أحمد علام يكتب: لماذا إيران؟ (3) من لبنان إلى العراق كيف أعيد تشكيل ميزان القوة؟
دخلت إسرائيل لبنان عام 1982 لإخراج منظمة التحرير الفلسطينية وتغيير البيئة الأمنية على حدودها الشمالية. ونجحت بالفعل في إخراج القيادة الفلسطينية المسلحة من بيروت.
لماذا أصبحت إيران هدفا أمريكيا عربيا من قبل الثورة الإيرانية؟
انتهينا في الجزء الثاني عند مفارقة تستحق التوقف:
انتهت الحرب الأفغانية، ثم انهار الاتحاد السوفيتي نفسه، وانتهت الحرب الباردة التي حكمت العالم قرابة نصف قرن.
لكن إيران بقيت، وبقي الصراع معها.
فإذا كان الاتحاد السوفيتي قد اختفى، وإذا كان البرنامج النووي الإيراني لم يكن قد أصبح بعد محور الصراع، فلماذا استمر العداء؟
ربما نحتاج، قبل أن نصل إلى النووي وحرب اليوم، إلى النظر إلى ما حدث حول إيران.
إلى لبنان، وإلى العراق
البلدين يكشفان جانبًا آخر من القصة:
كيف تتكون القوة الإقليمية؟ وكيف يمكن تدميرها؟ ومن يُسمح له بأن يكون قويًا في هذه المنطقة؟
لبنان قبل حزب الله: قصة بدأت قبل إيران
من أكثر الأخطاء شيوعًا أن تبدأ قصة حزب الله عام 1982 بوصول الحرس الثوري الإيراني إلى لبنان.
القصة أقدم من ذلك.
فالشيعة اللبنانيون لم يصبحوا فقراء أو مهمشين بسبب الثورة الإيرانية، ولم يكن موسى الصدر إيرانيًا أرسلته الجمهورية الإسلامية؛ فحركته السياسية والاجتماعية سبقت الثورة الإيرانية بسنوات.
كان النظام اللبناني الذي نشأ بعد الاستقلال يقوم على توازن طائفي دقيق، لكنه لم يتطور بالسرعة نفسها التي تطور بها المجتمع.
مع تغير الخريطة السكانية والاجتماعية، بقيت قطاعات واسعة من الشيعة — خصوصًا في الجنوب والبقاع وأحزمة الفقر المحيطة ببيروت — تعاني ضعف التنمية والخدمات والتمثيل السياسي مقارنة بقوى لبنانية أخرى.
من هنا ظهر موسى الصدر
أسس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى عام 1969، ثم قاد «حركة المحرومين»، التي سيخرج من رحمها لاحقًا تنظيم «أمل» .
ولم يكن اختيار كلمة المحرومين عرضيًا.
كان موسى الصدر يطالب بتنمية الجنوب، وزيادة نصيبه من الموازنة، وتوسيع مشروعات الري، وإنشاء المدارس والمستشفيات، محذرًا من أن استمرار الحرمان يمكن أن يقود إلى الانفجار.
وتوثق الدراسات التاريخية هذه المطالب باعتبارها جزءًا أصيلًا من التعبئة الشيعية قبل ظهور حزب الله بسنوات.
إذن عندما نتحدث عن حزب الله ينبغي ألا نقول:
جاءت إيران فأنشأت مشكلة شيعية في لبنان.
بل الأدق:
كانت هناك مسألة شيعية لبنانية قائمة بالفعل، ثم دخلت الثورة الإيرانية لاحقًا إلى بيئة محلية مضطربة كانت أسباب اضطرابها أقدم منها.
الجنوب: الهامش الذي أصبح جبهة
كانت المشكلة أشد تعقيدًا في الجنوب.
فجنوب لبنان لم يكن منطقة فقيرة فقط.
كان ملاصقًا لإسرائيل.
بعد انتقال الثقل العسكري لمنظمة التحرير الفلسطينية إلى لبنان، أصبح الجنوب قاعدة لعمليات فلسطينية ضد إسرائيل، وردت إسرائيل بغارات وعمليات عسكرية متكررة.
هكذا وجد سكان الجنوب — وبينهم كتلة شيعية كبيرة — أنفسهم بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل والدولة اللبنانية الضعيفة.
ثم دخلت إسرائيل جنوب لبنان عام 1978.
بعد أربع سنوات جاء الاجتياح الأكبر
في يونيو/حزيران 1982 دخل الجيش الإسرائيلي لبنان، وتقدم حتى بيروت، وهنا حدث التحول.
الحرب الأهلية: دولة تتفكك ومجتمع يعيد تشكيل نفسه
لكن الغزو الإسرائيلي لم يقع في بلد مستقر، كانت الحرب الأهلية اللبنانية قد بدأت منذ 1975.
كانت حربًا معقدة يستحيل اختزالها في مواجهة بين المسلمين والمسيحيين، أو السنة والشيعة، أو اليمين واليسار.
تداخلت فيها أزمة النظام الطائفي، والتفاوتات الاجتماعية، والوجود الفلسطيني المسلح، والصراعات اللبنانية الداخلية، والتدخل السوري، والتدخل الإسرائيلي، والحسابات العربية والدولية.
في أثناء هذا التفكك كانت الطائفة الشيعية نفسها تتغير.
ظهرت طبقة متعلمة جديدة، نشطت المؤسسات الدينية والسياسية.
صعدت حركة أمل، واكتسبت قضية الجنوب والحرمان وزنًا متزايدًا، ثم اختفى موسى الصدر في ليبيا عام 1978.
جاءت الثورة الإيرانية عام 1979، ثم الغزو الإسرائيلي عام 1982
فجأة تلاقت أحداث كانت قبل ذلك تسير في مسارات مختلفة.
اللحظة التي تلاقت فيها الخيوط
لكي نفهم ظهور حزب الله ينبغي أن نضع العناصر أمامنا في وقت واحد:
طائفة كبيرة شعرت تاريخيًا بالتهميش، جنوب فقير وضعيف الخدمات، حرب أهلية فككت الدولة، احتلال إسرائيلي مباشر.
حركة سياسية شيعية موجودة بالفعل هي أمل، تيار إسلامي شيعي أكثر راديكالية داخل البيئة اللبنانية، ثورة إسلامية انتصرت في إيران قبل ثلاث سنوات فقط.
دولة إيرانية جديدة تبحث عن مجال تتحول فيه شعارات الثورة ومقاومة إسرائيل إلى فعل، هذه العناصر لم يصنعها طرف واحد.
لكنها التقت بعد 1982.
وهذا هو الفارق بين خلق الحدث واستثمار الحدث الذي تحدثنا عنه في الجزء الأول.
إيران تدخل لبنان
بعد الاجتياح الإسرائيلي أرسلت إيران، بموافقة سوريا، عناصر من الحرس الثوري إلى منطقة البقاع، وقدمت التدريب والتمويل والسلاح والمساعدة التنظيمية لجماعات إسلامية شيعية لبنانية ناشئة.
تجمع المصادر التاريخية على الدور الإيراني الكبير في عملية تشكل حزب الله في أوائل الثمانينيات، وإن كان الحزب نفسه نتاجًا أيضًا لظروف لبنانية محلية لا يمكن اختزالها في القرار الإيراني.
هذه نقطة شديدة الأهمية، إيران لم تصنع الاحتلال الإسرائيلي، ولم تصنع الحرب الأهلية، ولم تصنع فقر الجنوب، ولم تصنع التهميش التاريخي للشيعة.
لكنها استطاعت أن تدخل إلى نقطة التقاء هذه العوامل وتساعد على تحويلها إلى قوة سياسية وعسكرية منظمة.
هكذا ظهر حزب الله
من «المحرومين» إلى المقاومة، لم يكن حزب الله مجرد امتداد لحركة أمل.
بل تنافس الطرفان، ووصل التنافس في مراحل من الحرب الأهلية إلى صدام مسلح بينهما، وهو ما يكشف مرة أخرى أن «الشيعة» لم يكونوا كتلة سياسية واحدة.
كان حزب الله أكثر التصاقًا بالثورة الإيرانية، وأكثر تبنيًا لفكرة المقاومة المسلحة ضد إسرائيل، ومع استمرار الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، اكتسبت المقاومة وظيفة محلية مباشرة.
لم يعد الأمر مجرد «تصدير للثورة الإيرانية» كان هناك احتلال قائم بالفعل، وكان هناك لبنانيون يعيشون تحته، هناك تنظيم يمتلك المال والسلاح والتدريب والاستعداد للقتال.
من هنا بدأ حزب الله يتحول تدريجيًا من إحدى الجماعات المسلحة الكثيرة التي ولدت أثناء الحرب الأهلية إلى قوة ذات موقع خاص.
هنا تغير موقع الشيعة في لبنان
هذه النقطة تستحق التأمل.
الطائفة التي كانت في بدايات القرن العشرين من أكثر مكونات النظام اللبناني ضعفًا في التمثيل والتنمية أصبحت، بعد عقود قليلة، تمتلك إحدى أقوى المنظمات السياسية والعسكرية في البلاد.
لا يمكن رد هذا التحول إلى إيران وحدها، ولا إلى إسرائيل وحدها، ولا إلى موسى الصدر وحده.
إنه نتيجة تفاعل:
المظلومية الاجتماعية أضافة إلى التنظيم السياسي أضافة إلى الهوية الدينية أضافة إلى ضعف الدولة أضافة إلى الاحتلال أضافة إلى التمويل والتدريب الخارجي.
هذا النموذج سيتكرر بصور مختلفة في أماكن أخرى من المنطقة، فالدولة الخارجية تستطيع أن تستثمر المظالم المحلية.
لكنها لا تستطيع اختراعها من العدم.
إسرائيل صنعت أيضًا جزءًا من البيئة التي قاومتها
وهنا تظهر إحدى مفارقات التاريخ.
دخلت إسرائيل لبنان عام 1982 لإخراج منظمة التحرير الفلسطينية وتغيير البيئة الأمنية على حدودها الشمالية.
ونجحت بالفعل في إخراج القيادة الفلسطينية المسلحة من بيروت.
لكن الاحتلال نفسه ساهم في توفير البيئة التي نما فيها عدو آخر أشد التصاقًا بإيران وأكثر قدرة عسكرية على المدى الطويل: حزب الله.
وتشير الدراسات التاريخية إلى أن الاجتياح والاحتلال كانا عاملين أساسيين في تعبئة المقاومة الشيعية ضد إسرائيل.
أي أن الدولة قد تحقق هدفها المباشر، ثم تخلق أفعالها نتائج استراتيجية لم تكن تريدها.
هذه قاعدة سنراها بصورة أكبر بكثير في العراق.
من لبنان إلى العراق
إذا كان لبنان يقدم نموذجًا لكيفية صعود قوة جديدة من داخل الفراغ والصراع، فإن العراق يقدم النموذج المقابل:
كيف يمكن لقوة إقليمية قائمة أن تنهار؟
هذا ما سنجيب عليه في الجزء الرابع إن شاء الله
التعليقات مغلقة على هذا المقال.