سامح حسنين يكتب: آل سعود والمرتزقة علاقة غرام قديمة (السعودية واليمن)
مرة أخرى وكأن التاريخ يعيد نفسه قامت الثورة في اليمن في ال 2011 وأطاحت بمواقع السعودية الاستراتيجية، ووجدت المملكة نفسها في نفس الموقف، ثورة ملاصقة لها واحتمالات العدوى واردة، ووصايتها في خطر ووصية الملك المؤسس على وشك الضياع.
اليمن والموقع الاستراتيجي واحتمال التحالف الدولي
عندما أدلى عدنان خاشقجي بشهادته في وقائع ما عُرف بقضية الكونترا – ايران سنة 1987 القضية التي جرى فيها بيع سلاح لإیران، وحُولت فوائضه إلى جماعات الكونترا المعارضة لنظام حكم الساندينستا في نيكاراجوا، لفت الأنظار أنه التقى شيمون بيريز مساعد وزير الدفاع الاسرائيلي وقتها ووزير خارجيتها فيما بعد وتعرف إليه لأول مرة في باريس سنة 1961.
لم يكن لقاء عدنان خاشقجي بشيمون بيريز عابرًا ولا صدفة بل جرى في إطار التنسيق لدور إسرائيلي في العمليات العسكرية التي تتولي المملكة العربية السعودية قيادتها ضد الثورة اليمنية التي جرت في ال 26 من سبتمبر عام 1962.
ثبت أن القوات الإسرائيلية كانت تلقي بشحنات الأسلحة والذخائر لقوات البدر المخلوع وللمرتزقة الذين سعت المخابرات السعودية لتجنيدهم من أسواق المرتزقة للقتال ضد قوات الثورة اليمنية.
لم تكن العلاقات بين السعودية واليمن وطيدة الصلة فقد شهدت حروبًا ومعارك حين سيطرت السعودية على جيزان ونجران، لكن صمت صليل السيوف منذ العام 1934.
وسعت السعودية بعدها لإبقاء اليمن كحديقة جنوبية لها، ولعبت دور الوصي على القرار اليمني، كانت وصية الملك المؤسس للسعودية عبد العزيز لأبنائه وهو على فراش الموت “رخاؤكم في ضنك اليمن وصحتكم في أساه”.
حين قامت الثورة اليمنية بدت السعودية في حالة سعار
فثورة في اليمن بكل أبعادها السياسية والاجتماعية احتمال عدوى مباشر قد تصيب المملكة لأنه بلد ملاصق.
ثم إن التأييد المصري يحمل نذر أخطار مقبلة، فزيادة التأثير السياسي المصري في اليمن يعني وجودًا فاعلاً لأفكار ليست مطلوبة ولا مرغوبة في شبه الجزيرة العربية.
ثم الوجود المصري حتى لو بقوات قليلة يخلق حالة تهديد قابلة للانفجار، فالأسرة السعودية تتحسب باستمرار من القوة العسكرية المصرية.
ويندر أن يتحدث مسؤول سعودي عن العلاقات بين البلدين دون أن يشير إلى عمليات محمد علي العسكرية في نجد في أوائل القرن قبل الماضي، وما كان من تدمير الدرعية عاصمة السعوديين أيامها.
الخطر الأكبر الذي رأه السعوديون هو أن “الثورة في اليمن سوف توقظ من النوم العميق الكتلة الإنسانية الأكبر في شبه الجزيرة العربية وهي الشعب اليمني، وهو شعب له مواريثه الحضارية فضلاً عن وزنه السكاني الذي يجعل منه ثقلًا حقيقيًا في أعماق شبه الجزيرة العربية.”
ثم إن دولة قوية في اليمن قد تعود إلى المطالبة بإعادة رسم الحدود مع السعودية بالذات جيزان ونجران.
العائق الأكبر أمام المملكة السعودية لم يكن في الأموال فهي متوفرة بكثرة لكن تمثّل في ضعف القبائل التي جرى شراءها بالذهب والتي تقاتل مع الأمير البدر المخلوع فهي غير مدربة ولا لديها جهوزية للقتال.
وجاء الحل من كمال أدهم صهر الأمير فيصل ومستشاره والذي عُهد إليه بالإشراف على أجهزة الأمن والاستخبارات وبإداره العمل السري ضد الثورة في اليمن، ولم يكن الحل سوى اللجوء إلى شراء المرتزقة.
والمملكة لديها ما يكفى من المال لتأجير مقاتلين يقومون بشن الحرب نيابة عن الراغبين فيها، وغير القادرين عليها.
تجربة المرتزقة فى الكونغو في اسقاط حكم باتريس لومومبا أثبتت أن استخدام المرتزقة على نطاق كبير ممكن، كما أن هناك فائضًا كبيرا فى السوق من هؤلاء المرتزقة بعد هدوء الأحوال في الكونغو .
كانت بعض العواصم الأوروبية قد تحولت إلى أسواق للجنود المرتزقة المستعدين للقتال بأجر للراغبين فى خدماتهم.
كانت لندن أهم هذه الأسواق، وكان لبريطانيا تجربة سابقة في هذا المجال هي تجربة البريجادير وينجيت الذى اشتهر بغاراته وراء خطوط القتال فى الحرب العالمية الثانية.
لم يكن وينجيت مرتزقا مأجورا وحسب ولكنه كان مدرسة فى حرب العصابات تقوم على فكرة إنشاء مجموعات مستقلة من المقاتلين المحترفين يستطيعون التسلل وراء خطوط القتال، والعمل بطريقة الإرباك للعدو من مؤخرته.
وقد قام وينجيت وقواته المستقلة بعمليات بالغة الخطورة وراء الخطوط فى الصحراء الغربية في وقت من الأوقات سنة 1942 بلغت خطتهم إلى حد مهاجمة بعض مراكز القيادة الألمانية في ليبيا، كما أنهم في إحدى المرات وضعوا خطة عملية لاغتيال الماريشال رومل القائد الألماني الشهير.
كما كان ل وينجيت دور كبير في تدريب القوات الصهيونية عام 1938 حتى أنه يعتبر المؤسس للقوات الخاصة الصهيونية.
من داخل قوة وينجت برزت أسماء شهيرة في عالم قوات المرتزقة منهم
الكولونيل سترلينج الذي قاد وحدة من وحدات قوات العمل الخاصة تولت مهام عديدة فى مسارح العمليات من الشرق الأوسط إلى جنوب شرق آسيا.
وكذلك برز اسم البريجادير فيتزروى ماكلين، الذى قاد وحدة عمليات خاصة حققت شهرة كبيرة فى البلقان.
وبعد أن انتهت الحرب دخل ماكلين إلى حلبة الحياة السياسية ورشح نفسه لعضوية مجلس العموم، وانتخب فعلا – ومع ذلك فإن حياة المغامرات ظلت تستهويه وتناديه.
وكان فيتزروى ماكلين صديقا مقربا من جولیان ایمری رئيس مجموعة نواب السويس في بريطانيا، والذى كان فى نفس الوقت زوجًا لابنة – هارولد ماكميلان رئيس الوزراء البريطاني.
وكانت مجموعة نواب السويس أبرز قوى الضغط التي تحركت للعمل فى أعقاب ثورة اليمن، وكان شعارها أن عدن لن تلحق بالسويس، ولم تكتف المجموعة بإطلاق الشعارات، وإنما اتجهت إلى العمل المباشر ضمن تحالف القوى التي تصدت للحرب ضد ثورة اليمن.
وقد استطاع جولیان ایمری وبعض أصدقائه أن ينشئوا مكتبا للاتصال والدفاع عن الإمامة في اليمن، وفى أيام قليلة كان هذا المكتب قد تلقى اعتمادات ضخمة حُولت إليه من الرياض ومن نيويورك ومن غيرهما من المراكز.
بدأ يتصل ببعض الضباط المحترفين ، وبينهم الميجور جون كوبر ، الذي راح يتردد على بعض وكالات تأجير المرتزقة في شارع سلون في لندن.
ولم تمض بضعة أسابيع بعد ثورة اليمن والتجاء طائرات سعودية وأردنية إلى القاهرة بطياريها محملة بشحنات أسلحة كان مقررًا إلقاءها لقوات البدر المخلوع لكن الطيارين رفضوا- حتى كان جون كوبر قد وصل إلى نجران، وتسلل داخلًا إلى منطقة الجوف ومعه قوة خاصة من مساعديه.
وهناك أنشأوا قاعدة للاستقبال والإعداد يتوجه إليها القادمون بعدهم، وكان هناك منهم كثيرون تعطلوا بعد أن انتهت خدماتهم في الكونغو.
كان هناك نشاط مشابه في باريس، وقد كانت باريس ذات خبرة واسعة في نشاط الجنود المرتزقة
كان جون كوبر واحدًا من أبرز المرتزقة في عمليات الفرقة الجوية الخاصة التي كان يقودها دافيد سترلينج، وبرز نشاطه وسط العمليات التي كان يعتبرها نزهة، ولم تنته هذه النزهات بانتهاء الحرب العالمية الثانية، واشترك مع العصابات التي حاربت الشيوعيين في الملايو في المدة من سنة 1951 إلى سنة 1959.
لما انهزم رجال حرب العصابات بالملايو، نقلت الفرقة الجوية الخاصة ، نشاطه إلى الشرق
لهذا قرر كوبر أن ينظم بنفسه برنامجا خاصا به ليقدم مساعدات عسكرية إلى العناصر الملكية حتى أن الحرب التي قادها المرتزقة ضد قوات الثورة والقوات المصرية جرى تسميتها بحرب كوبر الخاصة.
استطاع كوبر أن يُجند 15 ألف من الجنود المرتزقة تولت السعودية دفع فواتير حسابهم بواقع 400 إلى 500 جنيه استرليني شهريًا، وتولت شركات بيع السلاح عن طريق عدنان خاشقجي صديق كمال أدهم وزميله في مدرسة فيكتوريا.
لم تكن السعودية وحدها الطرف الذي انخرط في محاربة الثورة اليمنية نعم كانت عنصرًا رئيسيًا لكن تقاطعت مصالحها مع دول وأجهزة وشركات وبنوك ومجموعات ضغط.
بريطانيا كانت عنصرًا فاعلًا بحكم وجودها العسكرى فى جنوب اليمن، كذلك الأردن التي جرى خلقها لتؤدي دورًا وظيفيًا، وكذلك كان عبد الكريم قاسم فى العراق، وكذلك كانت بقايا حكم الانفصال المتهاوى والآيل للسقوط في سوريا والذي جاء إلى السلطة بتمويل سعودي.
تركيا وباكستان أيضا كان لهما دور بحكم عضويتهما في حلف بغداد وشاه إيران الذي اعتبر الشاطئ الأخر للخليج العربي وحتى مداخل البحر الأحمر منطقة أمن إيراني.
فرنسا أيضا كان لها دور، فهي موجودة فى جيبوتي، وهى جريحة فى الجزائر – ومن الطبيعي أن تهتم وتساهم.
إسرائيل كان محققا أن تجد لنفسها دورا بحكم تفاعلات الصراع في الشرق الأوسط
وخارج إطار الدول كانت هناك عناصر مؤثرة أبرزها شركات البترول ، والبنوك والمؤسسات الاقتصادية المالية العالمية ذات الصلة بالبترول ، وهي كثيرة وكبيرة .
بل إن قبائل اليمن الكبرى ، وحتى الصغرى أصبحت من عناصر المعادلات التي لا يمكن نسيانها .
برغم كل هذه التحالفات التي أقيمت والمصالح التي تقاطعت والأموال التي صُرفت والمؤامرات التي حيكت انتصرت الثورة اليمنية وخرج اليمن من قاع ظلام الإمامة وخرجت القوات البريطانية من عدن.
لكن ما إن انتهى الزمن الناصري وتنكرّت القاهرة لأدوارها التاريخية وتخلت عن مواقعها الاستراتيجية في السبعينيات حتى عاد التآمر السعودي باغتيال الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي في اليمن الشمالي واغتيال سالمين في اليمن الجنوبي، وعادت السعودية تتعامل مع اليمن كحديقة خلفية.
مرة أخرى وكأن التاريخ يعيد نفسه قامت الثورة في اليمن في ال 2011 وأطاحت بمواقع السعودية الاستراتيجية، ووجدت المملكة نفسها في نفس الموقف، ثورة ملاصقة لها واحتمالات العدوى واردة، ووصايتها في خطر ووصية الملك المؤسس على وشك الضياع.
تدخلت المملكة بدرجة أكبر من العنف وكأنها لم تنس شيء ولم تتعلم شيء
مرت الأزمان وتغيرت الوجوه وتبدّلت المواقع لكن موقف المملكة ظل ثابتًا من اليمن فلن تسمح بخروج اليمن عن سيطرتها، وشنت عاصفة الحزم ولجأت مرة أخرى لنفس الدول لتحطيم اليمن ووأد ثورته، وفشلت هي والإمارات رغم كل الأموال التي أهدرت.
جرى توقيع هدنة مع أنصار الله لم تكن سوى مناورة من جانب المملكة لبناء قوى لها على الأرض والأمس كان حلف بغداد واليوم حلف مكة.
وعادت لتشن حربًا جديدة ضد أنصار الله لم تحقق فيها سوى انتصارات في وسائل إعلامها وعبر السوشيال ميديا، وأمام كل هذا الفشل عاد خيارها القديم في تجنيد مرتزقة للقتال لكن سوق المرتزقة هذه المرة ليس في لندن ولا في باريس بل في دمشق التي تحولت بفعل المؤامرات والخيانة من مقر وممر للمقاومة إلى سوق لاستئجار المرتزقة!
شاركنا برأيك