آراء و تحليلات
د. محمد الغمري
د. محمد الغمري

كاتب ومستشار قانوني

د. محمد الغمري يكتب: ابن رشد والمفارقة الكبرى في تاريخ الفكر الإسلامي (الأخير)

ابن رشد لم يختر شيئًا — أُقصي بقرار لا رأي له فيه، ثم رُفع عنه الإقصاء، لكن أثره تحقق في بيئة أخرى لم يقصدها

مشاركة:
حجم الخط:

حين تُصدِّر الحضارة عقلها

أولًا: الرجل المحظور الذي يُدرَّس في باريس

سنة 1195م، أصدر الخليفة الموحدي المنصور بالله مرسومًا بنفي ابن رشد وحرق كتبه الفلسفية وتحريم علوم الأوائل.

كان ابن رشد في الثامنة والستين، بعد عقود في خدمة البلاط طبيبًا وقاضيًا وفيلسوفًا.

الإقصاء جاء من قلب المؤسسة التي احتضنته.

وفي الوقت نفسه تقريبًا، كان ميشيل سكوت ينقل شروحه على أرسطو إلى اللاتينية في صقلية.

وبحلول القرن الثالث عشر كانت هذه الشروح تُدرَّس في باريس وتُثير جدلًا في أكسفورد، وصار يُلقَّب ببساطة بـ«الشارح» — كأنه الشارح الوحيد.

رجل واحد: محظور في بلده، منفي، محروقة كتبه. وفي أوروبا مرجع لا يُستغنى عنه.

هذه المفارقة مفتاح لفهم كيف تفقد الحضارة عقلها لا بالقتل بل بالتصدير.

والسؤال ليس لماذا أُقصي، بل لماذا وجد من يستقبله في الضفة الأخرى أكثر مما وجد في مدينته.

ثانيًا: من هو ابن رشد قبل أن يصير «الشارح»

وُلد سنة 1126م في قرطبة لأسرة من كبار الفقهاء المالكيين — جده قاضي القضاة، وأبوه قاضٍ بارز.

نشأ في قلب مؤسستي الفقه والبلاط معًا، أتقن الفقه والطب والفلسفة: «الكليات» في الطب، «بداية المجتهد» في الفقه المقارن، والشروح الكبرى والمتوسطة والصغرى على أرسطو — مشروع طلبه منه الخليفة أبو يعقوب يوسف الأول نفسه عبر ابن طفيل.

هذه النقطة دالة: مشروع الشروح الذي صنع صورته في أوروبا كان مهمة رسمية من البلاط، والخليفة الذي نفاه كان خلفًا لخليفة كلّفه بذلك بالضبط.

د. محمد الغمري يكتب: الغزالي الرحلة التي تحولت إلى حدود (4)

التناقض إذن داخل السلطة نفسها لا بينها وبين ابن رشد.

قبل الإقصاء بسنوات كتب «فصل المقال»، محاولًا بناء جسر: الفلسفة واجب ديني لا مخالفة له، والعقل والشريعة يتكاملان.

نص كتبه رجل يرى بيئته تضيق ويحاول إقناعها أن أسئلته امتداد لإيمانها لا تهديد له — لكن البيئة في لحظتها الحرجة لم تسمعه.

ثالثًا: الإقصاء — لماذا وكيف

الأندلس الموحدية عاشت ضغطًا مزدوجًا: زحف مسيحي من الشمال، وتوتر داخلي بين الفقهاء والتيار الفلسفي. رأى الفقهاء في ابن رشد تهديدًا من وجهين — تأويل مجازي لآيات، وتدريس أرسطو بما يوحي ببلوغه حقائق سبق بها الوحي.

وحين احتاج المنصور تحالف الفقهاء لمواجهة الضغط الخارجي، كان ابن رشد الثمن السهل.

لكن الإقصاء لم يكن نهائيًا، رُفع الحظر بعد سنوات واستُدعي إلى مراكش، حيث توفي 1198م.

الإقصاء كان سياسيًا وقابلًا للتراجع؛ لكن ما لم يتعافَ منه هو التيار الفلسفي الأندلسي نفسه، الذي لم يجد بعده من يحمله بنفس القوة.

رابعًا: الاستقبال الأوروبي — لماذا وجد ما لم يجده في بيته

القرن الثاني عشر كان قرن الصحوة الأوروبية: جامعات تتأسس، وأرسطو يصل مقطوعًا من سياقه بلا شارح يفتح مغالقه.

كانت شروح ابن رشد بناءً فلسفيًا مستقلًا يجعل أرسطو أداة لفهم العلاقة بين العقل والوجود، ووصلت عبر مدرسة طليطلة إلى بيئة محتاجة لا تخسر شيئًا من الاعتراف بها.

جوهر المفارقة: الأندلس لم ترفضه لضعف قيمته، بل لأن أسئلته كلّفت ثمنًا سياسيًا في لحظة بعينها، وأوروبا لم يكن له فيها أعداء سياسيون، بل نهضة تبحث عن أدواتها.

لم ينتصر لأن أوروبا أكثر تسامحًا بالمعنى المطلق، بل لأن توقيته تزامن مع حاجة لم تستطع الأندلس إقرارها.

خامسًا: ما الذي خسرته الأندلس

الخسارة ليست خسارة رجل — فقد أتمّ معظم عمله قبل موته. الخسارة أعمق وأبطأ ظهورًا: خسارة نمط تفكير يجعل الفلسفة شريكة لا منافسة للفقه.

إقصاء رجل بحجمه كان رسالة كافية لجيل كامل مفادها أن للاشتغال الفلسفي سقفًا.

والنتيجة لم تكن اختفاء الفلسفة بل انكماشها — دوائر أضيق، حذر أكبر، وبرهان انتماء ديني يسبق كل خطوة.

لم يُقل للعقل “لا تفكر” بل “فكّر لكن ابدأ من حيث لا تُقصى” — وهذا التحديد الضمني أشد أثرًا من المنع الصريح.

سادسًا: التصدير — حين تُصبح الخسارة هدية للآخر

ما حدث هو نمط يمكن تسميته: تصدير العقول، المجتمع الذي يُقصي مفكرًا لا يُفنيه، بل يُتيح لغيره استثمار ما أنتجه، عبر مرحلة انتقال إلى سياق جديد يستوعبه.

ابن رشد في أوروبا لم يكن ابن رشد الذي عرفته الأندلس.

الرشدية اللاتينية قراءة أوروبية أخذت منه ما احتاجته وتركت الباقي: الأكويني ناقشه وبنى عليه لاهوته، ودانتي وضعه في الجحيم لكن في منزلة خاصة مع الحكماء.

والسؤال الغائب: هل تسترد الحضارة المُصدِّرة ما صدّرت؟ الجواب المُقلق: لا يعود كما ذهب.

حين عاد ابن رشد إلى الفكر العربي في القرن التاسع عشر، لم يعد الأندلسي صاحب «فصل المقال»، بل عاد مُرشَّحًا أوروبيًا محمّلًا بتأويلات لم يخترها. التصدير لا يُفني المنتَج، بل يُحوّله — فيصير استرداده استردادًا لصورة لا للأصل.

سابعًا: ابن رشد والمعري والتوحيدي — ثلاثة أنماط

المعري اختار الانسحاب الاحتجاجي وأنتج من الهامش ما بقي ألف عام. التوحيدي اختار المواجهة ثم الاحتراق.

وابن رشد لم يختر شيئًا — أُقصي بقرار لا رأي له فيه، ثم رُفع عنه الإقصاء، لكن أثره تحقق في بيئة أخرى لم يقصدها.

الفارق بينهم ليس في قوة العقل بل في نوع الهامش الذي يملكه المفكر:

المعري كان له هامش اجتماعي (أسرة، انتماء مكاني، جمهور محلي) يصمد أمام الإعراض الثقافي، لكنه لا يصمد أمام القرار السياسي.

التوحيدي لم يملك هذا الهامش فطلبه من السلطة فانهار حين لم يجده.

وابن رشد ملك هامشًا مؤسسيًا أكبر منهما (أسرته الفقهية وموقعه في البلاط) لكنه اصطدم بضغط أقوى منه: حاجة السلطة لتحالف جديد.

والفارق الجوهري في علاقة الإرادة بالنتيجة: المعري أراد البقاء فتحقق له متأخرًا.

التوحيدي أراد الاعتراف ولم يجده فأتلف إنتاجه.

وابن رشد أنتج ثم خرج ما أنتجه من يده — لا بإرادته ولا رغمًا عنها، بل لأن البيئة الأحوج كانت في مكان آخر.

ثامنًا: ما الذي يقوله ابن رشد للحاضر

المفارقة لم تنتهِ بانتهاء القرن الثاني عشر، كل مجتمع يُقصي عقوله في لحظة خوف أو صراع داخلي يُكرّر النمط:

يدفع بمنتجه إلى خارج حدوده، ثم يستورده لاحقًا بعد أن يتحوّل إلى لغة وسياق آخرين — كما عاد ابن رشد إلى العالم العربي في القرنين التاسع عشر والعشرين بوصفه «تراثًا غربيًا»

وهنا يعود السؤال إلى جذرين ظهرا سابقًا في المقال:

الأول سياسي كشفه القسم الثالث — غياب فضاء ثالث يستوعب الخلاف بين الفقه والفلسفة دون أن يُحسم لصالح أحدهما
والثاني بنيوي كشفه القسم الثاني — أن المؤسسة القائمة نفسها، أي البلاط، لم تكن مستقرة المعيار: قبول الفلسفة أو رفضها كان تابعًا لحساب كل خليفة على حدة، لا لقاعدة راسخة تحمي المشروع الفكري من تقلّب الحاكم الفرد.

فضاء ثالث حقيقي — مجلس أو جامعة مستقلة عن البلاط — كان سيحمي ابن رشد لا من عداء الفقهاء وحده، بل من كون بقائه مرهونًا بمزاج السلطة نفسها التي احتضنته.

هذا ما أتاح لأوروبا استقبال ابن رشد، شروحه لم تدخل مؤسسة سياسية واحدة تملك حق النقض عليها، بل توزّعت على جامعات متعددة (باريس، أكسفورد) لا تخضع لقرار حاكم فرد.

غياب هذا التوزع المؤسسي، لا غياب التسامح وحده، هو ما جعل مصير ابن رشد في الأندلس رهينة لحظة سياسية بعينها.

تاسعًا: الشارح الذي لم يشرح لقومه

لقّبه الأوروبيون «الشارح» — إيرونيا لم ينتبه إليها أصحابها: من شرح أرسطو للعالم لم يجد من يشرح له، أي يجعله مفهومًا في بيئته، حين احتاج ذلك أكثر من أي وقت.

بيئته لم تحتوِ ما أنتجه، فاحتواه غيرها.

كل بيئة تُقصي مفكرًا بسبب توقيت سياسي أو خوف من الأسئلة الصعبة، تُهدي غيرها في الحقيقة ما كان يمكن أن يبقى لها — لا كرمًا، بل خسارة مؤجلة تظهر فاتورتها بعد أجيال.

المعري أودع ما أودع وانتظر. التوحيدي أحرق ورفض الانتظار. وابن رشد لم يُخيَّر: أودعه الزمن في بيئة لم تطلبه، وبنت عليه بيئة لم تنتجه.

شارك المقال: