علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
كاتب وكتاب
محمد بدر الدين
محمد بدر الدين

كاتب وناقد صحفي

مذكرات سامي شرف: مجموعة مايو أصروا على السادات أم هدموا جمهورية ناصر؟ (2-3)

أنهم إيغالاً في هذا الإصرار، رفضوا أي ترشيح غير السادات أو أي محاولة لطرح اسم آخر بديل (ولو على سبيل التفكير في الترشيح او الطرح!)

مشاركة:
حجم الخط:

قدم سامي شرف في مذكراته في نهاية الفصل قبل الأخير “الثلاثين” وعنوانه “مراجعة الأحداث، محاولة للتقييم” ما وصفه: “بممارسة النقد الذاتي إزاء القضية برمتها”

بادئاً بالقول أنه ومجموعة من عرفوا “برجال 15 مايو 1971” الذين اعتقلهم السادات في ذلك التاريخ بتهمة التآمر وتدبير إنقلاب على حكمه:

“لم نكن بمتآمرين منذ البداية”

مضيفاً القول: “كان همنا وتفكيرنا منصبين على هدف واحد فقط هو التركيز بكل الطاقات على معركة تحرير الأرض المحتلة”،

وأنه: “كنا حتى ذلك التاريخ ـ 13 مايو 1971 ـ لا نشك في نوايا السادات بالنسبة لمعركة التحرير فلتكن له قيادة البلد، باعتباره رئيس السلطة الشرعي، ونتنحى نحن كمعاونين، مادام الخلاف محصوراً في نطاق اختلاف الرؤى بالنسبة لأسلوب وتوقيت التنفيذ ولا يتعداه إلى الهدف الرئيسي”

ويصل شرف إلى “ذروة” هذه الممارسة “للنقد الذاتي” بقول واضح، صريح، ونصه:

“تعاملنا مع الأحداث من منطلق أخلاقي، وليس من منطلق سياسي، ولو كنا تعاملنا مع السيد انور السادات في هذا الأمر بأسلوب سياسي لكانت تغيرت الصورة، ولقام واحد منا، أو بعض منا بالانقلاب عليه ـ وهذا الأمر كان من أسهل ما يمكن وكان لن يكلف أكثر من بيان في الإذاعة والتليفزيون وتنتهي المشكلة.

وكنقد ذاتي فإني اعترف باني أخطأت التقدير والتصرف سياسياً.

وأقر بأني أتحمل جزءاً كبيراً من مسئولية عدم التحرك في تلك الفترة، ويشاركني في المسئولية كل من الفريق أول محمد فوزي والسيد شعراوي جمعة”

لكن لماذا اختارت هذه المجموعة ـ من رجال الدولة وأقطابها ـ السادات “رئيساً” منذ البداية، ورفضت أي اقتراح أو ترشيح عداه، عقب رحيل القائد والرئيس، وبإصرار غير عادي؟

محمد بدر الدين يكتب: رؤية لمذكرات سامي شرف (1-2)

من حقنا ان نتعجب له، أو على الأقل لمداه، وتشددهم فيه، ونحن نتابع الأحداث وفق فصول الكتاب نفسه؟

توجد نظريتان:

إحداهما تذهب إلى أنهم: أرادوا استمرار توجيه أمور الدولة “من خلال رئيس ضعيف”وهذا النظر أو التفسير نفوه هم باستمرار.

أما النظرة الأخرى فتلك التي يؤكدون عليها دوماً، سواء في كتاب “شهادة سامي شرف” أو غيره.

وتذهب إلى أنهم، ورغم أية ملاحظات سلبية سابقة على “السادات”  قد حرصوا على انتقال للسلطة سلس آمن “وفق نظام ومؤسسات ودستور الدولة”

فضلاً عن أن البلاد في ظرف استعداد لمعركة تحرير، وأن السادات نائب الرئيس، حتى وإن كان الأمر محض مصادفة في ذلك التوقيت.

وحتى لو أنهم يعلمون علم اليقين أن جمال عبد الناصر قد وضعه في هذا الموقع كأمر مؤقت.

ويعلمون، كما يرد في كتاب شرف نفسه: 

أن السادات لم يكن مؤهلاً في نظر عبد الناصر ولا الذين من حوله، لقيادة ومسئولية منصب تنفيذي حتى “بحجم وزير”

فمن باب أولى:

ليس من المعقول ما هو أكبر أي رئيس دولة أو رئيس وزراء!

(ونحن نلاحظ بالفعل أن الأسماء التي تصدرت ثورة 1952 “ومجلس قيادتها” شغلت مناصب تنفيذية ماعدا السادات!)

وزراء: مثل ثروت عكاشة ـ عبد اللطيف البغدادي ـ حسين الشافعي ـ كمال الدين حسين ـ صلاح سالم.. كما شغل موقع رئيس الوزراء: زكريا محي الدين ـ علي صبري ـ صدقي سليمان.

 ملاحظة: نلاحظ في أحد مشاهد فيلم “أيام السادات” المأخوذ عن كتابي السيرة الذاتية له ولجيهان السادات، مدى المرارة التي شعرا بها لأن وزارة جديدة تعلن “وأيضاً ليس فيها أنور!”

مفاجآت مذكرات سامي شرف:

نعم: نحسب أن من “مفاجآت كتاب سامي شرف” ليس اختيار هذه المجموعة للسادات، وإنما درجة الإصرار على الاختيار!.

المفاجأة التالية: التي تأتي جنباً إلى جنب مع الأولى ـ تستكملها وتؤكدها ـ أنهم إيغالاً في هذا الإصرار، رفضوا أي ترشيح غير السادات أو أي محاولة لطرح اسم آخر بديل (ولو على سبيل التفكير في الترشيح او الطرح!)

أكثر من ذلك، فإنهم كانوا “يسارعون” (نعم بالضبط.. يسارعون!) ومنذ اللحظات الأولى إلى “إبلاغ” السادات بأن هذا أو ذاك “يفكر في ترشيح غيرك” ناقلين إليه الأمر بكل التفاصيل.

ومع أن رد فعل السادات، كان في كثير من الأحيان، لا يليق على الإطلاق:

بأي مرشح موقع مهم رفيع! إلا أنه ـ للأسف ـ فيما بدا لم تستوقفهم على النحو المنطقي أو الضروري:

حتى ردود فعل السادات الفظة وأحياناً الوقحة “غير المعقولة”

بينما يفترض أن مثل ذلك يكشفه أكثر لديهم، ويفضح بما لا مزيد عليه “نوعية ـ نفسية ـ خلق” هذا الذي يرشحون، وعليه يصرون.

على سبيل المثال ـ ونحن نذكر ذلك من الفصل ذي الأهمية الخاصة بطبيعته وبتفاصيله ـ بعنوان:

“الرحيل وترتيبات الخلافة”

1-مثلاً:
كان الاعتراض الأول والواضح من أول لحظة على اختيار أنور السادات هو اعتراض حسين الشافعي، وبنص الكتاب هو:

“اعتراض بكلمات مضمونها وصل إلى جميع الحاضرين”

2- مثلاً:
في اليوم التالي لرحيل عبدالناصر 29 سبتمبر يروي شرف ما يلي:

زارني “صلاح الشافعي” (شقيق حسين الشافعي وزميل دراسة قديم من المنصورة الثانوية لكلينا ـ والسفير بوزارة الخارجية فيما بعد)

راوياً أن حواراً دار بينهما، إذ تحدث الزائر عن ترشيح حسين الشافعي للرئاسة بدلاً من السادات.

ويروي شرف في الحوار الذي دار بينهما ما نصه:

 “قال: مش هو أحسن من أنور السادات؟!

فقلت: يا صلاح.. أمور البلد لا تدار بهذا الأسلوب.. هو كل من يزكي واحد يصبح رئيساً للجمهورية؟

هذا أسلوب قبلي تلجأ إليه معظم القبائل البدائية، ولكن أنت تعرف أن البلد فيها مؤسسات وأوضاع دستورية قائمة,

وهذه الأوضاع لابد أن تستمر ويجب المحافظة عليها واحترامها.

شوف يا صلاح الوضع الدستوري الشرعي سوف يستمر وأي شئ خلاف هذا سوف نحاربه هل هذا مفهوم يا صلاح؟

ورد صلاح الشافعي: “أيوة مفهوم”.. وانتهت المقابلة عند هذا الحد”

وهنا يضيف سامي شرف:
 “وفي الصباح الباكر حضر إلى مكتبي، أمين هويدي وشعراوي جمعة ورويت لهما ما أثاره صلاح الشافعي، واتفقنا على أن نذهب لأنور السادات لإبلاغه بما حدث، والتقينا به في قصر القبة ورويت له ما دار بيني وبين صلاح الشافعي فكان أن عقب بألفاظ خارجة يستحيل إعادتها هنا..!!

ثم أضاف السادات: “سيبوا لي الموضوع ده وأنا حاتصرف..”

لن أعقب على هذا النص هنا، لكن أكتفي بالإشارة (أو وضع الخط تحت)

أولاً: أن ذلك الحوار دار يوم 29 سبتمبر (اليوم التالي للرحيل)

ثانياً: أن شرف قال في رده على صلاح الشافعي: “هو كل من يزكي واحد

” (كما لو أن حسين الشافعي هو مجرد “أي واحد”!!.. مع أنه كنائب لرئيس الجمهورية أسبق من السادات.

ثالثاً: لاحظ التعبير الحاد لشرف: “أي شئ خلاف هذا،سوف نحاربه”

رابعاً: لاحظ تعبير: “نذهب لأنور السادات.. لإبلاغه”

خامساً: ما أبشع هذا الحال، الذي يعبر عنه شرف بوصفه الدقيق لرد فعل السادات.. ومتى؟

في اليوم التالي (أي 30 سبتمبر ـ وقبل حتى الجنازة في أول أكتوبر): “عقب بألفاظ خارجة يستحيل إعادتها هنا..”

3-مثلاً،يواصل شرف:

أنه “في يوم 29 سبتمبر حوالي الثامنة مساء، وصلته رسالة من ضباط بالجيش (أنه إذا تم اختيار أنور السادات رئيساً للجمهورية فإنهم سيقومون بانقلاب)

وهنا يقول شرف: “كان ردي على هذه الرسالة أن الشرعية هي التي ستسود”.

4– مثلاً، يقول شرف أيضاً:

أنه يوم 30 سبتمبر حضر إلى مكتبي بمنشية البكري وزير خارجية السودان فاروق أبو عيسى الذي بدأ حديثه قائلاً:

“جاءني اليوم أمين شاكر ـ وزير السياحة المصري السابق ـ وقال أنه يريد من الوفود العربية ممارسة ضغوطها لتنصيب زكريا محي الدين رئيساً للجمهورية”

ويستكمل شرف هنا قائلاً، ما نصه:
 “وفي ضوء هذا اللقاء توجهنا إلى السادات وأبلغناه بمضمون الحديث الذي أدلى به فاروق أبو عيسى فكان رده: “اعتقلوا أمين شاكر” وكان ردنا عليه: لا يمكنه أن يفعل شيئاً ولا داعي لاعتقاله ،فأمن على رأينا”

5– مثلاً،زكريا محي الدين.. مرة أخرى:

وهذه المرة، الحديث تحديداً عن: محمد حسنين هيكل.

وما يعنيه: أن هيكل، كان ترشيحه الأول والأساسي، لمن يخلف عبد الناصر في الرئاسة، هو: زكريا محي الدين.

وقد بدا من كلام شرف، أن ذلك كان مثار قلق، وتوجس وارتياب، واتهام! موجه من ناحية شرف وهذه المجموعة، أو بالأدق بعضها، تجاه هيكل.

أي لهذا السبب لهذا الترشيح، لهذا التفضيل والاختيار.

 

شارك المقال:

شاركنا برأيك