د. محمد محفوظ يكتب: القانون والدولة البغيضة
كلما هوى القانون نحو مزالق القيود الحمقاء الرعناء المتفلتة المتحيزة، كلما انحدر بالناس لدرك العبيد والمطاريد.
لابد لأي دولة رشيدة أن تحترم القانون وتمارس المسؤولية بعيدا عن القهر والقمع
فرق كبير وفاحش ومرير .. بين أن تفرض الدولة سيادة القانون بمنطق ( السلطة الحاكمة ) أو تفرضه بمنطق (العصابة الحاكمة)
فالصواب لو رافقته الفظاظة والغلظة والبطش والقسوة والانتقائية والكيل بمكيالين ، ينفر منه الناس ، ويصبح هو والخطأ – أو الخطيئة – سواء بسواء .
والواقع أن تنفيذ القوانين وإن كان يجب أن ترافقه إرادة جادة حاسمة جازمة ، إلا أنها ينبعي أن تكون بالمثل إرادة حكيمة رشيدة متبصرة .
وللأسف ، تغيب دائما عن أنظمة البطش والطغيان مقولة مأثورة وخالدة .. مفادها أن : (القانون هو القيود الحكيمة التي تجعل الناس أحرارا )
مرة أخرى القيود الحكيمة التي تجعل الناس أحرارا
ولهذا كلما هوى القانون نحو مزالق القيود الحمقاء الرعناء المتفلتة المتحيزة، كلما انحدر بالناس لدرك العبيد والمطاريد.
ومن ثم يصبح القانون قيودا طائشة للتسلط والسيطرة والمحاباة والتستر، وليس قيودا حكيمة للحماية والتنظيم والرعاية .
ولذلك، فإن ثنائية (السلطة / المسئولية) لا تجد لها مكانا في ظل نظم الاستبداد والاستعباد، التي لا ترى الحكم إلا سلطة فالتة متفلتة ومطلقة، بلا أدنى مسئولية لازمة ومتلازمة.
وأينما غابت فريضة المسئولية، توحشت السلطة وتغولت ، ومورست سيادة القانون بحدة وشدة وجلافة مفرطة وانتقائية مقززة.
فالدولة التي تمارس سلطتها بمنطق ( الوصاية ) هي التي تفرض على الناس الالتزام بواجباتهم، بينما تتملص هي وتتهرب من الالتزام بمسئولياتها .
بعكس الدولة التي تمارس سلطتها بمنطق ( الوكالة ) فتمارس تلك السلطة ملتزمة بحدود وضوابط هذه الوكالة الممنوحة من الناس لها، والتي مفادها أن تلزم الناس بواجباتهم بالتوازي مع ضمانها المتفاني لحقوقهم .
الدولة التي تدير أمور شعبها بمنطق ( الوكالة ) هي التي تدرك بأن نسبة محدودة ومعدودة فقط من المشكلات المجتمعية هي التى ينبغي مواجهتها بالحلول الأمنية البوليسية .
فالتعويل المطلق على قوة الآلة الأمنية الغاشمة لتكريس وتثبيت منطق الوصاية يكرس لدراما القط والفأر المزمنة (توم وچيرى) التى قد تغلب عليها الكوميديا فى نسختها الكرتونية، ولكن تسكنها التراجيديا المأساوية على أرض الواقع المعاش فى نسختها الإنسانية البشرية .
عصا الأمن والقمع مهما كانت صلبة وصارمة إلا أنها لا يمكن أن تظل صامدة أمام صخرة الواقع الصلدة القاهرة.
لعل الخبرة الحزينة لتجارب التاريخ القديم والحديث والمعاصر، تقرر بأن من تنغلق أمامهم أبواب الرحمة والكرامة والأمل، سيحيلهم اليأس رويدا رويدا لنفوس ملغومة قابلة للانفجار والثورة بلا إنذار أو أجل .
وبالتالي، فإن المعضلة التي تواجهها الدولة البغيضة، تتمثل في أن غلظتها وقسوتها تعصف وتطيح بأي فائدة أو منفعة ( قد ) تترافق مع استبدادها وبطشها .
مثلما يعالج الطبيب الماهر مرضا عضويا عضالا، ولكنه يترك في نفس المريض جرحا نفسيا ووجدانيا غائرا ، نتيجة جفوته وغياب سلاسته وتبلد مشاعره وتحجر شفقته ورحمته.
وهكذا هو القانون أيضا، حتى وإن كان عادلا ، فإنه لا يكرس إلا الغصة ولا يورث إلا القهر ، لو كان القائم على تنفيذه متجبرا ؛ متواطئا ؛ سادرا في غيه ؛ متكبرا .
فما بالنا ؛ لو كان القانون أصلا – في ظل دول التواطؤ بين السلطات وليس الفصل بينها – جائرا جانحا متحيزا ، فأي مرارة يرسبها عندئذ في النفوس ، ناهيك عن آثاره الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والنفسية الفاحشة.
وبالتالي ؛ لا تبدو القوانين سواء كانت عادلة أم ظالمة – في ظل نظم العصابات الحاكمة – إلا كالسياط التي تمارس البطش بها قلوب متحجرة ، وعقول معتمة ، ونفوس فاجرة ، إثمها أكبر كثيرا كثيرا من شذرات نفعها .
ميراث البشرية بعد آلاف التجارب المأساوية والمفجعة، يقرر بلا أدنى مواربة ، حقيقة ساطعة مفادها أن :
السلطات الرشيدة تكون رفيقة، صبورة،حمولة، متحملة .
والسلطات البغيضة تكون ضارية، مستأسدة، متنمرة، مستذئبة.
وإذا كانت الفطرة السليمة تقبل بأن تكون سلطات تنفيذ القانون معصوبة الأعين وكأنها ضريرة .
فإن الفطرة السليمة أيضا ؛ تأبى أن تكون سلطات تنفيذ القانون معصوبة القلب والعقل ، فاقدة للتبصر والبصيرة .
حال القانون في الدولة البغيضة ، أنه يكون دائما محمولا فوق أكتاف زبانية السلطة الغاشمة ، لإيهام الناس بأن القانون فوق الجميع ، رغم أنه جثة هامدة في نعشهِ .
شاركنا برأيك