علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
د. فاروق شرف
د. فاروق شرف

إستشاري وخبير ترميم الاثار والمنشآت التاريخية.

د. فاروق شرف يكتب: سيد درويش إمام الملحنين وصوت مصر الذي لم يخفت

لم يحصل سيد درويش على لقب «فنان الشعب» من فراغ، لقد كان قريبًا من الناس، وتحدث عنهم، وعاش بينهم، وأدخل تفاصيل حياتهم إلى فنه.

مشاركة:
حجم الخط:

 موسيقاه ما زالت تسكن وجدان الوطن

“بلادي بلادي لكِ حبي وفؤادي”

* هناك ألحان نسمعها فنعجب بها، وألحان نسمعها فنطرب، وألحان أخرى ما إن تبدأ حتى نشعر أن شيئًا عميقًا في داخلنا قد تحرك.

إنها الألحان التي لا تكون مجرد موسيقى، وإنما تصبح ذاكرة وطن، وصوت شعب، وجزءًا من وجدان أمة.

ومن هؤلاء الذين استطاعوا أن يجعلوا الموسيقى لسانًا لمصر، وأن يحولوا اللحن إلى وثيقة اجتماعية ووطنية وإنسانية، يطل علينا واحد من أعظم أبناء الفن المصري: سيد درويش… فنان الشعب وإمام الملحنين.

من كوم الدكة بدأت الحكاية:

وُلد سيد درويش في 17 مارس 1892 بحي كوم الدكة في الإسكندرية، ونشأ في بيئة شعبية بسيطة، لكنها كانت غنية بالأصوات والإيقاعات والحكايات التي ستصبح فيما بعد جزءًا من عالمه الفني.

في طفولته تلقى التعليم الديني وحفظ القرآن الكريم، والتحق عام 1905 بالمعهد الديني بالإسكندرية، وكانت موهبته الموسيقية قد بدأت تظهر مبكرًا، حتى أصبح الغناء والإنشاد جزءًا من تكوينه.

وتذكر المصادر الرسمية أنه أتقن منذ صغره الموشحات والأشعار الدينية، وأن أحد أساتذته شجعه على التعلق بالموسيقى.

 وهنا بدأت ملامح ذلك الطفل الذي لم يكن أحد يعرف أنه سيصبح بعد سنوات قليلة أحد أهم المجددين في الموسيقى المصرية والعربية.

حين أصبح الفقر مدرسة:

لم تكن حياة سيد درويش سهلة.

وفي عام 1907 فقد والده، فأصبح الابن الوحيد مسؤولًا عن أسرته، واضطر إلى العمل في مهن مختلفة حتى يوفر لهم أسباب الحياة.

ومن أشهر المحطات التي ارتبطت بسيرته عمله مع عمال البناء.

وكان يغني لهم أثناء العمل، ولاحظ صاحب العمل أن العمال يزدادون نشاطًا وحماسًا عندما ينطلق صوت سيد درويش.

وهنا حدث شيء مهم في تكوينه الإنساني والفني.

فقد اكتشف أن الأغنية تستطيع أن تدخل إلى قلب الإنسان مباشرة، وأن الموسيقى ليست ترفًا بعيدًا عن الحياة، وإنما يمكن أن تكون رفيقة العامل في يومه، وأن تعبر عن تعبه وفرحه وأمله.

لقد عرف سيد درويش مصر من الشارع.

من الورشة… من المقهى… من الناس البسطاء.

ولذلك عندما بدأ يلحن لهم، كان يتحدث بلغتهم ومن داخل حياتهم.

من عامل البناء إلى فنان الشعب:

شاءت الأقدار أن يستمع إليه الأخوان سليم وأمين عطا الله، فأعجبا بصوته وعرضا عليه العمل مع فرقتهما التي كانت تستعد للسفر إلى الشام.

وسافر سيد درويش إلى الشام عام 1909، ثم عاد إليها مرة أخرى عام 1912، وكانت الرحلة الثانية ذات أهمية كبيرة في تكوين شخصيته الفنية.

هناك احتك بعدد من كبار الموسيقيين والمنشدين، ومن بينهم عثمان الموصلي، واستفاد من الموشحات والألحان والموازين الموسيقية التي تعرف إليها هناك.

وتشير المصادر الرسمية إلى أن هذه الرحلة أسهمت في تكوينه الموسيقي، وأنه أتقن العود وكتابة النوتة الموسيقية، قبل أن يعود إلى مصر وقد اتسعت خبرته وثقافته الموسيقية.

لم يعد الشاب الذي ذهب إلى الشام هو نفسه الذي عاد منها.

لقد عاد ومعه زادٌ فني جديد، وبدأت ملامح الفنان الكبير تتشكل.

القاهرة وهنا بدأ المجد

في عام 1917 انتقل سيد درويش إلى القاهرة.

وكانت القاهرة آنذاك تعيش حركة فنية ومسرحية نشطة، وهناك بدأت موهبته تتوهج بصورة أكبر.

عمل مع الفرق المسرحية، ولحن لفرقة جورج أبيض، ثم ارتبط بأعمال نجيب الريحاني، وعلي الكسار وغيرهم.

وتذكر المصادر الرسمية أن إنتاجه المسرحي أصبح غزيرًا، وأنه لحن عددًا كبيرًا من الروايات والأوبريتات، وأدخل أساليب موسيقية جديدة، حتى أصبح أحد أبرز المجددين في الموسيقى المصرية في مطلع القرن العشرين.

وهنا لم يعد سيد درويش مجرد مطرب.

لقد أصبح صاحب مدرسة.

مدرسة تنظر إلى الموسيقى باعتبارها لغة قادرة على التعبير عن المجتمع، وعلى تصوير الشخصيات، والمهن، والمشاعر، والأحداث.

 

سيد درويش… عندما دخل الشارع المصري إلى الموسيقى

ربما كانت أعظم أسرار سيد درويش أنه لم يكن ينظر إلى الناس من بعيد، كان يعيش بينهم، يسمعهم، ويراقب تفاصيل حياتهم.

فدخل العامل إلى موسيقاه، ودخل الصنايعي، والشيال، والجرسون، والسقاي، والفلاح، والموظف، ودخلت المرأة المصرية والشارع المصري بتفاصيلهما إلى عالمه الفني.

لقد استطاع أن يحول الحياة اليومية إلى فن، وهنا تكمن عظمة التجربة، فهو لم يجعل الموسيقى تهبط إلى مستوى الناس، وإنما رفع حياة الناس نفسها إلى مستوى الفن.

ولهذا أصبحت أعماله، إلى جانب قيمتها الموسيقية، تحمل قيمة اجتماعية وتاريخية؛ لأنها حفظت لنا شيئًا من روح المجتمع المصري في تلك الفترة.

لقد كان، بمعنى من المعاني، مؤرخًا بالنغم.

الفن عندما يصبح صوتًا للوطن:

نشأ سيد درويش في زمن الاحتلال البريطاني، وشهد مصر وهي تبحث عن طريقها نحو الاستقلال والحرية.

وحين جاءت ثورة 1919، كان الفن أحد أهم الوسائل التي عبرت عن الروح الوطنية.
وهنا ظهر الدور التاريخي لسيد درويش.

لم يكن سياسيًا بالمعنى التقليدي، لكنه امتلك سلاحًا آخر، اللحن، واللحن عندما يدخل القلب، لا يحتاج إلى كثير من الشرح.

كانت أغانيه الوطنية تعبر عن روح المرحلة، ومن أشهرها «قوم يا مصري» التي ارتبطت بأجواء ثورة 1919، كما ارتبط اسمه بأعمال وطنية واجتماعية أخرى.

وهكذا أصبح سيد درويش واحدًا من الأصوات الفنية التي رافقت الحركة الوطنية المصرية.

كان الناس يسمعون اللحن في المسرح، ثم يرددونه في الشارع، ثم ينتقل من شارع إلى بيت، حتى يصبح جزءًا من الذاكرة الجماعية.

«يا بلح زغلول» حين أصبح اللحن رسالة

ومن أشهر الأمثلة على التقاء الفن بالحياة السياسية والوطنية أغنية «يا بلح زغلول»، التي كتب كلماتها محمد يونس القاضي ولحنها سيد درويش.

وقد ارتبطت الأغنية باسم الزعيم سعد زغلول وحركة الجماهير الوطنية في تلك الفترة، وأصبحت واحدة من العلامات البارزة في الأغنية الوطنية المصرية.

وهنا نرى كيف استطاع الفن أن يصل إلى الناس في صورة بسيطة، قريبة، شعبية، ولكنها تحمل في داخلها معنى وطنيًا واضحًا.

وهذه إحدى عبقريات سيد درويش:

أن يجعل الرسالة الكبيرة تسكن في لحن يستطيع الجميع أن يردده.

«بلادي بلادي»… عندما أصبح اللحن ذاكرة وطن

ولعل أشهر ما ارتبط باسم سيد درويش هو «بلادي بلادي» الذى كتبها محمد يونس القاضي عام 1923، مستلهمًا عبارات من خطاب شهير للزعيم الوطني مصطفى كامل ألقاه عام 1907، بينما لحن سيد درويش العمل، ثم أصبح النشيد الوطني الرسمي لمصر عام 1979، وأعيد توزيعه أوركستراليًا بواسطة الموسيقار محمد عبد الوهاب.

ومن أجمل ما في قصة «بلادي بلادي» أنها لم تبقَ مجرد أغنية فقد خرجت من حدود المسرح والغناء إلى فضاء الوطن كله.

اليوم يسمعها الطفل في المدرسة، والجندي في المناسبات الوطنية، والرياضيون في المحافل، والمصريون في كل مناسبة تجمعهم حول معنى الوطن.

وهنا يتحول الفنان من مجرد صاحب لحن إلى جزء من هوية وطن.

سيد درويش… فنان الشعب

لم يحصل سيد درويش على لقب «فنان الشعب» من فراغ، لقد كان قريبًا من الناس، وتحدث عنهم، وعاش بينهم، وأدخل تفاصيل حياتهم إلى فنه.
وقد وثقت المصادر الرسمية مكانته بوصفه أحد مجددي الموسيقى وباعث النهضة الموسيقية في مصر والوطن العربي.

كما تشير إلى ضخامة إنتاجه رغم قصر حياته، من أدوار وموشحات وطقاطيق وأعمال مسرحية وأوبريتات.

لكن الأرقام وحدها لا تفسر خلوده، فالخلود لا تصنعه كثرة الأعمال فقط، يصنعه صدقها، وهذا هو السر الذي جعل سيد درويش حاضرًا حتى اليوم.

 

شارك المقال:

شاركنا برأيك