زلــــــــــــزال هـــــــــــــرمز (8) من سينتصر؟
قلت: لأن هرمز ليس مجرد مضيق صغير، هو شريان الطاقة العالمي، يمر عبره جزء كبير من نفط العالم وغاز الخليج، إذا تعطل هذا الشريان، فإن الاقتصاد العالمي كله سيشعر بالصدمة

حوار مع نوار (2)
ظل نوار صامتًا للحظة طويلة بعد أن انتهينا من الحديث عن الساعات الأولى للحرب.
كان ينظر إلى شاشة هاتفه، يتابع الخرائط العسكرية والتقارير المتلاحقة، ثم قال فجأة:
نوار: أبي إذا كانت الضربة الأولى بهذا الحجم، واغتيال المرشد حدث فعلاً… فكيف استطاعت إيران أن ترد بهذه السرعة؟
ابتسمت قليلاً، لأن السؤال كان في مكانه تمامًا.
قلت له: أنا: هذه واحدة من المفارقات في الحروب الكبرى يا نوار, الضربات الصادمة قد تربك الدولة، لكنها لا تكسرها بالضرورة، إيران منذ سنوات تبني عقيدة عسكرية مختلفة عن الجيوش التقليدية .. هي تعتمد على ما يسميه العسكريون الرد المتعدد الطبقات.

الرد الإيراني مفاجأة
نظر إليّ باهتمام.. نوار:ماذا تقصد بذلك؟
قلت: أقصد أن الرد لا يأتي من مكان واحد، هناك صواريخ من داخل إيران، طائرات مسيّرة،حلفاء في أكثر من جبهة، وهناك أدوات اقتصادية مثل تهديد الملاحة، وهذا ما حدث تقريبًا في الرد الأول.
فقد حاولت إيران أن تقول إن الحرب لن تبقى داخل حدودها، بل ستصبح حرب إقليم كامل.
هز نوار رأسه قليلاً وقال: لكن الضربات التي وصلت إلى إسرائيل كانت مفاجئة،حتى أن بعض التقارير تحدثت عن خسائر غير مسبوقة.
قلت بهدوء: في الحروب، يا نوار، الحقيقة تظهر ببطء.. كل طرف يبالغ في خسائر خصمه ويقلل من خسائره.. لكن المؤكد أن حجم الرد الإيراني كان كبيرًا بما يكفي ليُظهر أن المعركة لم تنتهِ في الساعات الأولى.
ثم أضفت: لكن الرسالة الأخطر لم تكن في الصواريخ، كانت في مضيق هرمز.

إغلاق مرمز
رفع نوار رأسه فورًا: نعم… إغلاق المضيق.. هذا ما يقلق العالم كله الآن.
قلت: لأن هرمز ليس مجرد مضيق صغير، هو شريان الطاقة العالمي، يمر عبره جزء كبير من نفط العالم وغاز الخليج، إذا تعطل هذا الشريان، فإن الاقتصاد العالمي كله سيشعر بالصدمة.
تنهد نوار قليلاً وقال: لكن هذا يضر دول الخليج أيضًا، بل ربما يضر إيران نفسها.
استراتيجية كلفةالألم
قلت :صحيح.. لكن في الحروب، أحيانًا تستخدم الدول ما يسمى استراتيجية كلفة الألم. أي أن الدولة تقول لخصمها: إذا استمرت الحرب، فلن أتألم وحدي… بل سيتألم الجميع.
صمت نوار قليلاً، ثم قال بنبرة صريحة يعرفها كل من يعرفه: أبي… دعني أكون واضحًا.. أنا لا أحب إيران ولا مشروعها في المنطقة.. لبنان دفع ثمنًا كبيرًا بسبب حزب الله.

ابتسمت له بهدوء.
أنا:وأنا أفهم ذلك تمامًا يا نوار.. لكن علينا أن نفصل بين تقييم السياسات وبين فهم التوازنات الكبرى.
فإذا سقطت دولة بحجم إيران فجأة،, فإن المنطقة قد تدخل في فراغ خطير.
قال نوار: لكن هناك من يقول إن إسقاط النظام الإيراني سيغير المنطقة للأفضل.
هززت رأسي ببطء.
أنا: ربما… وربما لا.. التاريخ يعلمنا أن سقوط الأنظمة الكبيرة في الشرق الأوسط نادرًا ما يكون بسيطًا.. انظر إلى العراق بعد 2003.. لم يتحول إلى استقرار سريع… بل دخل سنوات طويلة من الفوضى.
سكت نوار قليلاً، ثم قال: إذن أنت تعتقد أن استمرار الدولة الإيرانية—even مع مشاكلها—أفضل من انهيارها؟
قلت: أنا أعتقد أن انهيار الدول الكبيرة في هذه المنطقة غالبًا ما يفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها بسهولة.
والسؤال الحقيقي ليس فقط: هل يمكن إسقاط إيران؟
بل: ماذا سيحدث في اليوم التالي؟
نظر نوار إلى الأفق قليلاً، ثم قال: حسنًا، لنفترض أن الحرب استمرت، من سينتصر في النهاية؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
من ينتصر في النهاية
أنا:هذا سؤال يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة معقد جدًا، في الحروب الحديثة، لا يقاس النصر فقط بعدد الطائرات أو الصواريخ، بل يقاس بثلاثة أشياء:
• قدرة الاقتصاد على التحمل.
• قدرة المجتمع على الصمود.
• وقدرة الدولة على تحقيق هدف سياسي واضح.
ثم أضفت: قد تنتصر دولة عسكريًا في معركة، لكنها تخسر الحرب إذا استنزفت اقتصادها أو فقدت استقرارها الداخلي.

قال نوار: إذن قد لا يكون هناك منتصر حقيقي؟
قلت: في كثير من الحروب الكبرى، يا نوار، المنتصر الحقيقي هو من يخسر أقل.
ظل نوار صامتًا لحظة طويلة، ثم قال بصوت هادئ: أشعر أحيانًا أن منطقتنا تعيش دائمًا على حافة الحروب.
قلت له: لأنها منطقة لم تتعلم بعد كيف تبني نظام توازن مستقر.
كل دولة تخاف الأخرى…
وكل قوة إقليمية تحاول توسيع نفوذها.
ثم نظرت إليه وقلت: لكن رغم كل شيء، يا نوار، فإن شعوب هذه المنطقة تملك شيئًا واحدًا مهمًا… القدرة على البقاء.
ابتسم نوار أخيرًا وقال: ربما هذا هو الدرس الوحيد الذي تعلمناه من التاريخ.
ضحكت قليلاً وقلت له: وربما الدرس الذي لم نتعلمه بعد، هو كيف نعيش دون حروب.
وساد بيننا صمت طويل، بينما كانت الأخبار القادمة من الشرق الأوسط تواصل كتابة فصل جديد من تاريخ لم ينتهِ بعد.






