د.محمد فؤاد يكتب: صناعة النخبة (1-2)
قد أصبح بإمكان أي شخص، مهما كان رصيده من القراءة صفراً، أن يقفز فجأة إلى صدارة المشهد، لا لأنه أضاف شيئاً، بل لأنه أتقن فن الهدم.

صورة تعبيرية للمقال
كيف تتحول من هامشي إلى “مفكر مدني” في موسم واحد!؟
في هذا العصر الذي اختلطت فيه المعايير حتى صار الضجيج يُحسب فكراً، والوقاحة تُسوّق على أنها شجاعة، لم تعد النخبة تُولد من رحم المعرفة ولا تتشكل عبر معاناة السؤال والبحث، بل تُصنّع على عجل داخل غرف البث المباشر، وتُعبأ في قوالب جاهزة تحمل لافتة “مدني” أو “علماني”.
لقد أصبح بإمكان أي شخص، مهما كان رصيده من القراءة صفراً، أن يقفز فجأة إلى صدارة المشهد، لا لأنه أضاف شيئاً، بل لأنه أتقن فن الهدم.
في زمنٍ لم يعد يسأل: ماذا تقول؟
بل: كم تثير من جدل؟
أولاً: القاعدة المؤسسة – «هاجم تُصنّف.. واصدم تُموّل»
المدني الزائف في نسخته العربية لا يبدأ مشروعه من فكرة، بل من خصومة، فهو لا يعرف نفسه إلا عبر معاداة غيره، ولا يبني حضوره إلا من خلال مهاجمة الدين أو التراث أو الهوية، باعتبارها أهدافاً مضمونة التفاعل.
في مصر والعالم العربي، تحولت هذه القاعدة إلى وصفة محفوظة: انتقِ قضية حساسة، قدّمها بسطحية، واطعن فيها بثقة مطلقة، وستجد نفسك فجأة ضيفاً دائماً على الشاشات.
هنا نجد مدرسة “الأطباء الهواة” في الفكر؛ فبدلاً من تشخيص أمراض المجتمع الحقيقية، يقرر أحدهم – مثل خ. م – ( خالد منتصر ) أن يترك سماعة الطب ليمارس “الكي” الفكري لكل ما هو موروث، واصفاً كل من خالفه بـ “الدروشة”وكأن التنوير ماركة مسجلة باسمه وحده.
أو نجد نموذج “الباحث عن المتاعب” كـ إ. ب ( اسلام بحيري ) الذي جعل من “البخاري” غريماً شخصياً، يحاكمه بمعايير “التوك شو” ليقنعنا أن “تجديد الخطاب” يعني ببساطة أن نلقي بكل الكتب في سلة المهملات ونكتفي بآرائه “المنعشة” تحت أضواء الأستوديو.
في زمنٍ لم يعد يسأل: ماذا تقول؟ بل: كم تثير من جدل؟
صراع أمريكا وإيران للسيطرة على مضيق هرمز.. إلى أين يقود المنطقة والعالم؟
مصطفى السعيد يكتب: قضية الدكتور العوضي المريبة
د. أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب (1) أحمد الطيب
ثانياً: عقدة “الأسطورة” وصناعة البريق الزائف
لا يكتمل مشهد النخبة المصنوعة دون نموذج “النساخ الهواة” الذين يبرعون في كتابة تاريخ موازٍ من خيالهم الخاص، ليس بهدف كشف الحقيقة، بل لخدمة “أجندة الصدمة”.
وهنا يتصدر المشهد اسمان نجحا في تحويل الفكر إلى “استعراض” جماهيري:
1. سيد القمني: “بروفيسور” الأساطير المصنوعة
يُعد القمني الأب الروحي لنموذج “الخيال التاريخي” الذي تم تسويقه كبحث أكاديمي رصين.
لقد استطاع بناء بريقه عبر استراتيجية “النسخ والانتقاء”، حيث ضرب بصحيح الدين عرض الحائط، محاولاً إثبات أن العقائد ما هي إلا “تراكم أساطير”
هذا البريق لم يأتِ من قوة الحجة، بل من جرأة الطرح التي جعلت منه “شهيداً للفكر” في نظر مريديه، بينما الحقيقة أنه كان “تاجر صدمات” بامتياز،عرف كيف يبيع الوهم التاريخي لجمهور متعطش للتمرد على الثوابت، فصنع لنفسه هالة “المفكر الممنوع” ليغطي بها على هشاشة المنهج.
2. إبراهيم عيسى: الحكواتي الذي يرتدي ثوب التنوير
أما إبراهيم عيسى، فقد أخذ البريق الزائف إلى منطقة “التشخيص الدرامي”. هو لا يقرأ التاريخ ليفهمه، بل “ليمثله” أمام الكاميرات.
تمكن من ركوب موجة “تجديد الخطاب” عبر تحويل المنبر الإعلامي إلى ساحة لمحاكمة الصحابة والتابعين بلغة الحكواتي الذي يعرف متى يرفع صوته ومتى يصمت ليخلق “أثراً درامياً”
بريقه الزائف مستمد من قدرته الفائقة على خلط “السمين بالغث”، وإيهام المشاهد بأنه يمتلك مفاتيح “الحقيقة المخفية”، ليتحول في النهاية إلى “نجم شباك” يهاجم العقيدة بأسلوب “التوك شو”، محولاً أزمات الأمة الفكرية إلى مجرد “فقرة مثيرة” تضمن له البقاء في دائرة الضوء.
يداعب غرائز الإثارة لدى المشاهد، كما فعل في تشكيكه الشهير في رحلة الإسراء والمعراج ووصفها بأنها “قصة وهمية” ضارباً بعرض الحائط مشاعر الملايين من أجل “تريند” عابر.
لكن “البريق” هنا ليس فكرياً فحسب، بل هو غطاء لمواقف سياسية ووطنية يندى لها الجبين؛ فالحكواتي الذي يتباكي على “العقل”، هو نفسه الذي يهاجم المقاومة في غزة وهي تحت القصف، معتبراً تضحياتها “قسمة ضيزى” ومنتقصاً من حق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن وجوده أمام آلة القتل الصهيونية.
والأنكى من ذلك، هو تلك القدرة “التمثيلية” الفائقة التي دفعته لدعوة المصريين إلى نسيان مجزرة مدرسة بحر البقر، متسائلاً ببرود: “ليه ما ننساش؟”
وكأن دماء الأطفال المصريين مجرد تفصيلة تاريخية مزعجة تعيق رؤيته “التنويرية” المشوهة.
لم يتوقف “الحكواتي” عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل الحياة اليومية، فهاجم الصيدلي الذي يقرأ القرآن في صيدليته، معتبراً ذلك “تطرفاً” أو “تخلفاً”، وكأن قراءة القرآن تمنع من إتقان العلم، في مفارقة مضحكة لمن يدعي الدفاع عن الحريات الشخصية.
ثانياً: القاموس المستورد – كلمات ضخمة بلا جذور
لا يمكن لأي “نخبوي مدني” أن ينجح دون امتلاك ترسانة لغوية تبدو ثقيلة الوزن، حتى لو كانت خاوية المعنى.
مصطلحات مثل: “تفكيك البنية الذهنية”، “أنسنة النص”، “العقل الجمعي التقليدي”، “الخطاب الأصولي”، تتحول إلى مفاتيح سحرية تُستخدم في كل سياق دون تعريف دقيق.
والمفارقة أن كثيراً من هؤلاء لا يقرأون النصوص التي استوردوا منها هذه المصطلحات، بل يكتفون بإعادة تدويرها في بيئة مختلفة تماماً، فيتحول الخطاب إلى خليط غريب لا هو غربي أصيل ولا هو عربي متجذر، بل نسخة مشوهة تُشبه كل شيء ولا تنتمي إلى شيء.
ولا يكتمل الحديث عن مدارس الهدم المعرفي دون التوقف عند نموذج “النساخ المهندس” محمد شحرور، الذي استبدل قواعد البحث والتحليل التاريخي بمعايير الهندسة المدنية.
لقد حاول شحرور إعادة رسم خارطة الدين بأكملها عبر ما أسماه “القراءة المعاصرة” زاعماً قدرته على “تفكيك البنية الذهنية” للموروث الديني دون أن يملك الأدوات اللغوية أو التاريخية اللازمة لذلك، مكتفياً بإسقاط مفاهيم “ترجمة جوجل” على النصوص المقدسة.
بريقه الزائف لم يأتِ من عمق طرحه، بل من غرابة تفسيراته التي تعارضت مع أبسط قواعد اللغة والإجماع التاريخي، محولاً الدين إلى مجموعة من المعادلات الرياضية والرموز الغامضة.
لقد كان شحرور تجسيداً لـ”التبعية الفكرية المزينة”، حيث قدم تفسيرات تتوافق مع “السياق الغربي” محاولاً فرضها على الواقع العربي، ولو أدى ذلك إلى “تزوير التاريخ الاجتماعي” والديني، من أجل حصد الانتباه والاعتراف السريع.
في النهاية، يبقى شحرور مثالاً على “النخبة المصنوعة” التي حاولت بناء صرح من الرمال فوق أنقاض الموروث، ليزول بانتهاء موجة الجدل التي صنعتها






