علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
إبداع
محمد فرحات
محمد فرحات

كاتب وناقد

محمد فرحات يحاور يوسف إدريس في العالم الآخر (1-2)

قاللي: الحوار مع الدكتور يوسف إدريس هيكون له شكل آخر، وأكثر قيمة من حوارك معي. تغير وجه إدريس في لحظة، تهللت ملامحه كطفل صغير.. — قال كده؟

مشاركة:
حجم الخط:

يوسف إدريس: خناقة لا تنتهي في الضفة الأخرى من الحياة

بعد أن انتهيت من حواري مع نجيب محفوظ في الضفة الأخرى من الحياة، اكتشفت أن شرطة العالم الآخر قد علمت بأمري.

لم أعرف بالضبط ما الجريمة التي ارتكبتها، أو لأنني أجريت حوارًا مع نجيب محفوظ دون تصريح، أو لاحتمال أنني، بعد أن انتهى الحوار، رفضت العودة إلى عالم الأحياء.

وربما لأن شرطة العالم الآخر لا تحب الصحفيين، خصوصًا إذا كانوا من النوع الذي يسأل الموتى عن أشياء كانوا قد نسوها هم أنفسهم.

محمد فرحات يحاور نجيب محفوظ خلف الخيال (1-3)  

محمد فرحات يحاور نجيب محفوظ (2-2) الرواية والسينما

وجدت نفسي أجري في أحد أزقة العالم الآخر.

خلعت سترتي، قلبت القميص على ظهره، وضعت قبعة قديمة فوق رأسي، وحاولت أن أبدو كواحد من سكان المكان.

وكانت المشكلة أن سكان العالم الآخر جميعًا بدوا أحياء رواءً ومرحًا، وأنا الذي جاء لتوه من عالم الأحياء، أو المفترض أنهم أحياء، كان الموت منحوتًا على ملامحي البائسة. وهذه، بصراحة، كانت علامة يصعب تقليدها.

بعد ساعات من الهرب، قررت البحث عن يوسف إدريس.

وبعد ساعات من البحث المضني.

قال لي أحد الأحياء، من دون سؤال مني أو استفسار:

— لو عايز تلاقي يوسف إدريس، متدورش عليه في مكتبة أو ندوة.

— أمال فين؟

— في خناقة.

— خناقة؟!!

— أكيد. بس لو لقيته هادي، ابقى اعرف إن فيه خناقة جاية.

وهكذا بدأت تلقف الخيط من بدايته الصحيحة.

حتى سمعت أصواتًا عالية تخرج من أحد مقاهي العالم الآخر.

اقتربت.

فإذا بي أرى مشهدًا لم أكن أتخيل أنني سأراه حتى في تلك الضفة البعيدة من الحياة.

كان يوسف إدريس واقفًا وسط مجموعة من الأدباء، وأمامه توفيق الحكيم، وكان إدريس ممسكًا بتلابيب الحكيم.

الحكيم يحاول أن يحافظ على وقاره الأبدي، ويقول بصوت هامس:

— أعقل يا يوسف… هتفرج علينا العيال الصغيرة!

— عيال إيه يا توفيق؟! إنت بتتكلم عن الحياد وأنا هسكت؟!

— أنا بتكلم عن السياسة.
— عاوز مصر تبقى على الحياد زي سويسرا، طيب ما تقول تبقى في مستوى معيشتها ونظافتها!!

— طب سيب قميصي.

— لما تقتنع.

— يا يوسف، إحنا في العالم الآخر!

— يعني إيه؟ نموت بقى ونبطل نختلف؟

ضحكت، وكان المشهد مغريًا جدًا، وقفت أتابع، لم أتدخل.

بل كنت أتمنى في أعماقي أن تستمر الخناقة، أخرجت موبايلي لألتقط صورة، ضغطت، لا شيء، ضغطت مرة أخرى، لا شيء، هززته، فتحته، أغلقته.

صرخت:
— يا نهار أسود!

رد أحدهم:

— فيه إيه؟

— الموبايل وقف.

ضحك:

— الموبايل ما بيشتغلش هنا.

— طب الناس هنا بتتواصل إزاي؟

— بتتواصل بالتخاطر، يعني مجرد ما حد يجي في خيالك، وتنادي عليه يبتدي يكلمك وتكلمه من غير الموبايل بتاعكوا ده.

— طيب احنا في الجنة ولا الجحيم؟

قبل أن يجيب، اندفعت إلى وسط الخناقة

— يا دكتور يوسف!

ترك إدريس تلابيب الحكيم ونظر إلي

— أنت مين؟

— محمد فرحات.

— محمد فرحات مين؟

— كاتب وناقد وصحفي.
— وإنت جاي هنا تعمل إيه؟

— هربان.

— من مين؟

— شرطة العالم الآخر.

ضحك.

— عملت إيه؟

— حاورت نجيب محفوظ.

تغير وجهه.

— نجيب محفوظ؟!

— أيوه.

— حتى هنا؟

— حتى هنا.

— هو الناس دي ما بتزهقش من نجيب؟

— والله يا دكتور أنا ما كنتش رايح له أصلًا.

— أمال؟

— هو اللي قابلني.

سكت.

— وبصراحة، هو اللي دلني عليك.

رفع حاجبه.

— نجيب قال لك عليَّ؟
— أيوه.

— وقال لك إيه؟

اقتربت منه:

— قاللي: الحوار مع الدكتور يوسف إدريس هيكون له شكل آخر، وأكثر قيمة من حوارك معي.

تغير وجه إدريس في لحظة، تهللت ملامحه كطفل صغير..

— قال كده؟

— أيوه.

— نجيب قال كده؟

— بالحرف.

ترك الحكيم تمامًا، ومد يده إليّ.

— طب تعالى.

— فين؟

— نعمل الحوار.

— هنا؟

— لا الشرطة هتلاقيك، وتقبض عليك.

أخذ بيدي، وأدخلني إلى ممر ضيق، ثم فتح بابًا سريًا خلف لوحة معلقة على الحائط.

دخلنا.

كان المكان أشبه بمخبأ سري، مائدة خشبية، زجاجتان من نبيذ أحمر فاخر، طبق كافيار، طبق جمبري، وقليل من الخبز.

قلت:

— يا دكتور، انت عايش هنا كويس أوي.

— الواحد لما بيتنقل هنا يا محمد، كل حاجة تحبها تلاقيها..

جلس.

صب لي كأسًا مترعة، يغطي الندى جوانبها، رددت في سري قول الشاعر حين وصف صفاء الخمر والكأس “صفت وصفت زجاجتها فأضحت … كمعنى دقّ في ذهن لطيف…”

ضحك:

—بالظبط كده زي ما بيقول الشاعر ابن المعتز

تعجبت من تلك القدرات الخارقة في هذا العالم البهي..

— هنا الناس عندها قدرات غريبة

— طبعا الفول عندكوا طمس قدراتكوا دية، ما تستعجلش، أيام وتبقى زينا…اسأل ياسيدي.

يوسف إدريس في مواجهة العالم: من مظاهرات الطلبة إلى المعتقل

قلت:

— من أول خناقة؟!
ضحك.

— لا، من أول حياتي.

— يعني الطالب يوسف إدريس؟

— سنة1951

—مظاهرات الطلبة والنضال ضد الاستعمار وتنظيم حدتو اليساري وأول تجربة اعتقال..

-1954 وموجة اعتقالات الشيوعيين الأولى…

هز رأسه.
— إيه الفرق بين المعتقل في الحقبتين

— فرق كبير طبعا سجن الأجانب غير سجن القلعة والواحات!!

1954.. دخل يوسف إدريس السجن وخرجت «أرخص ليالي»

— لكن دخلت المعتقل وخرجت منه، وبعدها ظهرت «أرخص ليالي».

— عرفني جمال عبد الناصر وصارت صداقة ومحبة..

— حبيت عبد الناصر؟

— طبعا، عبد الناصر كان مننا حقق إللي كنا بنحلم بيه على المستوى الاجتماعي، لكن ماكنتش راضي عن الاستبداد السياسي وكل ما يؤذي الإنسان

— لكنك خرجت من خناقة السياسة ودخلت خناقة الأدب.

— الأدب كان خناقة أكبر، لكنه كان والسياسة حاجة واحدة..

—بمعنى؟

— يعني الأدب كان بيتيح للسياسي فرصة إنه يقول كل إللي عاوز يقوله، وبيضمن ليه شريحة قراء متجددة بتجدد الزمن يعني الخلود والبقاء على مر العصور، بخلاف المقال السياسي المباشر..

—بس مش كل السياسيين عندهم قدرات يوسف إدريس الأدبية والفنية…

—أكيد..

يوسف إدريس وطه حسين.. تصادم العامية بعميد الأدب العربي

— لكنك يا دكتور لم تكن تريد أن تكتب كما يكتب الآخرون.

— أنا كنت عايز أكتب عن الناس.

— باللغة التي يتكلمون بها.

— وبالحياة التي يعيشونها.

— ولهذا اصطدمت بالمؤسسة الأدبية.

— كل واحد كان عايز يحط الأدب في علبة شيك مغلفة.

— وانت؟
— كنت عايز أكسر العلبة.

—لكن رئيس المؤسسة الأدبية وقتها إن صح التعبير د. طه حسين قرأ “أرخص ليالٍ” وأعجب بها، وكتب لك مقدمة عملك الثاني”جمهورية فرحات”..

— اسمها “أرخص ليالي” يا محمد، كنت متعمد إني أكسر القاعدة النحوية والإملائية الفصيحة

— ومع ذلك أعجب بك عميد الأدب بل وكتب لك مقدمة عملك الثاني…

—ونقد كتابتي الحوار بالعامية، ورجاني العدول عن ذلك، لكن طه حسين كان إنسان على قدر كبير من الرقة والمحبة والسماحة…

وفجأة سمعنا طرقًا على الباب، دخل رجل طويل.

كان توفيق الحكيم.

نظر إليّ.

— بدأت تشتكي مني؟

قال إدريس:

— أنا لسه ما بدأتش.

— أنا عايز أقول لك حاجة يا يوسف.

— قول.

— إنت ظلمتني ونقدت كتابي “عودة الوعي” بكل شراسة.

قفز إدريس من مكانه.

تراجع الحكيم خطوة.

— اهدأ.

— عاوزني اهدا إزاي؟

يعني كنت عايش بتمجد في الراجل واستنيت لما مات وفي سنة 1974 ولما عرفت اتجاهات السادات كتبت إننا كنا في غيبوبة من 1952ومفقناش إلا سنة 1970، يا راجل دية ندالة مش نقد…

— يا يوسف أنا كنت بنتقد مداهنة المثقفين ونفاقهم…

— يبقى انت كده كنت بدين نفسك لأنك كنت أول المسبحين…
— ….
— أنا فلاح يا توفيق مش زيك أرستقراطي…وعند الفلاحين عيب تكون عايش بوشين…

هنا يظهر الزعيم ناصر بكامل رونقه وقوته 

—يا جماعة خلاص إللي حصل حصل، سيبوكوا بقى من إللي كتب واللي ماكتبش، إللي بيحصل دلوقتي لا يرضى عنه إدريس ولا حتى الحكيم…كل حاجة ضاعت، واللي عشنا علشانهم وموتنا بقوا أيتام دلوقتي…

يسارع توفيق الحكيم

— صح ياريس كلامك كله صح ، الله يكون في عون إللي عايشين هناك…

ينظر الزعيم إليّ:

— شكلك مش من هنا..

قلت وأنا لا أصدق ما يدور

— لا، ياريس أنا من هناك، كلنا أيتام بعدك

باعوا كل حاجة المصانع والشركات وكل اللي عملته

الفلاح خدوا منه أرضه والعامل نزعوا منه مصنعه

والطبقة المتوسطة إللي وقفت جنبها طول حياتك انتهت

مصر بقت بلدين وشعبين وحياتين ناس مش لاقيه تاكل وناس بتصرف مليون جنيه في أسبوع المصيف

قال وقد عادت ملامحه الحزينة كما كان في آخر حياته

— عارف كل حاجة يا محمد…يختفي الزعيم والحكيم…

شارك المقال:

شاركنا برأيك