معصوم مرزوق يكتب: مشهد غابت عنه مصر!
لا يمكن إغفال موقع الدول الثلاث الموقعة في ميزان القوى الجديد في الشرق الأوسط، ومن علاقة تركيا بحلف الناتو، ومن موقف مصر وإسرائيل

توقيع الاتفاق بين السعودية وتركيا وباكستان (منصات)
“لم أستطع إستكمال الحوار مع الصحفي بسبب حشرجة صوتي ” وأكرر إعتذاري هنا له ” رغم أن الموضوع هام جدا”
اتفاقية مكة للدفاع المشترك
التي وقعت اليوم الجمعة 7 أغسطس ، تشبه أحد أهم الإتفاقيات التي ألححت في طلبها علي مر سنوات ، لبناء توازن إستراتيجي يحقق ” توازن الردع ” مع الكيان الصهيوني.
لكنها – في نفس الوقت – ” لا تشبه ” النموذج النظري الذي سطرته ورسمت كنتوراته في الإقليم.
تركيا والسعودية وباكستان يوقعون اتفاقا للدفاع المشترك في الرياض
فمصر غائبة عن مشهد التوقيع
رغم أنها في 21 يونيو 2026 استضافت اجتماعاً تشاورياً هاما ً لوزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان، وهو ما يعني أن الدول الأربع كانت بالفعل تبني إطاراً للتشاور السياسي والأمني.
ما تم الإفصاح عنه وهو قليل ، يشير إلي نوع من التحالفات العسكرية التي تتضمن صياغات عامة ( لابد من تحديدها ) ولكن أخطرها :” أن الإعتداء علي طرف يعد بمثابة إعتداء علي كل أطراف الإتفاقية “
وذلك ربما يعني الكثير إذا كان الخطر المحظور منه هو ” التمدد العسكري الإستيطاني والعدواني للكيان الصهيوني ” وهو ما لا يبدو -علي الأقل حتي الآن- بل قد يكون إطاره هو ( قوس سني للإحاطة بخطر إيراني شيعي وأذرعه في المنطقة )
ولو صح ذل ، فأنه يؤشر في تقديري بميلاد ” كائن عسكري مشوه ” وربما دعوة لحروب مذهبية ( تم التخطيط لها سنوات طويلة ) تشبه ما عانت منه أوروربا لسنوات طويلة من حروب دينية التهمت ثلث سكان القارة ، ودمرت مقدراتها.
وقد يفسر ذلك غياب مصر عن مشهد التوقيع ، ولكنني لا أظنه غيابا سيطول.
الاتفاقية أيضا قد تثير أسئلة حول مدي جدية أطرافها ، فهل تحتاجها تركيا لحماية أمنها وهو عضو فاعل وأصيل في اتفاقية أخري ( الناتو )؟
ثم ما هو الوضع لو تعارضت التزامات تركيا وفقا للمادة الخامسة من اتفاقية الناتو ، مع التزام يحدث نتيجة لإتفاقية مكة؟

باكستان دولة نووية
وذلك عنصر يتطلب استجلاؤه من بين السطور التي لم تنشر لهذه الإتفاقية، أو ربما في ملاحقها السرية .
باكستان أيضا في حالة حرب مستمرة مع الهند، فما هو الإلتزام القانوني الواقع علي طرفي الإتفاقية الآخرين إذا تعرضت لعدوان هندي؟
وهنا أيضا، ربما يكون غياب مصر عن مشهد التوقيع مفهوما،لأنه بدون حصر المخاطر تحديدا، وتوزيع المهام بدقة، يصبح ذلك التحالف مثل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، مجرد صياغات إنشائية بليغة، أو اخطر إذا ظن طرف أنه يملك اللهو بمسدسه غير عابئ بتوريط الأطراف الأخري.
ورغم أنه قد يكون من المبكر تقدير كامل لهذه الإتفاقية يوم توقيعها
أظن أنه من الضروري الحصول علي معلومات أدق ، وخاصة حول غياب مصر عن مشهد التوقيع.
وارجو ألا يكون من التعجل أن أقرر هنا أن ما كنت أنادي به لتحقيق نظام أمني في الشرق الأوسط، لا يمت إلا بصلة بعيدة للإتفاقية التي تم توقيعها اليوم.
فهي ببساطة ” ليست ” نظاما أمنيا، وإنما علي أحسن الظروف هي ” ترتيبات مؤقتة ” لمواجهة حريق ، قد ينطفئ قبل أن تستخدم أدوات هذه الإتفاقية .
وأخيرا، لا بد أيضا أن أؤكد علي أهمية ألا تغيب مصر -رغم بعض التحفظات التي ذكرتها- لأن أهم ما ينبغي التنبيه إليه أن ما تم توقيعه في «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، يعد تطوراً يتجاوز بكثير مجرد التعاون العسكري التقليدي.
أيا ما كانت ملاحظاتنا علي النصوص.
فلا يمكن إغفال موقع الدول الثلاث الموقعة في ميزان القوى الجديد في الشرق الأوسط، ومن علاقة تركيا بحلف الناتو، ومن موقف مصر وإسرائيل.
ورغم كل ما يمكن أن يقال عن وزن القنبلة النووية في الإتفاقية، فأن وجود باكستان النووية داخل منظومة دفاع جماعي مع السعودية وتركيا يعطي الاتفاق وزناً استراتيجياً يفوق بكثير بنوده المنشورة.
لذلك لا أظن أن القاهرة تنظر إلى الاتفاقية باعتبارها تطوراً معادياً لها، بل ربما علي العكس ، يمكن أن تحقق مصر من خلاله بداية بناء الأمن الإقليمي ، دون الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.
وهو ما يضمن علي المدي المتوسط الحد من احتمالات هيمنة قوة إقليمية واحدة على الشرق الأوسط.
ومن ناحية أخري يمكن لتحرك دبلوماسي مصري مخطط أن يضع إطارا للتعاون المصري–السعودي–التركي–الباكستاني الذي بدأ يأخذ شكلاً مؤسسياً مع العمل علي التوافق حول العناصر اللازمة .
إلا أن ما لا ينبغي أن تسمح به مصر هو تحول هذه الإتفاقية إلي نوع من ” التحالف العسكري السني المغلق ” سواء تم دعوتها مرة أخري لمائدة التوقيع، أو لم يتم.
لأن السماح بذلك يعني تحقيق أحد أهم أهداف الإستراتيجية الصهيونية بتمزيق المنطقة علي خطوط تماس عرقية ومذهبية ودينية، حتي يتسني للنظام الصهيوني الهيمنة علي منطقة الشرق الأوسط .
لذلك أتصور أن المصلحة المصرية الآن هي الاقتراب من المنظومة دون الانضمام إليها عسكرياً في الوقت الحالي ، مع مواصلة التفاوض مع أطرافها ..أو بمعني مختصر أن تكون في حالة ” اتصال وانفصال في نفس الوقت ”






