محمد بدر الدين يقرأ مذكرات سامي شرف (زكريا محي الدين)
لم يكن موقفنا هذا يحمل أي معنى خاص تجاه زكريا محي الدين الذي نقدره كرجل وطني، متميز بالنزاهة والشرف، ولا يستطيع أحد أن ينكر دوره في تنفيذ الثورة، وترسيخ قواعدها
بعد رحيل جمال عبد الناصر كانت معركة الخلافة
من مذكرات شرف فصل: الرحيل وترتيبات الخلافة)
ننقل من المذكرات النص التالي :
“لاحظ المسئولون على اختلاف مواقعهم، كما لاحظ الرأي العام المصري أيضاً، أن كاميرات التليفزيون المصري كانت تركز بشكل ظاهر خلال مسيرة الجنازة على زكريا محي الدين أثناء مشاركته في تشييع الجنازة.
كما أفردت صحيفة “الأهرام” الصادرة في اليوم التالي خبراً بارزاً ومستقلاً للنعي الذي رثى به زكريا محي الدين الرئيس جمال عبد الناصر خلافاً لما حظي به باقي أعضاء مجلس قيادة الثورة السابقين.
وبالطبع فقد أعاد ذلك إلى الذاكرة أن زكريا محي الدين هو الشخص الذي اختاره الرئيس جمال عبد الناصر عندما قرر التنحي عن السلطة يوم 9 يونيو 1967، مما أعطى الواقعتين دلالات خاصة.
وكان محمد حسنين هيكل وزيراً للإعلام والمسئول عن التليفزيون، كما كان رئيساً لتحرير جريدة “الأهرام”
هذا نص ما ذكره شرف، وكأنه مما يؤاخذ عليه هيكل!!
بينما هو في نظرنا في الحقيقة: لمما يدعو إلى مزيد من التقدير لهيكل، وأنه كان (على عكس موقف هذه المجموعة، إزاء ذلك الأمر) يرى الأصوب وينصف الحق والمعقول والمنطقي!
ومن المعروف الثابت أن “بعض” شخصيات هذه المجموعة، كانت عبر سنوات تناصب هيكل العداء دون سبب، إلا ضيقها من صداقته الفكرية والإنسانية الحميمة مع جمال عبدالناصر، والممتدة على مدى سنوات عصر عبدالناصر كله.
ولذلك فحين فرضت تلك المجموعة “السادات” لتصورات لديها ـ أياً كانت ـ ثم اختلفت إلى حد التصادم الكامل، مع السادات في “15 مايو 1971” اضطر هيكل إلى أن يقف في صف السادات.
وهو موقف في رأينا خاطئ، لكن سببه واضح، “هو رد فعل”
أو ما قد وجده هيكل الموقف المناسب: تجاه موقف خاطئ قديم سابق، وما نعنيه هو بغض شديد لدى أولئك البعض تجاه هيكل ـ وبطبيعة الحال فإن شرف في مذكراته ينتقد موقف هيكل في حدث 15 مايو 1971 انتقاداً لاذعاً.
وبالمناسبة نتذكر أن هيكل في حلقاته على قناة الجزيرة بعنوان “تجربة حياة” في حلقة خصصها لموضوع (الرجل الثاني) ذكر أنه كان يرى باستمرار خلال سنوات 23 يوليو أن (الرجل الثاني) الأنسب ليس عبدالحكيم عامر وإنما زكريا محي الدين، وقد تحدث فيها في الحلقة موضحاً مسهباً.
كما توجد مصادر عدة أخرى، تؤكد الموقف المبكر لهيكل باختيار محي الدين بعد رحيل عبدالناصر، من ذلك ما كتبه صديقه الحميم الكاتب الصحفي الكبير عبد الله السناوي، في كتابه المتميز: “أخيل جريحاً.. إرث جمال عبد الناصر” (الصادر عن دار الشروق ـ القاهرة ـ الطبعة الأولى 2019).
يقول السناوي في الفصل الحادي عشر من الكتاب (صفحة 277) عن ترشيحات الأسماء في أعقاب الغياب المفاجئ للرئيس عبدالناصر:
“استبعد زكريا محي الدين بأسرع وقت ممكن.
كان تصدر اسمه لخبر نشرته صحيفة “الأهرام” من إجراءات الجنازة، وحمل خبر “الأهرام” الذي كتبه الأستاذ هيكل، نوعاً من التزكية المبكرة.
كان “زكريا محي الدين” خياره الأول لخلافة “عبد الناصر”، بعد أن استبعد “محي الدين” بقى الرجلان الآخران (أنور السادات ـ علي صبري)..”
ويشير الكتاب ذاته في الصفحة التالية إلى أن هذه المجموعة في قمة دولة عبد الناصر، مثلما استبعدت اختيار “زكريا محي الدين” استبعدت أيضاً أن تختار “علي صبري”، فنقرأ هنا ما نصه:
“جرى وصفهم بـ “مجموعة علي صبري”، نائب رئيس الجمهورية في ذلك الوقت، لكنهم لم يبدوا حماساً للصعود بـ “الرجل القوي” (يقصد علي صبري) إلى موقع رئيس الجمهورية بعد رحيل “عبد الناصر” وفضلوا بصورة أو أخرى “الرجل الضعيف ـ أنور السادات” بظن أنه يمكن التحكم فيه، هذه قصة معتادة في التاريخ المصري وأثمانها معروفة..” (صفحة 278).
هكذا، للأسف استبعدوا الأكفاء حقاً، والوطنيين صدقاً! لأنهم “أقوياء!” (زكريا محي الدين ـ حسين الشافعي ـ علي صبري).
وحتى “بمعيار اختيار جمال عبد الناصر” فإن عبد الناصر لم يرشح اسماً او يختار أحداً من بعده، سوى زكريا محي الدين عند استقالته أو إعلانه التنحي عقب الهزيمة العسكرية في 5 يونيو 1967.
كما أن سامي شرف نفسه يقول عنه في مذكراته (نفس الفصل: الرحيل وترتيبات الخلافة)
“لم يكن موقفنا هذا يحمل أي معنى خاص تجاه زكريا محي الدين الذي نقدره كرجل وطني، متميز بالنزاهة والشرف، ولا يستطيع أحد أن ينكر دوره في تنفيذ الثورة، وترسيخ قواعدها بعد ذلك وعلى مدى السنوات التي أعقبت 23 يوليو 1952، وإنما كان كل همنا هو إقرار مبدأ الشرعية الدستورية..”
واللافت أيضاً، أنه في فصل آخر (بعنوان: حكاية العمالة للسوفييت) تجئ فقرة لها علاقة بهذا الموضوع، ضمن مقال نشر في مجلة عربية، يهتم به سامي شرف لدرجة أنه قدمه بنصه الكامل (المقال نشر في مجلة “اليمامة” بتاريخ 20 نوفمبر 1981)
أما الفقرة التي نعنيها فنصها ما يلي:
“كان أشرف مروان قد اقترب من الرئيس السادات، أولاً عندما قام بسرقة بعض الأوراق والوثائق الهامة التي كان عبد الناصر قد دون فيها تاريخاً سياسياً هاماً، والتي كان قد أوصى فيها أيضاً بأن يتولى زكريا محي الدين الحكم في مصر في حالة اغتيال عبد الناصر أو موته فجأة”
انتهت الفقرة، وعلى الرغم من اهتمام شرف بالمقال الذي تضمنها، ومن أهمية الفقرة، إلا أننا نلاحظ أنه قدمها بنصها دون أن يعلق عليها.
نعود لفصل أخاذ متميز هو “أحاديث المعمورة”، يلفت نظرنا فيه الكثير
وهو عن لقاءات (أو أحاديث في المعمورة ـ بالإسكندرية) بين الرئيس جمال عبد الناصر (قبيل رحيله بأسابيع، تحديداً في شهر أغسطس 1970) وسامي الدروبي المثقف العروبي الكبير سفير سوريا في القاهرة
رأى الرئيس أن يتناقش معه في قضايا بالغة الأهمية فكرية، سياسية، ويذكر شرف أن الرئيس عبد الناصر كان يقول عنه: “سامي الدروبي إنسان مثقف واع، أصيل شريف، لا يسعى إلى جاه أو سلطان أو منصب بل كان يسهم ـ حتى وهو مريض ـ بكل قواه الفكرية والجسمانية بما يخدم القضية، وباعتباره “جندي قوي عربي” قبل أن يكون سفيراً..”
ويذكر شرف ـ قرب نهاية الفصل ـ أن بين أحاديث عبد الناصر معه ما يلي:
“حديث الرئيس عبدالناصر حول موقف الأفراد والانتماءات الفكرية لكل منهم، وبدأ في تحليل شخصية أعضاء مجلس قيادة الثورة، وأهم عناصر الصف الثاني.
كان يسرد ويتكلم عنهم فرداً فرداً دون أن ينسى أياً منهم، وكان في حديثه يرتبهم وفق كل مجموعة مع بعضها مرتبة بالأقدمية، وكأنه يقرأ من كتاب مفتوح أمامه.
كانت عناصر تقييمه تتم على الوجه التالي: فلان، اسمه بالكامل، تاريخ ميلاده ونشأته، أسرته وتركيبتها الاجتماعية، تفكيره، وبمن أو بماذا يتأثر، انتماؤه الفكري، انتماؤه الطبقي، آماله وطموحاته، قدراته الحقيقية ومداها، مواقفه في الأزمات، دوره في القوات المسلحة، دوره في الثورة، التغييرات التي طرأت على شخصيته بعد نجاح الثورة، إمكانياته بعد إتمام دوره، الأمل في المستقبل وما يرجى أو لا يرجى منه، الاستنتاج..”
كانت هذه في رأينا: من مفاجآت مذكرات سامي شرف.
ثم يواصل المفاجأة بقول نصه:
“ملحوظة: تقييم الرئيس جمال عبد الناصر لأعضاء مجلس قيادة الثورة ورجال الصف الثاني مدون عندي بالتفصيل، وهو محفوظ في مكان أمين للوقت المناسب الذي أرى أنه بعد وفاتي حيث سيتولى أبنائي وضعه تحت تصرف المسئولين في الدولة..”
والحق أنه لما يثير القلق أن هذا التقييم بالغ الأهمية بل والخطير للرئيس عبد الناصر، يقول الأستاذ سامي شرف أن أبناءه سوف يتولون “وضعه تحت تصرف المسئولين في الدولة”
فما أدرانا نوع هؤلاء المسئولين، وما مصالحهم ونوازعهم، وهل سيكونون بالأمانة والنزاهة بحيث يعلنون هذه الوثيقة غير العادية.. أم قد يخفونها لسبب ما، فلا ترى النور إلى الأبد؟
إن هذا أمر بالغ الخطورة ومدعاة للقلق الكبير، بقدر ما أن أمر ونشر الوثيقة مطلوب وضروري، خطير واستثنائي.
وبعد: من أروع فصول كتاب “شهادة سامي شرف” حقاً، الفضل بعنوان: (صنع القرار في تجربة عبد الناصر) ونتصور أنه صار لا يصح أن يدلي متحدث بجدية أو باحث بإجادة، دون الرجوع ـ بتأمل حقيقي واهتمام كبير ـ إلى هذا الفصل على الخصوص.
إنه فصل يتعذر أن يختصر، بل يجب ألا يلخص ويجب أن يقرأ، إذ هو فصل يعبر عن أمر عظيم وعصر غير عادي، استثنائي، بكل ما تعني هذه الكلمة من معان.
والحق أنه وفصول أخرى مثل: “عبد الناصر والتنظيم السياسي” (عن قضية الثورة والديمقراطية) نصوص بالغة الأهمية، تستحق وقفات وتأملات ودراسة متأنية.
شاركنا برأيك