عزت إبراهيم يقرأ كتات : لوبي إسرائيل (2-2)
نتنياهو وترامب عن العلاقة بين أمريكا وإسرائيل
قدمت قضية ستيفن روزن بعد أكثر من عقد نافذة ثانية
كان روزن أحد أبرز مسؤولي السياسة الخارجية في AIPAC قبل أن يتورط مع موظف آخر في قضية تتعلق بمعلومات دفاعية مصنفة ونقلها إلى مسؤولين إسرائيليين.
فصلته المنظمة، رغم أنها كانت قد منحته قبل ذلك بفترة قصيرة مكافأة قدرها سبعة آلاف دولار.
رفع دعوى تشهير طالب فيها بـ21 مليون دولار وقال إن الأساليب التي تعرض للملاحقة بسببها لم تكن خروجا على سياسة المنظمة، وإنما جزءا من العمل الذي أداه طوال 23 عاما.
أسقطت الحكومة لاحقا القضية الجنائية، ولم تصل المعركة المدنية إلى محاكمة كاملة.
تكمن أهمية القضية في أن النزاع الداخلي كشف تصور الموظفين أنفسهم لطبيعة العمل وحدود ما يعد سلوكا استثنائيا أو عاديا داخله.
عزت إبراهيم يقرأ كتاب: لوبي إسرائيل (1) لوبي لا يشبه غيره
وتتراكم شهادات السياسيين والموظفين السابقين.
قال النائب الديمقراطي جيم موران إن AIPAC لا تسامح من يتحداها وإنها قادرة على تدميره سياسيا.
وبعد 39 عاما في مجلس الشيوخ، انتظر فريتز هولينجز حتى أعلن تقاعده عام 2004 ليقول إن واشنطن لا تستطيع عمليا أن تمتلك سياسة تجاه إسرائيل تختلف كثيرا عما تقبله AIPAC.
وعندما حاول الرئيس جيرالد فورد وهنري كيسنجر عام 1975 إجراء «إعادة تقييم» للسياسة تجاه إسرائيل، وقع 76 عضوا من أصل مئة في مجلس الشيوخ رسالة مؤيدة لإسرائيل قبل عقد جلسات استماع كاملة أو الاستماع بصورة تفصيلية إلى الإدارة.
ونقل السيناتور تشارلز ماثياس لاحقا عن أحد زملائه قوله إن الضغط كان شديدا إلى درجة أنه استسلم، وعن آخر أن توقيع رسالة واحدة أسهل من الرد على خمسة آلاف رسالة من الناخبين والناشطين.
حتى عندما عجز الكونجرس عن التوافق على ملفات داخلية أساسية، بدا ملف إسرائيل أحيانا خاضعا لقواعد مختلفة.
يستشهد الكتاب بمايك لوفرين، الذي عمل 28 عاما موظفا كبيرا في الكونجرس، وهو يتذكر عام 2014 حين كانت المؤسسة التشريعية تعاني شللا واسعا، ثم تحرك مجلس الشيوخ بسرعة لإضافة 225 مليون دولار إلى برنامج القبة الحديدية.
اعترض السيناتور الجمهوري توم كوبيرن لأن الإنفاق لم يقابله خفض في بند آخر، ثم جرى تجاوز اعتراضه وأقر المجلس التمويل بالإجماع.
ومع ذلك لا يقوم التفسير كله على المال أو الخوف الانتخابي.
توجد ثلاث حجج بديلة تفسر العلاقة الخاصة: القيمة الاستراتيجية لإسرائيل، التقارب الثقافي والقيمي بين المجتمعين، وتأثير تفضيلات الرئيس ومستشاريه في صياغة السياسة الخارجية.
وتستحق الحجة الاستراتيجية اهتماما خاصا.
ففي 1990 نشر عالم السياسة أ. إف. ك. أورجانسكي كتابا وصف فيه العلاقة بأنها «صفقة الـ36 مليار دولار»، ورأى أن حجم الدعم يعكس القيمة التي تقدمها إسرائيل للولايات المتحدة في مواجهة النفوذ السوفيتي في الشرق الأوسط، وأن دور جماعات الضغط ثانوي.
وضع أورجانسكي، ضمنا، اختبارا واضحا لنظريته: إذا اختفى الاتحاد السوفيتي، يجب أن تنخفض الحاجة الاستراتيجية إلى إسرائيل وينخفض معها الدعم.
انهار الاتحاد السوفيتي بعد ذلك مباشرة، ولم تنخفض المساعدات بالطريقة التي تتطلبها الفرضية.
ظلت المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل بين 1991 و1998 عند مستوى يزيد على ثلاثة مليارات دولار سنويا في كل عام تقريبا، وتجاوزت أربعة مليارات في عام واحد. مثل ذلك تجربة طبيعية مهمة:
اختفى أحد أهم التفسيرات الاستراتيجية التي استخدمت لتبرير الدعم، وبقي نمط المساعدات مستقرا إلى حد بعيد.
لا يعني ذلك أن إسرائيل لا تقدم قيمة استراتيجية للولايات المتحدة.
فهناك تعاون استخباري، واختبار لأنظمة السلاح، ومشتريات دفاعية، وعمليات تتقاطع فيها المصالح.
الاعتراض أن هذه الفوائد وحدها لا تكفي لتفسير درجة الدعم واستمراره وصعوبة فرض شروط عليه.
وينطبق الأمر نفسه على حجة القيم المشتركة، فوجود تقارب ثقافي يمكن أن يخلق بيئة مواتية لإسرائيل، لكنه لا يفسر وحده كيف تتحول هذه البيئة إلى 938 إجراء تشريعيا، أو إلى ملايين الدولارات في انتخابات تمهيدية، أو إلى خوف معلن لدى سياسيين من كلفة الخروج عن الخط.
يتوسع النقاش في قسمه الأخير خارج الكونجرس إلى البيئة التي تنتج السياسة نفسها.
تظهر مراكز الأبحاث، وخصوصا Washington Institute for Near East Policy، باعتبارها جزءا من هذه البنية.
تحول المعهد إلى محطة مهمة في حركة المسؤولين بين مراكز الأبحاث والحكومة والإعلام
بدأ مارتن إنديك مسيرته في واشنطن مرتبطا بـAIPAC، ثم أصبح المدير التنفيذي المؤسس لـWINEP، وبعد ذلك سفيرا أمريكيا في إسرائيل ومسؤولا كبيرا في إدارتي كلينتون وأوباما، ثم شغل مناصب بارزة في Brookings.
وعمل دينيس روس في إدارات ريجان وبوش الأب وكلينتون وأوباما قبل أن يصبح واحدا من أشهر المعلقين على الشرق الأوسط، بينما عمل آرون ديفيد ميلر على الملف مع ستة وزراء خارجية قبل أن ينتقد لاحقا سياسة «لا مفاجآت» التي كان على الدبلوماسيين بمقتضاها إبلاغ إسرائيل مسبقا بالمبادرات المهمة.
في هذا الموقف، يظهر الإنجاز الأعمق للوبي:
لم يعد المطلوب فقط التأثير في قرار بعد طرحه، وإنما تحديد الحدود التي يتحرك القرار داخلها قبل أن يبدأ النقاش
كم يمكن أن تتلقى إسرائيل من المساعدات؟ هل يجوز ربطها بشروط؟
هل يمكن مناقشة الترسانة النووية الإسرائيلية علنا؟ هل المقاطعة أداة احتجاج سياسية مشروعة إذا وجهت إلى إسرائيل؟ هل يمكن وصف بعض سياساتها بأنها فصل عنصري؟
ما مقدار العنف الإسرائيلي الذي يستطيع سياسي أمريكي انتقاده من دون أن تتحول القضية إلى مخاطرة انتخابية؟
هذه هي الحدود التي تفصل الرأي المقبول عن الرأي الذي تصبح كلفته مرتفعة، وجزء مهم من قوة اللوبي يكمن في حراسة هذه الحدود.
ولا يعني هذا أن النفوذ مطلق.
سجل اللوبي هزائم كبيرة في صفقة AWACS مع السعودية عام 1981، ومواجهة جورج بوش الأب بشأن ضمانات القروض والمستوطنات في 1991 و1992، والاتفاق النووي الإيراني عام 2015.
غير أن ندرة هذه الحالات أكثر دلالة من وجودها، خصوصا أن كل واحدة تطلبت إنفاقا سياسيا كبيرا من الرئيس الذي خاض المواجهة.
ويجب التوقف عند قيد أساسي في هذه الحجة.
لا تعمل المؤسسات الأمريكية المؤيدة لإسرائيل كجهاز واحد يخضع لقيادة مركزية من الحكومة الإسرائيلية.
تتحرك بدرجات متفاوتة من الاستقلال، ويعمل ناشطوها وممولوها وفق معتقداتهم وهوياتهم ومصالحهم.
تصل الإشارات بشأن الأولويات، ثم تستخدم المؤسسات أدوات أمريكية خالصة:
المال، الانتخابات، حرية التنظيم، مراكز البحوث، الإعلام والضغط التشريعي.
وهذا يجعل الحجة أكثر تعقيدا من فكرة «السيطرة» المباشرة.
لا تحتاج شبكة النفوذ إلى غرفة عمليات موحدة لكي تنتج نتائج متشابهة، يكفي أن تملك موارد واسعة، وأن تركز على قضية محددة أكثر بكثير مما يركز عليها معظم الناخبين، وأن تستطيع مكافأة الحلفاء ومعاقبة الخصوم، وأن تعمل في نظام سياسي أصبحت فيه تكلفة الحملات مرتفعة وقد يكون انتصار المرشح في الانتخابات التمهيدية أهم من المنافسة العامة نفسها.
لهذا تتحدث الأرقام بقوة أكبر من اللغة الأيديولوجية:
ثماني خطابات إسرائيلية أمام جلسات مشتركة للكونجرس من أصل 79 لقادة أجانب، أربع منها لنتنياهو وحده؛ 74 جولة تصفيق في خطاب واحد.
938 إجراء تشريعيا مؤيدا لإسرائيل خلال أربعين عاما؛ مئة سيناتور على رسالة واحدة، 412 مقابل 9 في تصويت؛ 366 مقابل 58 في حزمة مساعدات تبلغ 14.3 مليار دولار.
نحو 45 مليون دولار من الجهات المرتبطة بـAIPAC في انتخابات الكونجرس عام 2024.
1.8 مليون دولار في حملة ضد سيناتور واحد قبل أربعة عقود، واستمرار مساعدات عسكرية تتجاوز ثلاثة مليارات دولار سنويا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي الذي كان يفترض أنه أحد المبررات المركزية للعلاقة الاستراتيجية.
لا تثبت واقعة واحدة من هذه الوقائع أن لوبي إسرائيل يحدد السياسة الأمريكية.
قوة الحجة تأتي من اجتماعها. فعندما توضع التصويتات إلى جانب الأموال، وشهادات المسؤولين إلى جانب نتائج الانتخابات، واستمرار المساعدات إلى جانب تضاؤل بعض مبرراتها الاستراتيجية، وتدوير الخبراء بين جماعات الضغط ومراكز البحوث والإدارات المتعاقبة، يظهر نمط يصعب تفسيره فقط بعبارات التحالف الطبيعي أو القيم المشتركة.
يعود النقاش في النهاية إلى تحذير جورج واشنطن.
لم يكن الرئيس الأول يتخيل AIPAC أو إسرائيل أو نظام الـSuper PACs، لكنه فهم إحدى نقاط الضعف البنيوية في السياسة الخارجية للديمقراطية الأمريكية:
تستطيع جماعة صغيرة نسبيا وشديدة التنظيم أن تمتلك تأثيرا يتجاوز وزنها العددي إذا كانت القضية التي تركز عليها لا تحرك معظم الناخبين بالقدر نفسه.
وعندما تصبح كلفة مقاومة هذه الجماعة أعلى من المكافأة التي يحصل عليها السياسي من ناخبيه مقابل مقاومتها، يتغير السلوك قبل أن يبدأ التصويت.
من هذه النقطة كان جوهر القوة:
لا يحتاج اللوبي إلى إقناع كل الأمريكيين بإسرائيل، ولا إلى الانتصار في كل مواجهة. يكفي أن يجعل دعم إسرائيل هو الوضع الطبيعي في واشنطن، وأن يجعل الخروج عن هذا الوضع هو القرار الذي يحتاج إلى تفسير وتمويل واستعداد لتحمل العواقب.
شاركنا برأيك