من اليمن إلى البحر الأحمر.. لماذا يزور بن سلمان القاهرة الآن؟
يزور ولي العهد السعودي محمد بن سلمان القاهرة في زيارة عمل لبحث العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية والدولية، في توقيت تشهد فيه السعودية تصعيدًا حوثيًا وتهديدات متزايدة لأمن البحر الأحمر والطاقة. ولا توجد حتى الآن معلومات رسمية تؤكد طلب الرياض دعمًا عسكريًا مصريًا.
يصل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة اليوم الثلاثاء في زيارة عمل يلتقي خلالها الرئيس عبد الفتاح السيسي،
في توقيت تواجه فيه المملكة تصعيدًا حوثيًا متواصلًا. وبينما تعلن القاهرة أن المباحثات
ستتناول العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية والدولية، تفرض التطورات في اليمن والبحر الأحمر
والطاقة نفسها على المشهد. لكن ما الذي يمكن أن تبحثه الرياض مع القاهرة؟ وما الذي تستطيع مصر تقديمه في هذه الأزمة؟
وتكتسب الزيارة أهمية خاصة بسبب توقيتها. فالسعودية تواجه منذ أيام هجمات حوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة،
فيما تتزامن التطورات العسكرية في اليمن مع ضغوط متزايدة على أمن البحر الأحمر وطرق نقل الطاقة.
لكن القاهرة لم تعلن حتى صباح الثلاثاء عن طلب سعودي محدد أو اتفاق عسكري جديد.
ووفقًا للرئاسة المصرية، تتركز المباحثات رسميًا على تعزيز العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
ومن هنا يبدأ السؤال الأهم: ما الذي يمكن أن تبحثه الرياض مع القاهرة في هذه اللحظة؟
صاندي تايمز: تقدم الحوثيين في اليمن يضع السعودية أمام خيارات صعبة
زيارة في توقيت حساس
يتضمن برنامج زيارة بن سلمان لقاءً ثنائيًا مع السيسي، يعقبه اجتماع موسع بين وفدي البلدين،
ثم مأدبة غداء يقيمها الرئيس المصري تكريمًا لولي العهد السعودي.
ولم تكشف الرئاسة المصرية عن جدول تفصيلي للملفات التي ستناقش خلال المباحثات.
لكن الزيارة تأتي بعد ساعات من لقاء وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي نظيره السعودي
الأمير فيصل بن فرحان على هامش قمة بريكس في الهند.
وأكد عبد العاطي خلال اللقاء رفض مصر للاعتداءات التي تستهدف السعودية، وشدد على تضامن القاهرة مع المملكة.
ويعني تزامن اللقاءين أن التنسيق المصري-السعودي يأتي في وقت تشهد فيه المنطقة تطورات أمنية متسارعة.
الحوثيون يوسعون نطاق التهديد
شهدت السعودية خلال سبتمبر تصعيدًا في الهجمات الحوثية.
واستهدفت الهجمات مدنًا ومواقع في جنوب المملكة،
بينها أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وأفادت تقارير دولية بسقوط عشرات الإصابات بين المدنيين.
وفي الوقت نفسه، واصل الحوثيون تحركاتهم على الساحل الغربي لليمن، بما في ذلك جزيرة بريم،
المعروفة أيضًا باسم ميون، بالقرب من باب المندب.
وهذا التطور يضيف بُعدًا جديدًا إلى الأزمة.
فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بأمن المدن السعودية، بل تمتد إلى أمن الملاحة في البحر الأحمر وممرات الطاقة.
لماذا يهم باب المندب القاهرة والرياض؟
يمثل باب المندب نقطة استراتيجية بالنسبة إلى مصر والسعودية معًا.
فالممر البحري يرتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر وقناة السويس، بينما يمثل البحر الأحمر
أحد المسارات المهمة لحركة صادرات الطاقة السعودية.
ولهذا فإن أي تصعيد مستمر في الساحل الغربي لليمن يمكن أن تكون له تداعيات تتجاوز حدود الصراع اليمني.
بالنسبة إلى القاهرة، يرتبط أمن باب المندب مباشرة بأمن قناة السويس وحركة التجارة العالمية.
أما بالنسبة إلى الرياض، فيرتبط الممر بأمن السواحل الغربية للمملكة وطرق تصدير النفط.
وهذه المصالح المشتركة تجعل أمن البحر الأحمر أحد الملفات التي يمكن أن تحظى بأهمية في المحادثات المصرية-السعودية،
حتى في غياب إعلان رسمي عن أجندة تفصيلية.
النفط يدخل الحسابات
لا تنفصل التطورات الأمنية عن سوق الطاقة.
فقد تعرض خط أنابيب شرق–غرب السعودي لهجوم بطائرة مسيّرة نُسب إلى جماعات مسلحة مدعومة
من إيران في العراق، ما أدى إلى تعطله.
ويمتد الخط لنحو 1200 كيلومتر، وينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
وتكمن أهميته في توفير مسار لتصدير النفط لا يعتمد على المرور بمضيق هرمز.
وتشير تقارير دولية إلى أن اضطراب الخط انعكس على حركة شحن النفط السعودي المتجه إلى أوروبا.
وهنا تظهر أهمية مصر مرة أخرى.
فالبنية التحتية المصرية المرتبطة بالبحر الأحمر وقناة السويس وخط سوميد وميناء سيدي كرير
تجعل القاهرة جزءًا مهمًا من حسابات حركة الطاقة في المنطقة.
لكن ذلك لا يعني وجود اتفاق جديد بين القاهرة والرياض في هذا المجال.
ماذا تستطيع مصر أن تقدم؟
حتى صباح 15 سبتمبر، لا توجد معلومات موثوقة تثبت أن السعودية طلبت من مصر إرسال قوات
أو منظومات دفاع جوي أو المشاركة عسكريًا في العمليات داخل اليمن.
ولذلك ينبغي التمييز بين ما تستطيع القاهرة تقديمه بحكم موقعها وقدراتها وبين ما طلبته الرياض بالفعل.
تمتلك مصر عددًا من الأوراق الاستراتيجية المهمة.
الموقع الجغرافي
تسيطر مصر على قناة السويس وتمتلك سواحل واسعة على البحر الأحمر.
وهذا يمنحها أهمية مباشرة في أي نقاش حول أمن الملاحة.
الثقل السياسي
تمثل مصر إحدى الدول العربية الرئيسية التي ترتبط بعلاقات سياسية وأمنية وثيقة مع السعودية.
كما أن القاهرة سبق أن أكدت أن أمن دول الخليج جزء من الأمن القومي العربي.
الملف اليمني
تمتلك مصر خبرة طويلة في التعامل مع الملف اليمني، كما أن أمن البحر الأحمر يمثل مصلحة مباشرة لها.
لكن ذلك لا يعني أن القاهرة تستعد للعودة إلى تدخل عسكري مباشر في اليمن.
لا توجد حتى الآن معلومات موثوقة تؤكد اتخاذ مثل هذا القرار.
التنسيق مع السعودية ليس جديدًا
زيارة بن سلمان ليست بداية التنسيق المصري-السعودي بشأن التطورات الإقليمية.
ففي 3 سبتمبر، تحدث السيسي مع ولي العهد السعودي هاتفيًا، وبحث الجانبان التطورات الإقليمية وتداعيات التوترات على أمن الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد.
وأكد السيسي في ذلك الاتصال أن أمن السعودية والدول العربية جزء من الأمن القومي المصري.
وتوفر هذه التصريحات أساسًا سياسيًا للتنسيق الذي يجري الآن.
لكن التصعيد الحوثي أعطى هذا التنسيق أهمية إضافية.
إيران.. العامل الذي يصعب تجاهله
لا يمكن فصل التصعيد الحوثي عن الصراع الأوسع المرتبط بإيران.
فالقاهرة والرياض تتعاملان مع تطورات إقليمية متعددة تتداخل فيها إيران واليمن والعراق والبحر الأحمر.
وفي لقاء عبد العاطي وبن فرحان الأخير، ناقش الجانبان خفض التصعيد وتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي.
وبالتالي، فإن أحد الاحتمالات المطروحة هو أن تبحث القاهرة والرياض سبل التعامل مع المخاطر الإقليمية بصورة أكثر تنسيقًا.
لكن لا توجد معلومات رسمية تسمح بالقول إن البلدين اتفقا على استراتيجية مشتركة جديدة لمواجهة إيران.
الاقتصاد.. الوجه الآخر للزيارة
لا تقتصر العلاقات المصرية-السعودية على الأمن والسياسة.
فالتبادل التجاري والاستثمارات يمثلان محورًا أساسيًا في العلاقات بين البلدين.
وبحسب البيانات المصرية الواردة في التقارير الاقتصادية، بلغ حجم التبادل التجاري السلعي
بين البلدين نحو 7.1 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026.
وسجلت الصادرات المصرية إلى السعودية نحو 1.8 مليار دولار، بينما بلغت الواردات المصرية نحو 5.3 مليار دولار.
كما بلغت الاستثمارات السعودية المباشرة في مصر نحو 532.3 مليون دولار خلال النصف الأول من العام المالي 2025/2026.
وتُقدّر الاستثمارات السعودية المتراكمة في مصر بنحو 25 مليار دولار وفق تصريحات مصرية سابقة.
لذلك، فإن أي قراءة للزيارة باعتبارها تحركًا أمنيًا فقط ستكون ناقصة.
فالاقتصاد حاضر بقوة في العلاقة بين القاهرة والرياض.
وماذا عن حلف مكة؟
هناك ملف آخر قد يحضر في الحسابات السعودية، حتى إذا لم يكن مدرجًا رسميًا في جدول الأعمال.
ففي أغسطس، وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقًا للدفاع المشترك، وهو الاتفاق الذي وصفته بعض وسائل الإعلام بحلف مكة.
لكن مصر ليست طرفًا في هذا الاتفاق.
ومن ثم تبرز مسألة استراتيجية:
هل تسعى الرياض إلى تعزيز التنسيق مع القاهرة بالتوازي مع بناء التحالف الثلاثي مع تركيا وباكستان؟
لا توجد حتى الآن معلومات تؤكد أن مصر ستنضم إلى الاتفاق أو تقدم التزامًا دفاعيًا مماثلًا.
لكن أهمية القاهرة بالنسبة إلى السعودية لا تتوقف على عضوية تحالف بعينه.
فمصر تمتلك موقعًا استراتيجيًا على البحر الأحمر وقناة السويس، وهي عناصر تجعلها
شريكًا مهمًا في أي ترتيبات إقليمية تتعلق بالملاحة والطاقة.
ماذا تريد الرياض من القاهرة؟
في غياب إعلان رسمي عن مطالب سعودية محددة، يمكن قراءة الزيارة عبر ثلاثة مستويات.
تنسيق سياسي وأمني
قد تسعى الرياض إلى توسيع التنسيق مع القاهرة بشأن اليمن والبحر الأحمر والتطورات الإقليمية.
وهذا هو السيناريو الأكثر اتساقًا مع المعلن رسميًا.
حماية الملاحة والطاقة
قد يحتل أمن البحر الأحمر وممرات تصدير النفط مكانة مهمة في المحادثات، خصوصًا مع تصاعد المخاطر المرتبطة باليمن وباب المندب.
لكن لا يوجد حتى الآن إعلان رسمي عن ترتيبات جديدة بين البلدين.
بحث خيارات أمنية أوسع
إذا استمر التصعيد، قد يصبح بحث أشكال الدعم الأمني والعسكري أكثر أهمية.
لكن هذا يظل احتمالًا تحليليًا وليس قرارًا معلنًا.
ما الذي نعرفه.. وما الذي لا نعرفه؟
ما نعرفه
- محمد بن سلمان يزور القاهرة اليوم الثلاثاء.
- الزيارة مصنفة رسميًا زيارة عمل.
- السيسي سيجري معه مباحثات ثنائية وموسعة.
- العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية والدولية على جدول المباحثات المعلن.
- مصر أعلنت رفضها الاعتداءات على السعودية.
- الهجمات الحوثية تزامنت مع الزيارة.
- أمن البحر الأحمر والطاقة يمثلان مصالح مشتركة بين القاهرة والرياض.
ما لا نعرفه
- هل طلبت الرياض دعمًا عسكريًا مصريًا؟
- هل ستوقع القاهرة والرياض اتفاقًا دفاعيًا جديدًا؟
- هل ستشارك مصر بصورة مباشرة في حماية السعودية؟
- هل ستنضم القاهرة إلى «حلف مكة»؟
- هل ستتخذ مصر دورًا عسكريًا جديدًا في اليمن؟
- هل ستعلن الدولتان ترتيبات جديدة بشأن أمن البحر الأحمر؟
هذه الأسئلة لا يمكن تحويلها إلى حقائق قبل صدور بيانات رسمية أو ظهور معلومات موثوقة من مصادر مطلعة.
الخلاصة
زيارة محمد بن سلمان إلى القاهرة تأتي في لحظة تتقاطع فيها عدة أزمات إقليمية.
الهجمات الحوثية تضغط على الأمن السعودي، والتطورات في باب المندب تضع أمن البحر الأحمر في الواجهة، بينما يفرض اضطراب طرق نقل الطاقة تحديات اقتصادية إضافية.
وفي المقابل، تمتلك مصر موقعًا استراتيجيًا يجعلها لاعبًا أساسيًا في أمن البحر الأحمر وقناة السويس، إلى جانب ثقلها السياسي وعلاقاتها الوثيقة بالرياض.
لكن الأدلة المتاحة حتى صباح 15 سبتمبر لا تكفي للقول إن السعودية جاءت إلى القاهرة لطلب تدخل عسكري.
الأقرب إلى المعطيات المعلنة هو أن الزيارة تمثل محاولة لتعميق التنسيق المصري-السعودي في مواجهة بيئة إقليمية أكثر اضطرابًا.
والاختبار الحقيقي سيكون في ما سيخرج من المباحثات.
هل ستبقى الشراكة عند حدود التضامن السياسي؟ أم تنتقل إلى ترتيبات عملية في الأمن والطاقة والبحر الأحمر؟
هذا ما سيكشفه البيان الختامي وما قد يصدر عن القاهرة والرياض خلال الساعات التالية.
شاركنا برأيك