مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

الخبير الإعلامي المصري

جريمة إعدام ذاكرة الأمة:كيف أُطفئت شمس القوة الناعمة بأيدينا؟ ماسبيرو (1-2)

لم تكتفِ يد العبث بإحراق الوسائط والأشرطة، بل امتدت لتذبح "الإنسان" داخل ماسبيرو.

مشاركة:
حجم الخط:

أنا ابن هذا الجبل الذهبي الذي كان يوماً يُرعب العروش بصوته، ويصيغ وجدان أمة من الخليج إلى المحيط.

أكتب لا بمداد الحبر، بل بنار تشتعل في صدري وحسرة تخنق الحلقوم، وأنا أرى الكنز الاستراتيجي لماسبيرو يتآكل، يُسرق، ويُدهس تحت أقدام البيروقراطية والجهل المتعمد!

كيف تحول هذا التاج المرصع بنور الفكر والثقافة إلى “مقبرة رطبة” تُعدم فيها ذاكرة الوطن؟

كيف تحول المبنى الذي أدار عقول الملايين إلى صنم خرساني أخرس، يُتفرج فيه على ذبح تاريخه قطعة قطعة؟

إن ما جرى لم يكن مجرد إهمال إداري أو تعثر مالي، بل كان “إعداماً مع سبق الإصرار والترصد” لأعظم ثروة قومية سمعية وبصرية عرفها الشرق الأوسط، وتجريداً كاملاً لمصر من سلاحها الثقافي الأتاك!

د.محمد فؤاد يكتب: صناعة النخبة (1-2)

أولاً: إعدام بالبطء الشديد.. ملايين الساعات تُلتهم في “مسالخ المخازن”

حين تتحدث عن أرشيف ماسبيرو، فأنت لا تتحدث عن ورق قديم أو كراكيب مخزنة، بل عن مليون إلى مليون وأربعمائة ألف شريط تحمل أنفاس أم كلثوم، وعبقرية عبد الوهاب.

وخطب الناصر والسادات، وتلاوات رفعت والحصري، وعرق أسامه أنور عكاشة ويحيى العلمي.

لكن أين تسكن هذه الثروة التي لا تُقدّر بمال؟

إنها ملقاة في بدرومات عفنة، تحت رحمة رطوبة تنهك الأجساد، ودرجات حرارة قاتلة، وغياب تام لأبسط نظم الحماية.

لقد تركنا الأشرطة المغناطيسية تفرز حمضها القاتل في الصمت، فيما يُعرف بـ “متلازمة الخل”.

كيمياء لئيمة تأكل المادة التسجيلية وتحول التاريخ إلى هباء جوي! كل شريط يضيع اليوم هو جزء يُبتطَع من عقل مصر الحضاري، بينما المسؤولون يقفون على الأبواب يتبادلون التعازي الكاذبة والخطابات الباردة.

ثانياً: خطيئة “المسح الإداري” عندما اغتيل التراث بجرّة قلم!

 وتحت شعار “توفير ميزانية الأشرطة”، صدرت أوامر إدارية شيطانية بإعادة التسجيل على أشرطة ماسبيرو القديمة.

بدم بارد، ومسحوا مسرحيات نادرة، وحوارات فكرية لطه حسين والعقاد، ودراما تؤرخ للروح المصرية، ليُسجلوا بدلاً منها مباريات كرة قدم أو برامج روتينية فارغة!

أي جنون هذا؟ وأي استهانة بتاريخ وطن؟

لقد مُحيت أعمال فنية كاملة من الوجود فقط لأن موظفاً إدارياً قاصر النظر أراد توفير بضعة جنيهاًت  من شراء شريط فيديو جديد! إنها خطيئة لا تغتفر، وجريمة قومية مكتملة الأركان جرت تفاصيلها في ظلام الممرات المغلقة.

ثالثاً: تجريف العقول واغتيال المبدعين تهجير الكوادر ليبقى الفراغ

لم تكتفِ يد العبث بإحراق الوسائط والأشرطة، بل امتدت لتذبح “الإنسان” داخل ماسبيرو.

هذا المبنى الذي كان مصنعاً للرجال، وأكاديمية تخرج منها كبار المخرجين والمصورين وفنيي الصوت والإعلاميين، تم تفريغه تماماً من طاقته الإبداعية:

 تهجير كاسح: حوربت العقول الشابة والخبرات القادرة على التطوير، وأُهينت الكفاءات، ففروا بجلودهم إلى الشاشات العربية والفضائيات الخاصة التي التقطتهم وقبلت أياديهم واستثمرت في عقولهم.

تحويل الفنان إلى موظف:

 تم قتل روح الابتكار؛ أُجبر المبدع على أن يتحول إلى موظف يسجل حضوراً وغياباً ينتظر مرتبه في نهاية الشهر، وتوقفت عجلة الإنتاج الدرامي والبرامجي الضخم ليتسيد المشهد الجمود والسطحية.

دفن أسرار الصنعة:

 تُرك مهندسو الصوت وعمال الأرشيف القدامى يرحلون واحداً تلو الآخر دون نقل خبراتهم وأسرار الأشرطة للجيل الجديد، ليموت معهم جزء آخر من الأرشيف.

رابعاً: التسريب والبيع بالبخس.. ذاكرة مصر على رفوف الغرباء!

هل هناك ما هو أشد حرقة من أن تكتشف أن ثروتك يُباع حق استغلالها بـ “تراب الفلوس”؟

تحت وطأة أزمات الديون والتخبط الإداري، وقعت قيادات سابقة عقود استغلال واحتكار مجحفة ومشبوهة بالأمر المباشر لصالح فضائيات ومنصات خاصة.

أعطوا الغرباء الحق الحصري لعرض مسرحياتنا ودرامتنا وحفلاتنا النادرة، بينما الشاشة الوطنية التي صنعت هذا التراث تُحرم منه، والمواطن المصري يُمنع من مشاهدة تاريخه إلا عبر اشتراكات مدفوعة لجهات خارجية

ناهيك عن شبكات القرصنة التي سربت الأشرطة الأصلية للخارج لتباع لجامعي التراث، حتى أصبح أرشيف مصر المبتور موزعا على خزائن الخليج والغرب، بينما يئن مبنانا الأصلي من الفقر والندم.

خامساً: تجميد الشاشات وتكليس الصرح

في الوقت الذي كان فيه العالم يتسابق نحو الذكاء الاصطناعي، واستوديوهات البث الرقمي، وأنظمة إدارة المحتوى الفائقة، كان ماسبيرو يُغرق عمداً في ديون خيالية وتضخم إداري عاجز.

توقف التحديث التقني، وتكهنت الأجهزة، وأصبحت الاستوديوهات تشبه أطلالاً أثرية، مما أدى لهروب المشاهد المصري والعربي، وانكسار هيبة الشاشة الوطنية أمام طوفان الفضائيات الحديثة.

 هل تشتعل الشمعة من وسط الرماد؟

من قلب هذه المحرقة، ومن بين رماد الإهمال الذي كاد يقضي على كل شيء، خرج القرار القومي الحاسم من أعلى سلطة في الدولة.

قرارٌ لم يكن مجرد خيار إداري، بل “عملية إنقاذ عاجلة” بالأسلحة الثقيلة لاستعادة الذاكرة الجريحة، وإعادة رقمنة وتأمين كل شريط متبقٍ بأحدث تقنيات العصر لحفظ هويتنا الوطنية.

 ولكن، هل النوايا الحسنة والقرارات السيادية وحدها تكفي لإنجاح معركة بهذا التعقيد؟

أم أن خطر الارتجالية وغياب المعايير الهندسية والدراسات المالية الدقيقة يهدد بتحويل عملية الإنقاذ نفسها إلى نزيف مالي مستمر وتدمير نهائي لما تبقى من أصول؟

كيف ستبدأ معركة البعث الرقمي الحقيقية؟ وما هي التعقيدات الفنية والميزانيات التقديرية المخفية التي تحكم هذا الملف وتضع المشروع بين النجاح أو الهاوية؟

هذا ما سنكشفه بالتفصيل في الجزء الثاني من المقال بعنوان:

(رقمنة الأرشيف التليفزيوني: حين تصبح الارتجالية نزيفاً مالياً وتهديداً لـ “ذاكرة الأمة”!)

شارك المقال: