علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
حسن مدبولي
حسن مدبولي

كاتب وباحث مصري

حسن مدبولي يكتب: كرة القدم في العالم المتخلف؟

هذه هي النقطة التي تكشف جوهر المسألة في دولنا المتخلفة، فالتدخل في كرة القدم لا يعني بالضرورة أن يتصل الحاكم بالحكم ليطلب منه احتساب ضربة جزاء أو إلغاء هدف.

مشاركة:
حجم الخط:

تعتبر رومانيا في عهد الديكتاتور نيكولاي تشاوشيسكو نموذجًا صارخًا لما يمكن أن تفعله الدولة المستبدة عندما تكتشف أن كرة القدم ليست مجرد لعبة، وإنما وسيلة هائلة للسيطرة على مشاعر الجماهير وإلهائها عن واقعها السياسي والاجتماعي.

فقد حكم تشاوشيسكو رومانيا منذ عام 1965 حتى سقوط نظامه وإعدامه في ديسمبر 1989، وخلال سنواته الأخيرة تحولت البلاد إلى واحدة من أكثر دول أوروبا الشرقية انغلاقًا وقمعًا، فى حين أصبحت كرة القدم واحدة من المساحات النادرة التي يستطيع فيها المواطن الروماني أن يصرخ ويفرح ويغضب ويحلم ويحتفل.

في قلب هذه اللعبة كانت المواجهة بين ناديي ستيوا بوخارست ودينامو بوخارست تمثل قمة اهتمامات النظام الحاكم، فهي لم تكن مواجهة رياضية خالصة بأي حال من الأحوال.

فقد كان ستيوا نادي الجيش الروماني، بينما ارتبط دينامو بوزارة الداخلية وجهاز الأمن السري «السيكيوريتات»  ولذلك كانت مباراتهما أشبه بصراع بين مؤسستين من مؤسسات السلطة نفسها، قبل أن تنحاز الكفة بصورة واضحة إلى ستيوا في النصف الثاني من الثمانينيات، وذلك عندما أصبح ابن الرئيس، فالنتين تشاوشيسكو، صاحب نفوذ كبير داخل ذلك النادي ورئيسًا عمليًا له,

 لم يكن نفوذ فالنتين مجرد تشجيع عائلي لنادٍ يحبه، بل كان استغلالا لشعبية النادى لدعم نظام والده وترسيخ استقراره، وقد استفاد ستيوا من دعم ابن الرئيس له، لتوطيد موقعه داخل منظومة الدولة وزيادة قدرته على استقطاب أفضل اللاعبين.

نظرا لتوافر الظروف التي لم تكن متاحة بالسهولة نفسها للأندية الأخرى، في وقت كانت فيه كرة القدم الرومانية كلها خاضعة بصورة أو بأخرى لأجهزة الدولة.

لم يكن غريبًا في تلك البيئة أن يصبح انتقال لاعب من نادٍ إلى آخر أحيانًا قرارًا سياسيًا أكثر منه قرارًا رياضيًا، وكان أبرز اللاعبين بالاندية الاخرى ينتقلون الى نادى فالنتين شاوشيسكو بسلاسة غريبة، وكإن هناك من يأمر المنافسين بترك هؤلاء اللاعبين.

كانت النتيجة أن تحول ستيوا في منتصف الثمانينيات إلى القوة الأولى في رومانيا

ففاز بالدوري خمس مرات متتالية من موسم 1984-1985 حتى موسم 1988-1989، بل وحقق إنجازًا أوروبيًا تاريخيًا عندما أصبح عام 1986 أول نادٍ من أوروبا الشرقية يفوز بكأس أوروبا، بعد تغلبه على برشلونة بركلات الترجيح في إشبيلية.

كما ظل الفريق بلا هزيمة في الدوري 104 مباريات متتالية بين عامي 1986 و1989، وهي أرقام تعكس قوة فريق استثنائي بالفعل، لكنها لا تلغي حقيقة أنه كان يلعب داخل منظومة سياسية منحته مزايا هائلة على منافسيه.

الواقعة التى لها دلالة، وتمثل المشهد الأكثر فجاجة، جاءت في نهائي كأس رومانيا عام 1988 بين ستيوا ودينامو.

عندما كانت المباراة قد وصلت إلى الدقيقة الأخيرة والنتيجة 1-1، وسجل جافريل بالينت هدفًا لستيوا، لكن مساعد الحكم جورج إيونسكو رفع رايته معلنًا وجود تسلل، فألغى الحكم رادو بيتريسكو الهدف.

وهنا انفجرت الأزمة. رفض لاعبو ستيوا العودة إلى الملعب، وانسحب الفريق قبل استكمال المباراة، في واقعة ارتبطت مباشرة بتدخل فالنتين تشاوشيسكو.

كان المنطق الرياضي واضحًا

فريق انسحب من المباراة، وبالتالي يفترض أن يعاقب بالخسارة، لكن الذي حدث كان شيئًا آخر تمامًا. فقد قرر الاتحاد الروماني لكرة القدم منح الكأس لستيوا، رغم انسحابه، لتصبح الواقعة واحدة من أكثر صور تداخل السلطة والسياسة مع كرة القدم فجاجة في تاريخ أوروبا الشرقية.

المثير أن ستيوا نفسه أعاد تلك الكأس عام 1990، بعد سقوط النظام الشيوعي، باعتراف عملي بأن البطولة التي حصل عليها في تلك الظروف لم تكن مستحقة.

وهناك نموذج آخر من عالمنا العربى حدث فى العراق في عهد صدام حسين، عندما أنشأ ابنه عدي حسين نادي الرشيد، وسيطر من خلاله على كرة القدم العراقية، وأجبر عددًا من أفضل اللاعبين على الانتقال إليه، بينما تعرض اللاعبون الذين رفضوا لعقوبات قاسية مفتعلة أو موجهة.

بالتالى أصبح النادي خلال سنوات قليلة قوة كاسحة في الكرة العراقية، وفاز بالدوري والكؤوس والبطولات العربية، بينما كان اللاعبون يعرفون أن الفوز ليس مجرد مكافأة، وأن الهزيمة قد تكون لها عواقب شخصية مرعبة.

هنا تتحول كرة القدم من لعبة إلى نسخة مصغرة من الدولة، حيث السلطة تختار من تدعمه ، وتمنحه الموارد، وتحشد المؤسسات خلفه، ثم تطلب من الجماهير أن تتعامل مع النتائج باعتبارها دليلًا على التفوق الطبيعي للنادي.

هذه هي النقطة التي تكشف جوهر المسألة في دولنا المتخلفة، فالتدخل في كرة القدم لا يعني بالضرورة أن يتصل الحاكم بالحكم ليطلب منه احتساب ضربة جزاء أو إلغاء هدف.

فالصورة الأكثر خطورة هي صناعة منظومة كاملة تجعل ناديًا معينًا يبدأ المنافسة وهو متفوق أصلًا

أموال أكثر، لاعبون أفضل، حماية إدارية غير طبيعية، نفوذ داخل المؤسسات، إعلام منحاز، وقدرة على الضغط على المنافسين وعقابهم ، ثم تترك للملعب مهمة إكمال المشهد.

بينما المنافسة العادلة لا تعني فقط أن تبدأ المباراة وتنتهي داخل الملعب، وإنما أن يدخل الجميع إليها بالقواعد نفسها والفرص نفسها، وأن تكون المؤسسة التي تدير اللعبة أقوى من نفوذ الأندية والسلطة، وأن يكون الفوز نتيجة لما يحدث في الملعب، لا لما يحدث في مكاتب القرار.

عندما يصبح نادي السلطة فوق المنافسة، فإن كرة القدم لا تعود لعبة، بل تصبح مجرد صورة أخرى من صور الدولة القمعية التي تحكمها السلطة نفسها، من يملك القوة والنفوذ فيها يحتكر الثروات والنتائج والبطولات !!

شارك المقال:

شاركنا برأيك