علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
آراء و تحليلات
أحمد علام
أحمد علام

كاتب وسياسي

أحمد علام يكتب: لماذا إيران؟ (4) العراق

العرب لم يغزوا العراق عام 2003 بجنودهم، لكن النظام الأمني الإقليمي الذي تشكل بعد 1991 وفر للولايات المتحدة بنية عسكرية ولوجستية جعلت شن الحرب من داخل المنطقة ممكنًا.

مشاركة:
حجم الخط:

 كيف يمكن لقوة إقليمية قائمة أن تنهار، هنا نعود إلى نهاية الحرب العراقية–الإيرانية.

عام 1988 خرج البلدان منهكين من حرب دامت ثماني سنوات.

العراق خرج أيضًا بجيش ضخم، وخبرة قتالية واسعة، وصناعة عسكرية متنامية، وطموح سياسي يتجاوز حدوده.

في الوقت نفسه خرج مثقلًا بديون هائلة، خصوصًا لدول الخليج. وتشير السجلات الأمريكية إلى أن ديونه لدائنيه الخليجيين بلغت نحو 37 مليار دولار عشية أزمة الكويت.

ثم اتخذ صدام حسين القرار الذي سيغير مصير العراق والمنطقة: غزو الكويت

غزو الكويت: الخطأ الذي فتح الباب

في 2 أغسطس 1990 اجتاحت القوات العراقية الكويت.

ينبغي ألا نلتف حول هذه الحقيقة.

كان غزو دولة عربية مستقلة وضمها بالقوة عملًا عدوانيًا، ورفضه المجتمع الدولي وطالب العراق بالانسحاب.
لكن الاعتراف بخطأ الغزو لا يعني أن نتوقف عن تحليل ما ترتب عليه.

بل ربما كانت مأساة القرار العراقي أنه منح الولايات المتحدة فرصة استراتيجية لم تكن متاحة لها قبل ذلك. وهذا هو عين استثمار الحدث.

خلال شهور قليلة استطاعت واشنطن أن تجمع تحالفًا دوليًا وعربيًا هائلًا، وأن تنشر قوات عسكرية ضخمة في الخليج، وأن تقيم وجودًا عسكريًا أمريكيًا غير مسبوق في المنطقة.

الأهم:
أن دولًا عربية شاركت في هذه العملية نفسها.

عندما حاربت جيوش عربية الجيش العراقي

شاركت مصر وسوريا والسعودية ودول عربية أخرى في التحالف الذي قادته الولايات المتحدة.

تصف وزارة الخارجية الأمريكية التحالف صراحة بأنه ضم السعودية وسوريا ومصر إلى جانب الحلفاء الغربيين، بينما بلغ عدد دول التحالف أربعة وثلاثين دولة.

لكن ما هي أهم نتيجة استراتيجية لهذا التحالف: تحطيم جزء كبير من القدرة العسكرية العراقية.

فبعد السيطرة على الأجواء، استهدفت الغارات منشآت القيادة والسيطرة، ومحطات الكهرباء، ومقار حزب البعث، والمنشآت الأمنية والاستخباراتية، والسدود الكهرومائية، ومصافي النفط، والمجمعات الصناعية العسكرية، ومنشآت الصواريخ، إلى جانب القوات العراقية.

إذن لم تعد النتيجة مجرد: خروج العراق من الكويت.

أصبحت أيضًا:خروج العراق من الحرب أضعف بكثير مما دخلها.

لكن الحرب لم تنته في فبراير 1991

انتهت العمليات العسكرية الكبرى، لكن العراق دخل مرحلة أخرى

العقوبات.

التفتيش.

نزع أسلحة الدمار الشامل.

تقييد القدرات الصاروخية.

الحصار الاقتصادي.
والضغط المستمر.
وبقيت العقوبات مرتبطة بشروط وقف إطلاق النار وبرامج نزع الأسلحة والتفتيش الدولي.

ومع مرور السنوات تآكل الاقتصاد العراقي والبنية التحتية ومؤسسات الدولة والمجتمع.

يمكن مناقشة مسؤولية نظام صدام عن جانب كبير من الكارثة.

ويمكن مناقشة طريقة إدارة العقوبات وآثارها الإنسانية.

لكن النتيجة الاستراتيجية لا تحتاج إلى جدل: العراق الذي دخل التسعينيات باعتباره إحدى القوى العسكرية الكبرى في المنطقة لم يكن العراق نفسه عند نهاية العقد.

القوة العربية التي كانت توازن إيران

قبل 1991 كان هناك على الحدود الغربية لإيران عراق قوي، قاتلها ثماني سنوات وكاد في مراحل مختلفة يهدد بقاء النظام الإيراني نفسه.

بعد 1991 أصبح العراق دولة محاصرة ومقيدة عسكريًا.(نحفظ هذه الصورة جيدا بعناصرها المختلفة لان هذا ما نراه اليوم)

أي أن ميزان القوة الإيراني–العراقي بدأ يتغير قبل الغزو الأمريكي عام 2003 بسنوات.

لكن الضربة الأكبر لم تكن قد جاءت بعد.

2003 : المرة الثانية

في مارس/آذار 2003 غزت الولايات المتحدة وبريطانيا العراق من فوق الأراضي العربية فقط فقد رفضت تركيا وايران استخدام أراضيها في الغزو!!!.

عارضت حكومات عربية الحرب علنًا بدرجات متفاوتة، بينما كانت المعارضة الشعبية العربية واسعة.

لكن الحرب لم تقع بعيدًا عن النظام الإقليمي العربي.

فالقوات الأمريكية كانت موجودة أصلًا في الخليج، واستخدمت قواعد وموانئ ومطارات وتسهيلات إقليمية تراكمت منذ حرب 1991.

قدمت دول خليجية تسهيلات متفاوتة للعمليات الأمريكية؛ وتوضح تقارير أمريكية أن السعودية، رغم معارضتها المعلنة للحرب في مراحلها السابقة، أتاحت في النهاية استخدام مجالها الجوي وبعض القواعد ومركز العمليات الجوية.

هذا هو الفارق الذي ينبغي الحفاظ عليه:

العرب لم يغزوا العراق عام 2003 بجنودهم، لكن النظام الأمني الإقليمي الذي تشكل بعد 1991 وفر للولايات المتحدة بنية عسكرية ولوجستية جعلت شن الحرب من داخل المنطقة ممكنًا.

بغداد تسقط

دخلت القوات الأمريكية والبريطانية العراق في 20 مارس/آذار 2003، وفي 9 أبريل سقطت بغداد، ثم أنشأت الولايات المتحدة سلطة الائتلاف المؤقتة لإدارة البلاد.

لكن إسقاط صدام لم يكن نهاية القصة.

حدث شيء أكثر عمقًا:

تفككت مؤسسات القوة العراقية، حُل الجيش، وتفككت أجهزة أمنية ومؤسسات للدولة.

انفتح البلد على التمرد المسلح والإرهاب والصراع الطائفي والتدخلات الخارجية، وهكذا لم يسقط نظام سياسي فقط، سقط معه جانب كبير من بنية القوة التي كانت تجعل العراق لاعبًا إقليميًا مستقلًا.

هنا تقع المفارقة الكبرى

من كان العدو الإقليمي الأكبر لإيران طوال الثمانينيات؟

صدام حسين.

من أسقطه؟

الولايات المتحدة.

من كان يحكم أفغانستان قبل 2001 ويعادي إيران حتى كادت الدولتان تدخلان حربًا في أواخر التسعينيات؟

طالبان.

من أسقط حكم طالبان آنذاك؟ الولايات المتحدة.

خلال أقل من عامين أسقطت واشنطن نظامين كانا يمثلان خصمين خطيرين لطهران على حدودها الشرقية والغربية.

هنا حدثت النتيجة التي لم تكن واشنطن تسعى إليها: اتسع المجال الاستراتيجي الإيراني.

العراق الجديد: الباب الذي فُتح لإيران

بعد سقوط صدام دخلت قوى سياسية عراقية شيعية إلى قلب النظام الجديد.

بعض هذه القوى كان قد عاش في المنفى.

بعضها كانت له علاقات تاريخية عميقة مع إيران، كما ظهرت جماعات مسلحة مرتبطة بطهران بدرجات مختلفة.

هكذا أصبحت إيران قادرة على التأثير داخل العراق بطريقة لم تكن تحلم بها في زمن صدام حسين.

إنها مفارقة تكاد تلخص مشكلة إدارة القوة في المنطقة:

أمريكا انتصرت عسكريًا على العراق، لكن أحد أكبر المستفيدين استراتيجيًا من سقوط النظام العراقي كان خصمها الإيراني.

مرة أخرى: الدولة العظمى تستطيع إسقاط النظام.

لكنها لا تستطيع دائمًا التحكم في المجتمع الذي يظهر بعد سقوطه.

هل تريد أمريكا ألّا توجد قوة إقليمية؟

هنا نصل إلى السؤال الذي ينبغي طرحه بدقة شديدة.

من السهل أن نقول: أمريكا لا تريد دولة قوية في المنطقة، لكن التاريخ نفسه يعترض على هذه العبارة، فالولايات المتحدة أرادت إيران الشاه قوية.

وسلحتها.

اعتمدت عليها ركيزةً من ركائز أمن الخليج.

إذن واشنطن ليست ضد القوة الإقليمية في ذاتها.

هذا يقودنا إلى صياغة أدق:

المشكلة ليست أن توجد قوة إقليمية، وإنما أن تظهر قوة إقليمية كبيرة خارج النظام الذي تقوده الولايات المتحدة، وقادرة على تهديد مصالحه أو تغيير ميزانه.

هذا فارق جوهري.

إيران الشاه كانت قوة إقليمية كبيرة، لكنها كانت حليفًا أمريكيًا.

إيران ما بعد 1979 أرادت أن تكون قوة إقليمية كبيرة خارج التحالف الأمريكي.

هنا تغير تعريف القوة نفسها.

القوة الصديقة والقوة المعادية، هذه ليست خصوصية أمريكية بالضرورة.

كل قوة عظمى تفضل أن تكون القوى الإقليمية المؤثرة متوافقة مع مصالحها لا معادية لها.

لكن خصوصية الحالة الأمريكية بعد الحرب الباردة أنها أصبحت صاحبة القدرة العسكرية الخارجية الأكبر في المنطقة.

من هنا أصبحت مسألة «التوازن الإقليمي» مرتبطة أيضًا بشبكة قواعد وتحالفات وتسليح وعلاقات أمنية تقودها واشنطن.

هذا يجعل السؤال الحقيقي ليس: هل تسمح أمريكا بوجود قوة؟

بل:

أي قوة تسمح لها بالعمل داخل النظام، وأي قوة تعتبرها تهديدًا للنظام؟

العراق وإيران: طريقان مختلفان

هنا تصبح المقارنة مؤلمة.

العراق دخل الثمانينيات قوة عربية كبرى.

قاتل إيران ثماني سنوات.

خرج بجيش ضخم لكنه خرج بديون ضخمة أيضًا.

غزا الكويت.

دخل في حرب مع تحالف دولي وعربي.

دُمرت أجزاء واسعة من قدراته العسكرية والبنية التحتية.

حُوصر أكثر من عقد، ثم غُزي عام 2003، سقط النظام، حُل الجيش، تفككت الدولة.

ودخلت البلاد سنوات طويلة من العنف والصراع الداخلي والتدخل الخارجي.

أما إيران فقد تعرضت هي الأخرى لحرب طويلة وعقوبات وحصار وضغوط وعزلة.

لكن الدولة لم تسقط.

والجيش لم يُحل.

بنت طهران صناعات عسكرية محلية.

طورت الصواريخ والطائرات المسيّرة، وبنت شبكة حلفاء خارج حدودها.

أصبح لها نفوذ في لبنان والعراق وسوريا واليمن وفلسطين بدرجات وصور مختلفة.

لا يعني ذلك أن إيران «نجحت» وأن العراق «فشل» في مقارنة أخلاقية بسيطة.

لكنه يعني شيئًا أكثر تحديدًا:

في نهاية المسار بقيت إيران قوة إقليمية، بينما خرج العراق الذي كان يوازنها من معادلة القوة التي عرفتها المنطقة في الثمانينيات.

المفارقة التي صنعت الشرق الأوسط الجديد

لنضع المشهد كله أمامنا.

في لبنان ساهم الاحتلال الإسرائيلي في إنتاج البيئة التي صعد فيها حزب الله، الحليف الأقوى لإيران.

وفي أفغانستان أسقطت الولايات المتحدة عام 2001 نظامًا كان شديد العداء لطهران.

وفي العراق أسقطت الولايات المتحدة عام 2003 صدام حسين، العدو الذي قاتل إيران ثماني سنوات.

ثم أدى النظام العراقي الجديد إلى اتساع نفوذ القوى المرتبطة بإيران.

أي أن بعض أهم التحولات التي وسعت النفوذ الإيراني لم تصنعها إيران وحدها.

بعضها نتج أيضًا عن أفعال خصومها.

هذه ربما إحدى أهم قواعد السياسة التي تكشفها قصتنا:

ليس المهم فقط ما تقصده الدولة عندما تستخدم القوة؛ المهم أيضًا العالم الذي تتركه وراءها بعد استخدامها.

من بقي واقفًا؟

عند هذه النقطة يتغير سؤال المقال

لم يعد السؤال فقط:

لماذا لم تستطع الولايات المتحدة إسقاط إيران منذ 1979؟

بل:
كيف تحولت إيران المحاصرة إلى إحدى القوى الإقليمية الرئيسية بعد أن خرج منافسها العراقي من المعادلة، وبعد أن ظهر لها حليف مسلح قوي في لبنان، وبعد أن امتد نفوذها إلى العراق نفسه؟

هنا نصل إلى قلب المفارقة.

الولايات المتحدة لا تعارض القوة الإقليمية في ذاتها.

فهي التي دعمت قوة الشاه.

هي التي سلحت حلفاء إقليميين آخرين.

إذن السؤال ليس:

من القوي؟

بل:

إلى أي منظومة ينتمي القوي؟

هل تعمل القوة الإقليمية داخل النظام الأمني الذي تقوده الولايات المتحدة؟

أم تبني نظامًا مضادًا له؟

هنا فقط نستطيع أن نفهم لماذا أصبحت الصواريخ الإيرانية مشكلة.

لماذا أصبح البرنامج النووي مشكلة.

لماذا أصبح حزب الله مشكلة.

لماذا أصبحت العلاقات الإيرانية مع فلسطين والعراق واليمن مشكلة.

لماذا، بعد أكثر من أربعة عقود من الثورة، لم ينته الصراع.

لأننا انتقلنا من صراع على وجود الجمهورية الإسلامية إلى صراع على مقدار القوة التي تستطيع هذه الجمهورية امتلاكها خارج النظام الأمريكي.

وهذا يقودنا إلى الجزء الخامس.

فإذا كانت الولايات المتحدة قد قبلت إيران قوية عندما كان الشاه حليفها، ثم أصبحت ترى قوة إيران خطرًا بعد الثورة، فربما لا يكون السؤال الحقيقي:

هل يحق لإيران أن تكون قوية؟

بل:
من يملك في الشرق الأوسط حق تحديد مَن يكون قويًا، ومقدار قوته، والحد الذي لا يُسمح له بتجاوزه؟

وهناك تبدأ قصة البرنامج النووي، والعقوبات، وإسرائيل، ومحور المقاومة، وصولًا إلى حرب 2026.

وهذا هو موضوع الجزء الخامس.

شارك المقال:

شاركنا برأيك