علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
د. رمضان بلال
د. رمضان بلال

الكاتب والإعلامي

د. رمضان بلال يكتب: مسرح ماسبيرو ثلاثة ملايين جنيه ومئات الأحلام (4)

في 21 يناير 2016 نشرت «اليوم السابع» أن عصام الأمير، رئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون آنذاك، وافق على فكرة إنشاء فرقة مسرحية تحمل اسم «مسرح ماسبيرو»، مع بدء العمل على المشروع.

مشاركة:
حجم الخط:

من دفع ثمن الحلم؟ وأين توقفت المستحقات؟

قبل أن نسأل: من المسؤول؟ علينا أولًا أن نسأل: ماذا حدث؟ ومتى؟

في هذه الحلقة لن نعتمد على الحكايات المتداولة، ولن نضع اتهامًا قبل الدليل.

سنعود إلى التاريخ.

إلى ما نُشر في الصحافة المصرية خلال عام 2016، وإلى تصريحات أصحاب المشروع أنفسهم، وإلى الأرقام التي أُعلنت وقتها.

وسنفرق دائمًا بين ثلاثة أشياء:

واقعة موثقة، تصريح منسوب إلى صاحبه، وسؤال لا تزال الإجابة عنه تحتاج إلى وثيقة.

لأن ملف «مسرح ماسبيرو» لا يحتمل المبالغة، إنه ملف يتعلق بمؤسسة عريقة، وبفنانين وشباب، وبأموال عامة، وبمشروع كان يحمل اسم التليفزيون المصري.

د. رمضان بلال يكتب:وتحولت فكرة مسرح ماسبيرو إلى خلية عمل لا تتوقف (3)

 يناير 2016

البداية الرسمية تتحول إلى مشروع

في 21 يناير 2016 نشرت «اليوم السابع» أن عصام الأمير، رئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون آنذاك، وافق على فكرة إنشاء فرقة مسرحية تحمل اسم «مسرح ماسبيرو»، مع بدء العمل على المشروع.

كانت هذه لحظة مهمة، فالفكرة لم تعد مجرد أمنية، أصبح هناك مشروع يحمل اسم المؤسسة، لكن الطريق من الموافقة إلى العرض أمام الجمهور كان لا يزال طويلًا.

الفنان حسام داغر ومدير الإنتاج خالد عزام أثناء الاتفاق على أحد العروض
الفنان حسام داغر ومدير الإنتاج خالد عزام أثناء الاتفاق على أحد العروض

 فبراير 2016

البروفات تبدأ

بحسب ما نقلته «الوطن» عن المخرج مازن الغرباوي، بدأت البروفات في فبراير 2016، وكان التصور أن يقدم المشروع 18 عرضًا مسرحيًا على ثلاثة مواسم، بواقع ستة عروض في كل موسم.

وهنا تظهر فلسفة المشروع، لم يكن الهدف عرضًا واحدًا وانتهى الأمر، بل بناء فرقة قادرة على الاستمرار، وكان الموسم الأول مخصصًا لستة عروض.

 مارس 2016

المشروع يقترب من لحظة الإعلان

في 19 مارس 2016 نشرت «اليوم السابع» أن المسؤولين عن فرقة «مسرح ماسبيرو» كانوا يضعون اللمسات الأخيرة للمشروع، مع استمرار الاجتماعات بين أعضاء الفرقة.

أي أن المشروع كان يتحرك في اتجاه التنفيذ، لكن التحضير كان لا يزال مستمرًا.

 5 أبريل 2016

أول موعد معلن للستارة

في 5 أبريل 2016 نشرت «اليوم السابع» أن الفرقة تواصل بروفاتها استعدادًا لانطلاق أولى عروضها أواخر أبريل 2016 على مسرح رومانس.

وهنا نصل إلى نقطة مهمة جدًا في القصة، كان هناك موعد معلن، وكانت هناك بروفات،  هناك فرق مسرحية، وهناك عروض يجري إعدادها.

أي أن المشروع دخل بالفعل مرحلة التنفيذ العملي.

 29 أبريل 2016

ستة عروض… وخمسة أشهر من العمل

في 29 أبريل 2016 نشرت «اليوم السابع» تصريحات للمخرج مازن الغرباوي، المدير الفني للمشروع، قال فيها إنهم انتهوا من تحضير ستة أعمال مسرحية للموسم الأول.

والأهم أن التغطية نفسها ذكرت أن فريق العمل كان قد أمضى قرابة خمسة أشهر في البروفات والتحضيرات.

كما ذكرت أن الأعمال الستة تضم نحو 150 وجهًا جديدًا إلى جانب عدد من النجوم، بينهم محمود الجندي، وصبري عبد المنعم، ووفاء الحكيم، وعدد من الفنانين الشباب.

وفي اليوم نفسه نشرت «اليوم السابع» تقريرًا مصورًا عن الاجتماعات والبروفات، وأشارت إلى استعداد الفرقة لأول عرض، «حدوتة قبل النوم»، في الأيام الأولى من مايو.

إذن، في نهاية أبريل كانت الصورة المعلنة واضحة: ستة عروض، بروفات استمرت أشهرًا، مئات المشاركين في مراحل مختلفة.

150 وجهًا جديدًا في التصور الذي أعلنه المدير الفني.

والجميع ينتظر لحظة العرض.

سيد عيسوي المدير التنفيذي لمسرح ماسبيرو في أحد الأجتماعات مع أحدى الفرق الست
سيد عيسوي المدير التنفيذي لمسرح ماسبيرو في أحد الأجتماعات مع أحدى الفرق الست

 28 أبريل 2016

الوثيقة التي ستصبح لاحقًا نقطة خلاف

في 28 أبريل 2016، أي قبل نشر تصريحات مازن الغرباوي بيوم واحد، قال علي أبو هميلة لاحقًا إنه قدم وثيقة إلى صفاء حجازي بعد توليها رئاسة الاتحاد.

وهذه المعلومة ظهرت في المؤتمر الصحفي الذي عقده القائمون على المشروع في يوليو.

وبحسب رواية أبو هميلة المنشورة، أُبلغ بأن مجلس الأعضاء المنتدبين وافق، وأن الملف أُحيل إلى مجلس الأمناء، مع طلب إعداد دراسة جدوى.

لكن هذه رواية صاحبها، ولهذا يجب أن نقول، بحسب ما صرح به علي أبو هميلة، لا نحول التصريح إلى وثيقة مستقلة إلا إذا حصلنا على المستند نفسه.

 مايو 2016

مشروع مسرح ماسبيرو كان يفترض أن يولد، كانت الخطة المعلنة أن تبدأ العروض في بداية مايو، وكانت البروفات قد وصلت إلى مراحلها الأخيرة.

لكن شيئًا بدأ يتغير، فالانتقال من مرحلة: “نحن نُعد المشروع”

إلى:

«المشروع سيبدأ الآن»

يحتاج إلى قرار إداري نهائي، وإلى آلية تمويل وتنفيذ واضحة.

وهنا بدأت المشكلة الحقيقية.

 كم كان ثمن المشروع؟

هنا تظهر واحدة من أهم المعلومات المالية في الملف.

بحسب ما نشرته «الوطن» عن المنتج التنفيذي أيمن حسين، كانت تكلفة المشروع كاملا بما يتضمن الملابس والديكور والمسرح وتنقلات ممثلين ومكافات فنيين حتى  النقل التليفزيوني نحو ثلاثة ملايين جنيه.

بينما قدرت تكلفة العرض الواحد بنحو 400 ألف جنيه، مع الاعتماد على موارد التليفزيون المتاحة.

لكن انتبهوا جيدًا:

ثلاثة ملايين جنيه ليست بالضرورة ثلاثة ملايين جنيه تم صرفها

المصدر يتحدث عن تكلفة المشروع، وهذا فرق صحفي ومالي بالغ الأهمية.

لذلك لن نكتب:

««أنفق ماسبيرو ثلاثة ملايين جنيه».»

لأن المصدر الذي بين أيدينا لا يثبت ذلك.

سنكتب:

“قُدرت تكلفة المشروع، وفق تصريح منشور وقتها، بنحو ثلاثة ملايين جنيه شاملة النقل التليفزيوني”

وهذه هي الصياغة التي تحترم الوثيقة.

بروفة ترابيزة من أحد العروض خلال فترة التجهيز
بروفة ترابيزة من أحد العروض خلال فترة التجهيز

 35 عرضًا… ثم ستة المشروع لم يبدأ من فراغ.

بحسب ما نقلته «الوطن»، تمت قراءة واختيار ستة عروض من بين 35 عرضًا، بينها:

«حدوتة قبل النوم».

«المليونير».

«شديد عنتر الدكر».

«عرعر بند 13».

«تايتنك 2».

«حارة درب سعادة».

أي أن هناك عملية اختيار فني سبقت الاستقرار على الموسم الأول.

وهذا يعني أن تكلفة المشروع لم تكن مجرد فكرة على الورق.

كانت وراءها عملية قراءة واختيار وإعداد وبروفات.

 أما عدد المشاركين ، فهنا يجب أن نكون دقيقين

في 29 أبريل 2016 تحدث مازن الغرباوي عن نحو 150 وجهًا جديدًا في الأعمال الستة.

وفي 17 يوليو 2016 قال علي أبو هميلة إن إعلان التمثيل استقطب نحو 400 ممثل، وإن المخرجين اختاروا منهم 220 ممثلًا.

وفي مصدر آخر، ورد رقم 120 فنانًا للفرقة في مرحلة من مراحل التشكيل.

هل هناك تناقض؟ ليس بالضرورة.

فالأرقام قد تكون مرتبطة بمراحل مختلفة:

عدد المتقدمين.

عدد المختارين.

عدد أفراد الفرقة.

عدد الوجوه الجديدة في الأعمال الستة.

لكننا لا يجوز أن نجمع هذه الأرقام وكأنها تعني الشيء نفسه.

وهذه واحدة من أهم قواعد التحقيق:

لا تجمع رقمين مختلفين فقط لأنهما يتحدثان عن المشروع نفسه.

 17 يوليو 2016 يوم خرج الملف إلى العلن

في الأحد 17 يوليو 2016 عقد القائمون على «مسرح ماسبيرو» مؤتمرًا صحفيًا على خشبة مسرح الهوسابير للكشف عن تفاصيل المشروع والمشكلات التي واجهته.

وهنا تغيرت لغة الخطاب، لم يعد الحديث فقط عن: العروض، والبروفات، والنجوم، والعودة، بل ظهر الحديث عن التعطيل.

 17 يوليو 2016

«حاولنا مقابلة صفاء حجازي»

في المؤتمر، قال سيد عيسوي، المدير التنفيذي للمشروع، إن القائمين عليه حاولوا مقابلة صفاء حجازي مرات عديدة، وذكر رقم 50 مرة، بحسب ما نقلته «اليوم السابع».

وقال إن المشروع كان قد بدأ بتكليف من عصام الأمير، وإنه واجه مشكلات بعد تولي صفاء حجازي رئاسة الاتحاد.

هذه تصريحات صاحبها.

ولذلك لا يصح أن نحولها إلى حقيقة مستقلة دون رد رسمي أو وثائق إضافية.

 17 يوليو 2016

400 ممثل… و220 اختيارًا

في المؤتمر نفسه، قال علي أبو هميلة إن إعلان التمثيل جذب نحو 400 ممثل، وإن المخرجين اختاروا منهم 220 ممثلًا.

وهنا يصبح الرقم إنسانيًا أكثر من كونه إحصاءً.

400 شاب تقدموا.

220 دخلوا مرحلة الاختيار بحسب التصريح، خلف كل رقم قصة، كل واحد منهم جاء وهو يعتقد أن هناك مشروعًا سيولد.

لكن المشروع لم يكن قد حصل بعد على نقطة النهاية الإدارية.

 «توفيق الأوضاع»

من داخل البروفات خلية نحل لم تنم شهورا لمواهب شابة
من داخل البروفات خلية نحل لم تنم شهورا لمواهب شابة

العبارة التي ظهرت في قلب الأزمة

بحسب ما نقلته «اليوم السابع» عن علي أبو هميلة، فإن الملف بعد مروره بالمراحل الإدارية أُحيل مع طلب دراسة جدوى، ثم ارتبط التأجيل بما سماه «توفيق الأوضاع».

وهنا يجب أن نتوقف، لأن «توفيق الأوضاع» عبارة إدارية، لكنها لا تشرح وحدها:

ما الذي كان يحتاج إلى توفيق؟ ومن المسؤول عن ذلك؟ وما المستندات المطلوبة؟ وما الذي تم إنجازه؟ وما الذي لم يتم؟

وهذه الأسئلة لا يمكن أن تجيب عنها الصحافة نيابة عن المؤسسة.

الوثائق هي التي تجيب.

 السؤال المالي الكبير، الآن نعود إلى الثلاثة ملايين، إذا كانت التكلفة المقدرة نحو 3 ملايين جنيه.

وإذا كانت تكلفة العرض الواحد قدرت بنحو 400 ألف جنيه، وإذا كانت هناك بروفات استمرت أشهرًا…

وإذا كان هناك أكثر من مائة مشارك في الأعمال.

هنا تظهر المفارقة

في 29 أبريل 2016 كانت التغطية الصحفية تتحدث عن ستة عروض جاهزة تقريبًا وعن خمسة أشهر من العمل.

وفي 17 يوليو 2016 كان القائمون على المشروع يعقدون مؤتمرًا صحفيًا للحديث عن التعطيل ومحاولات الوصول إلى قيادة الاتحاد.

أي أن الفترة بين التاريخين أصبحت جوهر القصة.

أواخر أبريل: استعداد للعرض.

يوليو: مؤتمر للشكوى من التعطيل.

وهنا يجب أن نسأل:

ماذا حدث بين أبريل ويوليو؟

وهذا السؤال يحتاج إلى أكثر من مقال.

يحتاج إلى ملف.

 الحقيقة حتى هذه اللحظة

ما نستطيع قوله استنادًا إلى المصادر المنشورة هو:

أن مشروع «مسرح ماسبيرو» كان قائمًا بالفعل في 2016.

وأن بروفاته بدأت قبل ذلك بأشهر.

وأن الموسم الأول كان يتضمن ستة عروض.

وأن تكلفة المشروع قُدرت بنحو ثلاثة ملايين جنيه شاملة النقل التليفزيوني وفق تصريح منشور وقتها.

وأن القائمين على المشروع تحدثوا في يوليو عن تعثر إداري وتأخر في التنفيذ.

 ثلاثة ملايين جنيه… ومئات الأحلام

ربما لم تكن المأساة في الرقم، وربما لم تكن المشكلة في الموهبة، وربما لم يكن العائق شخصًا واحدًا.

ربما كان المشروع يصطدم بشيء أكثر تعقيدًا:

منظومة كاملة تحاول أن تنتقل من فكرة جميلة إلى مشروع مؤسسي قابل للاستمرار.

وهنا لا يكفي أن نسأل:

من أخطأ؟ بل يجب أن نسأل:

أين تعطل المسار؟

ومن كان يملك قرار تحريكه؟

وما الذي تقوله الأوراق؟

 

شارك المقال:

شاركنا برأيك