنشأه الأمير المملوكي جركس الخليلي عام 1382م فوق موقع كان يضم مقابر للخلفاء الفاطميين.

ثم تحول مع مرور الزمن إلى القلب التجاري للقاهرة، ومحطة رئيسية للقوافل القادمة من آسيا وإفريقيا وأوروبا، حتى غدا أحد أشهر الأسواق التاريخية في العالم الإسلامي.

صورة من داخل حي خان الحليلي
صورة من داخل حي خان الحليلي

وفي خان الخليلي لا تُعرض البضائع على الأرفف فحسب، بل تُعرض مهارة الإنسان المصري عبر قرون طويلة.

هنا ترى الفنان يحفر النحاس بيديه، ويطرق الفضة بصبر العاشق، وينقش الأرابيسك على الخشب قطعةً قطعة، ويشكّل الزجاج والخزف كما فعل أجداده.

إنها حرف يدوية قاومت الزمن، وما زالت تنبض بالحياة لأنها تحمل روح أصحابها، لا روح الآلات.

وليس كل ما يلمع في الخان تحفة أثرية، لكن كل قطعة تحمل حكاية.

فهناك مصابيح تشبه تلك التي أضاءت مدارس المماليك، وصناديق مطعمة بالصدف تستعيد عبقرية الصناع المصريين، وسجاد يدوي نُسج بخيوط الصبر، وتحف تستلهم الحضارة الفرعونية والإسلامية والقبطية في تناغم فريد، وكأن تاريخ مصر كله اجتمع في مكان واحد.

الكاتب الكبير نجيب محفوظ في خان الخليلي
الكاتب الكبير نجيب محفوظ في خان الخليلي

ومن أروع ما يميز خان الخليلي أنه لم يكن سوقًا للتجارة وحدها، بل كان ملتقى للعلماء والأدباء والفنانين.

ففي مقاهيه العريقة جلس كبار المفكرين والشعراء، وعلى رأسها مقهى الفيشاوي الذي ظل يستقبل رواده لأكثر من مائتي عام، حيث كانت الكلمات تولد، والقصائد تُلقى، والأفكار تتحول إلى إبداع.

وعندما يحل المساء، يكتسي الخان بثوب مختلف، تنعكس أضواء الفوانيس على الأحجار القديمة.

فتبدو الأزقة وكأنها صفحات مضيئة من كتاب التاريخ، ويصبح التجول فيه أقرب إلى رحلة روحية، يستحضر فيها الزائر أصوات التجار القدامى، وخطوات الرحالة، ودعوات العابرين الذين مروا من هنا عبر مئات السنين.

إن زيارة خان الخليلي ليست رحلة لشراء هدية تذكارية

بل لقاء مع هوية مصر الأصيلة فهنا لا تُباع التحف والأنتيكات النادرة والثمينة وحدها، بل تُشترى معها الذكريات، ويعود الزائر محمّلًا بشيء أثمن من كل ما اقتناه.

يعود بقلب امتلأ بعطر القاهرة، وروح لامست عبق التاريخ.

شارك المقال: