الحرب على إيران: استهداف الرأس
إيران ليست نظامًا أحادي البنية يمكن أن ينهار بسقوط رأسهإنها شبكة مؤسسات: مكتب المرشد، مجلس خبراء، الحرس الثوري، الجيش النظامي، أجهزة أمنية واقتصادية متغلغلة في مفاصل الدولة

الحرب على إيران: من استهداف الرأس إلى اختبار شكل الدولة
ليست كل الحروب تُقاس بعدد الصواريخ التي أُطلقت، ولا بعدد الأهداف التي أُصيبت. بعض الحروب تُقاس بسؤال واحد: هل بقيت الدولة واقفة بعد الضربة الأولى؟ ما يجري اليوم تحت عنوان “الحرب على إيران” لا يبدو مجرد تبادل عسكري تقليدي، بل الحرب على إيران.
الضربة الأولى، كما قرأتها الصحافة الغربية، لم تكن رمزية. أوردت وكالة رويترز أن العمليات جاءت في إطار “عمليات قتالية واسعة”، بينما وصفتها إسرائيل بأنها “استباقية” تستهدف تهديدات جوهرية. وتزامن ذلك مع مزاعم إسرائيلية – نقلتها الوكالة نفسها – عن مؤشرات على استهداف القيادة العليا، وسط غياب تأكيد رسمي إيراني في اللحظة ذاتها. في لغة الحروب، هذا يُسمّى “قطع الرأس”. لكن في السياسة، الأمر أعقد من استعارة عسكرية.
إيران ليست نظامًا أحادي البنية يمكن أن ينهار بسقوط رأسه
إنها شبكة مؤسسات: مكتب المرشد، مجلس خبراء، الحرس الثوري، الجيش النظامي، أجهزة أمنية واقتصادية متغلغلة في مفاصل الدولة. السؤال إذن لا يتعلق بمدى دقة الصاروخ، بل بمدى قدرة هذه الشبكة على إعادة إنتاج القيادة بسرعة. هنا يبدأ “اختبار شكل الدولة”.
وأشارت The Guardian إلى أن تعدد الموجات الجوية وتسميات العمليات يدفعان إلى توصيف ما يجري كتصعيد استراتيجي منظم، لا جولة عابرة. بينما قالت The Washington Post إن أي انتقال للمعركة نحو أصول أميركية في الخليج، أو وقوع خسائر بشرية أميركية، سيغيّر الحسابات في واشنطن جذريًا، وقد ينقل الإدارة من منطق الردع إلى منطق الحملة المفتوحة. أما Financial Times فقد ركزت على أن الخليج لم يعد ساحة خلفية، بل أصبح محورًا اقتصاديًا حاسمًا، حيث تتقاطع الطاقة والملاحة والاستثمار مع كل ضربة.
إذا أردنا قراءة المسار بهدوء، يمكن تصور الحرب على شكل صفحات متتابعة. الصفحة الأولى بدأت باستهداف القيادة ومراكز القرار، وحققت – وفق ما نُقل – نجاحات جزئية لكنها لم تحسم المشهد. الصفحة الثانية تتجه منطقيًا نحو ضرب القدرات الصلبة: الدفاعات، الصواريخ، مراكز السيطرة. الهدف هنا ليس الإذلال، بل الشلل. أما الصفحة الثالثة، الأكثر خطورة، فتتعلق بالبنى التحتية والاتصالات والإعلام؛ مرحلة يختبر فيها القانون الدولي الإنساني حدوده، ويختبر فيها المجتمع صبره.
ثم تأتي الصفحة الرابعة، حيث يتقاطع العسكري بالسياسي. إذا طال أمد الصراع، ستظهر أدوات الضغط الداخلي: عمليات نفسية، تحريك شبكات معارضة، رهانات على انقسامات. غير أن التجارب الحديثة تُحذّر من وهم “الهندسة السريعة للبديل”. سقوط رأس لا يعني ولادة نظام جديد مستقر؛ بل قد يعني صعود جناح أكثر تشددًا أو انزلاقًا إلى صراع داخلي على السلطة.
الصفحة الخامسة، والأخطر، هي الفوضى الإقليمية. دخول الخليج في دائرة الاستهداف، وتنامي الحديث عن القواعد والممرات البحرية، يعني أن أي خلل في الحسابات قد يُخرج الصراع من ثنائيته الأولى إلى ساحة متعددة اللاعبين. عند هذه النقطة لا يعود السؤال: من ربح الجولة؟ بل: من يستطيع تحمّل كلفة استمرارها؟
قانونيًا، ستبقى الروايات متقابلة: دفاع عن النفس مقابل استخدام للقوة. لكن السياسة لا تنتظر الفقهاء طويلًا. ما يحسم المشهد هو ثلاث عقد: هل تتعرض أصول أميركية لإصابات موجعة؟ هل تُمسّ منشآت الطاقة أو حرية الملاحة؟ وهل يبقى مركز القرار الإيراني متماسكًا؟ الإجابة عن هذه الأسئلة سترسم شكل الأسابيع المقبلة.
الحرب على إيران ليست معركة حدود، بل معركة تعريف. تعريف لمن يملك قرار الحرب والسلم في الإقليم، ولمن يعيد كتابة قواعد الاشتباك. إذا صمدت الدولة الإيرانية وأعادت إنتاج قيادتها، فسنكون أمام توازن ردع جديد بشروط أشد. أما إذا اهتز شكل الدولة ذاته، فندخل مرحلة إعادة تشكيل إقليمية لا تُقاس بحدود جغرافية، بل بحدود القوة والفراغ.
في النهاية، ليست المسألة إسقاط نظام فحسب، ولا مجرد كبح برنامج. إنها لحظة اختبار تاريخي: هل يستطيع الشرق الأوسط أن يتحمل إعادة هندسة قسرية، أم أن هندسة الفوضى ستسبق هندسة النظام؟ هنا يكمن جوهر الحرب، وهنا يبدأ حساب النتائج.






