مقالات

أحمد علام يكتب: حين قتل النظام المعارضة وأبقى الشتّامين

عرفت مصر معارضة شرسة منذ أكثر من قرن، عارض سياسيون الملك، وهاجم كتاب الاحتلال، وسخر شعراء من الرؤساء، وامتلأت الصحافة والمسرح والأغنية بالغضب والنقد

مشاركة:
حجم الخط:

منذ عام 2013 لم يعد النظام في مصر يقمع المعارضة فقط، بل أعاد تشكيل صورتها أمام الناس.

حاصر السياسي، وأغلق الصحيفة، وأفرغ الحزب، واعتقل الناشط، ثم ترك في الواجهة صاحب الفضيحة والشتيمة والبث المباشر.

أصبح المصري لا يرى المعارضة بوصفها مشروعًا سياسيًا أو رؤية بديلة، بل يراها في صورة شخص خرج من داخل النظام أو من دوائره، يسب رأس السلطة، ويكشف أسرارًا شخصية، ويروي حكايات لا يمكن التحقق من معظمها، ثم يختفي كما ظهر.

يتكرر المشهد بصورة لافتة:

مقاول، فنان، موظف سابق، أو شخص أو امرأة بزعم القرب من دوائر حساسة. يظهر فجأة، يتحدث عن قمة النظام، يستخدم ألفاظًا فجة ونابية، يحصد ملايين المشاهدات، ثم تنطفئ موجته ليحل محله وجه جديد وحكاية جديدة ودفعة جديدة من السباب والصراخ.

والسؤال ليس فقط: هل ما يقوله هؤلاء صحيح؟ أو هل هم أدوات في صراع أجنحة داخل السلطة؟ فهذه أسئلة تحتاج إلى أدلة لا يملكها الجمهور.

السؤال الأهم هو: لماذا أصبحت هذه هي الصورة الأكثر انتشارًا للمعارضة المصرية؟

ولماذا لا يظهر في المجال العام إلا المعارض الصاخب، البذيء، الغاضب، القادم من داخل النظام ثم المختفي في ظروف غامضة؟

هل هذه هي المعارضة المصرية حقًا؟ أم أن هذه هي الصورة الوحيدة التي أبقاها النظام بعدما سحق وقتل كل صورة أخرى؟

من المعارضة السياسية إلى حفلات الشتائم

عرفت مصر معارضة شرسة منذ أكثر من قرن، عارض سياسيون الملك، وهاجم كتاب الاحتلال، وسخر شعراء من الرؤساء، وامتلأت الصحافة والمسرح والأغنية بالغضب والنقد.

كان أحمد فؤاد نجم قاسيًا، وكان الشيخ إمام صادمًا، لكنهما لم يكونا مبتذلين كما نرى اليوم.

كان الغضب يتحول إلى شعر، والرفض إلى فن، والسخرية إلى وعي اجتماعي. كان الحاكم يُهاجَم من خلال سياساته، وكان النظام يُعرّى من خلال أثره في حياة الفقراء والعمال والطلاب.

أما اليوم فقد اختفت القصيدة وبقيت الشتيمة.

اختفى المشروع وبقيت الفضيحة.

اختفى المعارض صاحب القضية، وظهر الغاضب صاحب المظلمة الشخصية.

لم يعد السؤال: كيف تُدار الدولة؟

ولماذا انهار الاقتصاد؟

وأين ذهبت العدالة؟ وما البديل السياسي؟

أصبح السؤال: من سبّ الرئيس اليوم؟ ومن كشف سرًا عن أسرته؟

ومن روى الحكاية الأكثر إثارة؟
وهذا ليس مجرد انحطاط أخلاقي عابر، بل نتيجة مباشرة لهدم المجال العام.

النظام لم يقضِ على الغضب بل جرّده من العقل

ظن النظام أن إغلاق الأحزاب سينهي السياسة، وأن السيطرة على الصحف ستنهي الحقيقة، وأن سجن المعارضين سينهي المعارضة.

لكنه لم ينهِ شيئًا.

لقد أنهى فقط الوسائط التي كانت تحول الغضب إلى فكرة، والفكرة إلى برنامج، والبرنامج إلى تنظيم.

حين تُغلق الأحزاب لا يختفي الغضب، بل يتحول إلى صرخة فردية.

وحين تُمنع الصحافة لا تختفي الوقائع، بل تتحول إلى شائعات.

وحين يُعتقل السياسي لا تنتهي السياسة، بل يتصدر صاحب الفيديو.

وحين يُمنع النقد المنظم يصبح السباب هو اللغة الوحيدة القادرة على اختراق الجدار.

لقد جرّد النظام الغضب من العقل، ثم عرضه على الناس وقال لهم: انظروا، هذه هي المعارضة.

السلطة هي التي علّمت المجال العام الشتيمة

النظام هم من صنع ونشر اللغة المنحطة التي ملأت المجال العام، لأنه هو الذي قاد عملية انحطاطها.
منذ 2013 تحولت قطاعات واسعة من الإعلام إلى ساحات للسباب والتخوين والتشهير.

جرى الطعن في المعارضين وعائلاتهم، واتهام المختلفين بالخيانة والعمالة والإرهاب.

لم يعد هناك خصم سياسي، بل خائن.

ولم يعد هناك رأي مخالف، بل مؤامرة.

ولم يعد هناك احتجاج اجتماعي، بل محاولة لإسقاط الدولة.

حين تستخدم السلطة لغة الإذلال والهجاء يوميًا، فمن الطبيعي أن يعود ذلك إليها.

وحين تجعل الشتيمة أداة حكم، فلا ينبغي أن تندهش حين تصبح الشتيمة أداة معارضة.

لقد صنع النظام قاموسًا سياسيًا قائمًا على الإهانة والسباب، ثم ظهر من يستخدم القاموس نفسه في الاتجاه المضاد.

القادمون من داخل النظام ليسوا معارضة بالضرورة

أغلب من يظهرون بهذه الصورة لم يكونوا معارضين للاستبداد حين كانوا مستفيدين منه.

لم يعترضوا على القمع، ولم يدافعوا عن المعتقلين، ولم يرفضوا إغلاق المجال العام.

كان كل شيء مقبولًا ما دامت مصالحهم قائمة.

ثم حدث خلاف أو إقصاء أو خسارة أو شعور بالظلم، فانقلب الولاء إلى سباب.

هؤلاء لا ينتقلون دائمًا من تأييد الاستبداد إلى الإيمان بالحرية. كثير منهم ينتقل فقط من داخل المائدة إلى خارجها.

لا يقول الواحد منهم: كنت جزءًا من هذا النظام، وأتحمل مسؤوليتي، وهذه مراجعتي السياسية، وهذا هو البديل الذي أدعو إليه.

بل يقول: ظلموني، ولذلك سأفضحهم.

وهناك فارق هائل بين من يعارض النظام لأنه نظام استبدادي، ومن يعارضه لأنه لم يعد شريكًا فيه.

لكن النظام يستفيد من الاثنين. فصاحب الفضيحة لا يبني بديلًا، بل يثير الناس أيامًا، ويستنزف غضبهم، ثم يتركهم في المكان نفسه.

لماذا يختفون؟

لأن معظمهم لا يملك حزبًا ولا مؤسسة ولا تصورًا سياسيًا. يعتمد وجوده كله على قدرته على إنتاج فضيحة جديدة.

فإذا انتهت الأسرار، انتهى حضوره.

وقد يتعرض بعضهم لضغوط أو تهديدات أو مساومات. وقد يدخل بعضهم في تسويات.

وقد يكون بعضهم استُخدم في صراع داخل أجهزة الدولة. وقد يكون آخرون مجرد أشخاص غاضبين ضخمتهم المنصات ثم تخلت عنهم.

لا توجد أدلة تسمح بوضع الجميع داخل مخطط واحد.

لكن المؤكد أن هذه الشخصيات قابلة للاستخدام بسهولة: يمكن تضخيمها، واستنزاف الغضب من خلالها، ثم إسقاطها عندما تنتهي فائدتها.

والأهم أنها لا تهدد النظام كما يهدده المعارض الحقيقي.

صاحب البث قد يحرج السلطة، لكنه لا يستطيع استبدالها.

أما صاحب الفكرة والتنظيم والقاعدة الاجتماعية، فهو الخطر الحقيقي؛ ولهذا يُسجن أو يُنفى أو يُمنع من الظهور.

النظام لا يخشى الشتّام بقدر ما يخشى السياسي.

فالشتّام يهين الحاكم، أما السياسي فيسأل عن شرعية الحكم.
الأول يثير فضيحة، والثاني يبني بديلًا.

المعارضة المشوهة تخدم النظام

حتى عندما لا يصنع النظام هذه النماذج بنفسه، فإنه يستفيد منها.

كلما خرج شخص يسب ويخوض في الحياة الخاصة، أمكن للإعلام الرسمي أن يقول للمواطن: هل تريد أن تحكمك هذه المعارضة؟

كلما تحولت السياسة إلى فضائح، بدا الاستبداد أكثر احترامًا من خصومه.

وكلما غاب أصحاب الرؤية، استطاعت السلطة أن تقارن نفسها بأسوأ الأصوات لا بأفضل البدائل الممكنة.
هذه إحدى أقدم حيل الاستبداد: لا يناقش أفضل خصومه، بل يختار أسوأهم ليعرضهم بوصفهم المعارضة كلها.

يعتقل السياسي المحترم، ثم يترك صاحب الشتيمة.

يمنع صاحب البرنامج، ثم يسلط الضوء على صاحب الفضيحة.

يسكت من يناقش الاقتصاد والدستور والعدالة، ثم يفتح المجال لمن يناقش الحكايات الشخصية.

وبعد ذلك يطلب من الشعب أن يختار بينه وبين القبح الذي ساهم هو نفسه في إنتاجه.

لم يعد الشعب يرى نفسه

هذه النماذج لا تمثل المجتمع المصري. إنها تمثل فقط ما تسمح منظومة القمع والإعلام والخوارزميات بظهوره.

المصريون ليسوا عاجزين عن إنتاج معارضة واعية ولغة محترمة. لكن أصحاب هذه اللغة في السجون أو المنافي أو خارج المنابر، أو خائفون على أهلهم وأرزاقهم.

ما يراه الناس ليس المجتمع، بل الجزء الذي جرى اختياره من المجتمع.

لقد أُخفي المصري القادر على التفكير، وأُظهر المصري القادر على الصراخ.

أُخفي السياسي، وأُظهر الشتّام.

أُخفي صاحب المشروع، وأُظهر صاحب الفضيحة.

ثم قيل لنا: هذا أنتم، وهذه معارضتكم.
أخطر ما فعله النظام منذ 2013 ليس أنه قمع المعارضة فقط، بل أنه شوّه معنى المعارضة في وعي الناس.
قتل التنظيم وأبقى الانفجار.

قتل الفكرة وأبقى الإهانة.

قتل السياسة وأبقى الفضائح.

وهذا لا يدل على قوة النظام، بل على خطورته؛ لأن المجتمع الذي يُحرم من المعارضة المنظمة لا يصبح مستقرًا، بل تتراكم داخله الضغوط بلا قنوات، والغضب بلا قيادة، والرفض بلا لغة.

فالمشهد البذيء الذي نراه اليوم ليس صورة الشعب المصري، ولا حقيقة المعارضة المصرية.

إنه صورة النظام في مرآته.

نظام قتل السياسة، ثم فزع من الشتائم التي خرجت من جثتها.

شارك المقال: