د. محمد الغمري يكتب: الدستور المصري بين وعد السلطة وسلطان القاعدة
في نوفمبر 2017، وفي حوار مع شبكة CNBC الأمريكية، أعلن الرئيس تمسكه بفترتين رئاسيتين مدة كل منهما أربع سنوات، وعدم تأييده تغيير هذا النظام أو تعديل الدستور في تلك الفترة.
الرئيس المصري
قراءة في تصريح الرئيس السيسي ومسار العلاقة بين الدولة والدستور في مصر
حين يؤكد رئيس الجمهورية أن للدولة المصرية دستورًا وافق عليه المصريون، وأن هذا الدستور «لن يمسه أحد»، تبدو العبارة تعهدًا بحماية قواعد الحكم وصون استقرار الدولة.
وهو تعهد ينسجم، في ظاهره، مع واجب الرئيس احترام الدستور والسهر على سيادة القانون.
لكن العبارة تستدعي سؤالًا يتجاوز مناسبتها المباشرة: هل تستمد القواعد الدستورية حصانتها من إرادة السلطة التي تتعهد بحمايتها، أم من قوة المؤسسات والضمانات التي تجعل السلطة نفسها خاضعة لها، سواء أرادت الإبقاء عليها أو سعت إلى تعديلها؟
ورد التصريح في الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة، «وطن الأبطال»، في الرابع عشر من أكتوبر 2026، بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر، في سياق التحذير من الشائعات ومحاولات تزييف الوعي وما تردد عن تغيير الدستور.
وأكد الرئيس عدم المساس به، ثم دعا المصريين إلى تحصين بلدهم، مميزًا بين حماية الدولة وحماية الرئيس.
من الإنصاف أن يُقرأ التصريح في هذا الإطار رسالةَ طمأنة، لا إعلانًا بإلغاء الحق في التعديل الدستوري أو مصادرةً لاختصاص المؤسسات التي تملكه.
فالتصريح السياسي، مهما بلغت قوة عبارته، لا ينشئ قاعدة دستورية ولا يغير اختصاصًا مقررًا. غير أن فهم المناسبة لا يلغي السؤال، بل ينقله من البحث في مقصد المتحدث إلى طبيعة العلاقة بين الدستور والسلطة:
ما الذي يجعل القواعد الدستورية مستقرة بالفعل، وما الذي يحول دون أن يصبح بقاؤها أو تغييرها مرهونًا بإرادة القائمين على الحكم؟¹
من الطمأنة السياسية إلى سؤال الضمانة
وكشفت ردود الفعل المنشورة خلال اليومين التاليين للتصريح عن تقاطع في الترحيب بالتأكيد على احترام الدستور، مع اختلاف في تحديد ما ينبغي أن يترتب عليه سياسيًا ومؤسسيًا.
فقد ربط حزب الإصلاح والنهضة أهمية التصريح بترسيخ دولة المؤسسات وتفعيل الاستحقاقات الدستورية وتعزيز المشاركة السياسية. ورأى حزب الوعي أن الاستقرار لا ينفصل عن سيادة القانون وفاعلية المؤسسات وقدرتها على إدارة الاختلاف.
أما عبد المنعم إمام، رئيس حزب العدل، فقرأ التصريح في ضوء مبدأ التداول السلمي للسلطة، وربطه بضرورة استعداد القوى السياسية للاستحقاقات المقبلة.
وفي اتجاه يركز على الطمأنة والاستقرار، اعتبر حازم الجندي، عضو الهيئة العليا لحزب الوفد، أن التصريح يؤكد احترام الدستور ويقطع الطريق على الشائعات، وهو موقف شخصي معلن لا يلزم منه اعتباره بيانًا رسميًا للحزب”
وفي أوساط الشخصيات السياسية العامة، وصف حمدين صباحي التصريح بأنه «خير القول» معربًا عن أمله في أن يترجمه العمل.
ورأى خالد يوسف أنه ينهي جدلًا استمر سنوات، وربط ما يثيره من أمل بإمكان قيام حياة سياسية طبيعية، وتداول السلطة، وفتح المجال العام، ومعالجة ملف محبوسي الرأي.
وعلى اختلاف دلالة الموقفين، فقد التقيا عند التطلع إلى ما يتجاوز الإعلان السياسي.
ولا تمثل هذه الاستجابات خريطة مكتملة للرأي السياسي المصري؛ فهي عينة من المواقف العلنية المنشورة خلال فترة قصيرة.
لكنها تكشف اختلافًا في موضع الضمانة الدستورية: بين من يتلقى التعهد تأكيدًا للاستقرار، ومن يربطه بتفعيل المؤسسات والتداول السلمي للسلطة، ومن يستدعي شروط الحياة السياسية التي تجعل هذا التداول ممكنًا.
ولا يلزم من الترحيب بالتصريح اتفاقٌ على تقييم الممارسة الدستورية، كما لا يلزم من المطالبة بضمانات إضافية التشكيكُ في نية المتحدث.
ويبقى السؤال: هل تكفي إرادة السلطة لحماية القاعدة، أم أن الحماية لا تكتمل إلا بمؤسسات تستطيع إنفاذها باستقلال؟
لم تكن هذه المسألة طارئة على التجربة المصرية.
فمنذ نشأة الدولة المركزية الحديثة، سبق بناءُ الأجهزة الإدارية والعسكرية والمالية اكتمالَ المؤسسات التمثيلية والدستورية التي تنظم الحكم وتقيده.
وحين دخلت الفكرة الدستورية إلى المجال السياسي المصري لم تدخل فراغًا، بل واجهت دولة قائمة تملك موارد القوة وأدوات القرار والإنفاذ، وتؤثر في شروط المنافسة على السلطة وحدودها.
ولم تكن هذه الأسبقية قدرًا محتومًا يفسر كل ما جرى بعدها، لكنها شكلت شرطًا تاريخيًا أثّر في المعارك المتعاقبة حول قواعد الحكم، وفي قدرة المؤسسات الجديدة على اكتساب استقلالها.
فقد تتغير النصوص وتتعاقب النظم، بينما تستمر بعض الاختلالات ما لم تتغير الشروط التي تعيد إنتاجها.
يقدم مشروع دستور 1954 شاهدًا على هذه العلاقة
فقد نشأ في قلب الصراع الذي أعقب ثورة يوليو حول مستقبل السلطة وحدودها، واتجه إلى إقامة جمهورية نيابية برلمانية.
لم يقتصر على تنظيم المؤسسات التمثيلية والرقابية، بل نص في مادته 194 على عدم جواز اقتراح تعديل الأحكام الخاصة بمبادئ الحرية والمساواة وبالشكل الجمهوري النيابي البرلماني.
كانت تلك محاولة لصياغة قواعد لا تكتفي بتوزيع السلطة، بل تحصّن بعض أسس النظام الدستوري من التغيير. غير أن المشروع لم يتحول إلى دستور نافذ، وانتهى الصراع إلى مسار آخر.
لا يعني ذلك أن إقراره كان سيضمن وحده قيام نظام ديمقراطي، وإنما يكشف أن النص يحتاج، إلى جانب سلامة بنائه، إلى مؤسسات وقوى اجتماعية وسياسية قادرة على حمله وإنفاذه.
ومن هنا يصبح التمييز بين قوة الدولة وقوة السلطة التنفيذية ضروريًا لفهم المسار المصري.
فقوة الدولة لا تقاس بتركيز القرار في يد الحاكم، بل بقدرتها على إنفاذ القانون وحماية الحقوق وضمان استمرار المؤسسات والمرافق عبر تغير الحكومات.
أما اتساع سلطة القرار التنفيذي فقد يمنح الحكم قدرة على الحسم، لكنه لا يضمن استقلال المؤسسات أو استقرار قواعد عملها.
وحين تحتفظ السلطة التنفيذية بموارد المبادرة والتنظيم والتأثير، دون أن تملك المؤسسات الأخرى قدرة مستقلة على المراجعة والمساءلة، يصبح تحديد قواعد الحكم أكثر تأثرًا بإرادة الطرف الأقوى، مهما تبدلت النصوص.
لذلك لا يقتضي بناء الدولة الدستورية إضعاف الدولة، بل إخضاع ممارسة قوتها لقواعد عامة لا تتغير فاعليتها بتغير الأشخاص أو المصالح.
بين سلطة التعديل وحدود الدستور
وفي هذا السياق تكتسب تجربة دستور 2014 أهمية خاصة. فقد جاء في أعقاب تحول سياسي عميق، وحمل وعدًا بإعادة تنظيم السلطة على أسس جديدة.
وسبقت تعديله تعهدات صريحة، ففي نوفمبر 2017، وفي حوار مع شبكة CNBC الأمريكية، أعلن الرئيس تمسكه بفترتين رئاسيتين مدة كل منهما أربع سنوات، وعدم تأييده تغيير هذا النظام أو تعديل الدستور في تلك الفترة.
أكد عدم التدخل في الأحكام المتعلقة بالفترات الرئاسية، وأن بقاء الرئيس في منصبه ينبغي أن يظل محكومًا بالحدود الدستورية.
ثم جاءت تعديلات 2019، فمست مدة الرئاسة وبعض الأحكام المنظمة للمؤسسات. ولا يُستدعى هذا السجل للطعن في نية المتحدث.
فالدساتير قابلة للمراجعة، وقد تكشف الممارسة عن ضرورة تعديل بعض أحكامها.
وإنما يُستدعى لأنه يبين أن التعهد، أيًا كان صدقه ساعة إعلانه، لا يصنع وحده حصانة، ويعيد طرح السؤال عن العلاقة بين الاختصاص القانوني بالتعديل والقدرة السياسية على توجيه مساره.
فالمادة 226 من الدستور تنظم إجراءات التعديل، وتمنح حق طلبه لرئيس الجمهورية أو لخُمس أعضاء مجلس النواب، وتحدد مراحل الموافقة البرلمانية والاستفتاء الشعبي.
لكنها تضع كذلك قيدًا موضوعيًا صريحًا: لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية أو بمبادئ الحرية والمساواة، ما لم يكن التعديل متعلقًا بالمزيد من الضمانات.
ويكشف هذا القيد أن سلطة التعديل ليست مطلقة؛ فهي سلطة مشتقة من الدستور ومقيدة بأحكامه، بخلاف السلطة التأسيسية الأصلية التي تضعه ابتداءً.
ولا يكفي، لذلك، النظر إلى الإجراءات دون بحث حدود الاختصاص الذي تُمارس في إطاره.⁶
من هنا تثير تعديلات 2019 إشكالية دستورية تتصل بمستويين متمايزين.
فقد عدّلت المادة 140 مدة الرئاسة من أربع إلى ست سنوات، مع الإبقاء على عدم جواز تولي المنصب لأكثر من مدتين متتاليتين.
ثم أضافت المادة 241 مكررًا حكمًا انتقاليًا مدّ الولاية الجارية للرئيس المنتخب عام 2018 إلى ست سنوات من تاريخ إعلان انتخابه، وأجاز إعادة انتخابه لمرة تالية.
فالأثر الأول يتعلق بطول المدة الرئاسية، أما الثاني فيتصل بكيفية تطبيق القواعد الجديدة على الرئيس القائم، وبإمكان إعادة انتخابه،ولا يلزم أن يكون التكييف الدستوري للأثرين واحدًا.
ويمكن، من جهة، القول إن الحظر الوارد في المادة 226 ينصبّ على النصوص المتعلقة بإعادة الانتخاب، لا على مدة الولاية في ذاتها، وإن زيادة هذه المدة لا تخالف القيد ما دام عدد المدد المسموح بها لم يتغير. ووفق هذا الفهم، قد يُنظر إلى الحكم الانتقالي باعتباره تنظيمًا للانتقال بين نظامين دستوريين، مع بقاء مسألة مدى اتساقه مع الحظر الموضوعي قائمة بذاتها.
ومن جهة أخرى، يمكن القول إن الحكم الانتقالي لم يقتصر على تطبيق قاعدة عامة على شاغلي المنصب مستقبلًا، بل أعاد تنظيم المركز الدستوري للرئيس القائم، فمدّ ولايته الجارية ونص على إمكان إعادة انتخابه لمرة تالية.
ووفق هذا الاتجاه، لا يكفي بقاء القيد العددي في المادة 140 لحسم المسألة، إذا كان الحكم الانتقالي قد أثّر في الضمانات التي تحكم إعادة الانتخاب واستمرار شاغل المنصب.
ولا ينحسم الخلاف بمجرد إثبات أن عدد المدد ظل ثابتًا، أو أن الحكم الانتقالي أفاد الرئيس القائم. فالأول لا يحدد وحده نطاق الحظر الوارد في المادة 226، والثاني لا يثبت بمجرده تجاوزه.
وإنما يقتضي الأمر بحث ما إذا كان القيد يشمل الأحكام المنظمة لإعادة الانتخاب في مجموع آثارها، أم يقتصر على القاعدة التي تحدد عدد مرات الانتخاب، ومدى جواز تنظيم انتقال خاص للرئيس القائم.
ويُقرأ ذلك في ضوء وحدة الدستور التي تقررها المادة 227، دون افتراض مخالفة دستورية ثبتت بحكم قضائي، أو اعتبار استيفاء إجراءات التعديل حاسمًا لكل خلاف يتعلق بحدوده الموضوعية.
تزداد أهمية الإشكالية عند الانتقال من وجود القيد إلى إمكان إنفاذه قضائيًا
ففي القضية رقم 76 لسنة 29 قضائية «دستورية»، الصادر فيها الحكم بجلسة أول أكتوبر 2007، أُحيل إلى المحكمة الدستورية العليا نص يتعلق بالإشراف القضائي على الاستفتاء على تعديلات ذلك العام، فطلب بعض الخصوم الحكم بعدم دستورية التعديلات ذاتها.
والتفتت المحكمة عن هذا الطلب، وقررت في أسبابها أن الدستور لا يندرج في مفهوم القوانين الخاضعة لرقابتها، وأن موافقة السلطة التشريعية على التعديل لا تخرجه عن طبيعته الدستورية، فضلًا عن مجاوزة الطلب نطاق حكم الإحالة. ثم قضت برفض الدعوى بالنسبة إلى النص المحال.
وقد صدر هذا القضاء في ظل دستور 1971، وفي إطار ولاية قضائية حددتها نصوصه والقانون المنظم للمحكمة.
وقرر الحكم أن التعديل الدستوري يحتفظ بطبيعته الدستورية، وأن موافقة السلطة التشريعية عليه لا تحوله إلى قانون عادي خاضع للرقابة. وهذه علة مستقلة عن وجود قيود موضوعية على سلطة التعديل أو غيابها.
ولذلك فإن استحداث المادة 226 من دستور 2014 قيدًا موضوعيًا صريحًا يثير سؤالًا جديدًا عن ضمانة احترامه، لكنه لا يكفي وحده للقول باختصاص المحكمة الدستورية العليا برقابة التعديلات.
ويبقى التمييز ضروريًا بين وجود الحد الدستوري ووجود طريق قضائي لإنفاذه.
وعندئذ تتضاعف أهمية الضمانات المؤسسية والسياسية السابقة على إقرار التعديل، دون أن يغني ذلك عن السؤال الفقهي المتعلق بإمكان الرقابة القضائية عليه.⁸
تكشف هذه المسألة ضرورة الفصل بين ثلاثة مستويات
سلامة إجراءات التعديل، واحترام حدوده الموضوعية، والقبول السياسي والمجتمعي للعملية التي ينتج عنها. فقد تستوفي العملية إجراءاتها بينما تظل حدودها الموضوعية محل خلاف، وقد تستوفي الأمرين ويبقى النقاش مشروعًا حول اتساع المشاركة وحرية تداول البدائل.
ولا يغني مستوى عن آخر، فالدستور ليس آلية لإنتاج النصوص فحسب، بل إطار لتنظيم السلطة وحماية الحقوق وضمان المشاركة في تقرير قواعد الحكم.
حين تنعكس الضمانة
غير أن المسألة الأعمق لا تتعلق بتعديل بعينه، بل بكيفية تشكل القدرة على تعديل قواعد الحكم أو الإبقاء عليها. فقد يوزع الدستور الاختصاص بين مؤسسات متعددة، بينما تتفاوت قدرتها الفعلية على المبادرة والمناقشة والتأثير في النتيجة.
وحين تتركز موارد القرار والتنظيم لدى السلطة التنفيذية، يصبح التعديل والامتناع عنه أكثر ارتباطًا بتوجهها.
وليس هذا حكمًا يُستخلص من مجرد صدور مبادرة رئاسية، بل فرضية تُختبر في إجراءات كل تعديل، وطبيعة المناقشات البرلمانية، واتساع المجال العام.
ويمكن اختبارها بمدى استقلال البرلمان، وحرية النقاش المجتمعي، واحترام القيود الدستورية بصرف النظر عن رغبات السلطة.
فالمعيار ليس غياب دور الرئيس عن العملية الدستورية، إذ يمنحه الدستور دورًا صريحًا فيها، وإنما ألا يتحول هذا الدور إلى قدرة منفردة على تحديد ما يجوز طرحه وما لا يجوز.
من هذه الزاوية تكتسب ردود الفعل على التصريح دلالتها الأعمق
فربط احترام الدستور بالتداول السلمي للسلطة، أو بتفعيل أحكامه وتوسيع المشاركة، ينقل النقاش من إعلان الالتزام إلى شروط تحققه.
غير أن هذه المواقف تظل مطالب وتقديرات سياسية، لا دليلًا بذاتها على استقلال المؤسسات.
وسيظهر الاختبار الفعلي في ما تتيحه الحياة السياسية من منافسة، وما يملكه البرلمان من استقلال، ومدى الالتزام بقواعد التداول عند حلول استحقاقها.
ومن هنا ينبغي التمييز بين حماية الدستور وحماية النظام السياسي القائم. وقد أشار الرئيس نفسه إلى تمييز قريب حين فرّق بين تحصين البلد وتحصين الرئيس.
فحماية الدستور تعني صون المبادئ والاختصاصات والضمانات التي تنظم السلطة وتقيدها، ومنها ما تقرره المادة الخامسة من قيام النظام السياسي على التداول السلمي للسلطة والفصل بين السلطات والتوازن بينها.
أما المحافظة على النظام القائم فقد تعني الإبقاء على توازنات نشأت في ظل الدستور، لكنها لا تستمد جميعها حصانة من نصوصه.
ولذلك لا يكون كل اعتراض على تعديل الدستور دفاعًا عن الدستورية، ولا كل دعوة إلى تعديله خروجًا عليها. الفيصل هو مضمون التعديل، وحدود الاختصاص، وسلامة الإجراءات، واحترام الحقوق والضمانات.
تتصل بذلك عبارة التحذير من «العبث بعقول المصريين»
فقد وردت في سياق مواجهة التضليل، ولا يصح انتزاعها منه لتصويرها حظرًا للنقاش الدستوري.
لكن مواجهة التضليل تختلف عن تقييد النقاش باسم حماية المجتمع.
فالمصريون الذين وافقوا على الدستور هم، وفق مادته الرابعة، أصحاب السيادة ومصدر السلطات، ولا تستنفد هذه السيادة معناها في لحظة الاستفتاء.
إنها تفترض استمرار الحق في المعرفة والمشاركة والمساءلة، وفي مناقشة القواعد التي تحكم الدولة ومستقبلها.
ولا يصبح الاختلاف حول الحاجة إلى التعديل عبثًا لأنه يطرح احتمالًا لا تتبناه السلطة، كما لا تصبح الدعوة إلى التعديل تعبيرًا عن الإرادة الشعبية لمجرد رفع شعارها.
ولذلك لا يقاس استقرار الدستور بعدد السنوات التي يبقى فيها دون تعديل، بل بمدى تحول أحكامه إلى قواعد ملزمة في الممارسة.
فالاستقرار الحقيقي لا يعني تجميد القواعد، بل حمايتها من التغيير الذي تمليه المصالح الظرفية، وضمان ألا يكون تعديلها أو الامتناع عنه وسيلة لإعادة ترتيب شروط ممارسة السلطة لمصلحة طرف بعينه.
هنا يعود سؤال الأسبقية الذي بدأ منه المقال.
فليست المشكلة أن الدولة المصرية الحديثة نشأت قبل اكتمال مؤسساتها الدستورية، إذ لا يترتب على هذه الأسبقية وحدها مسار محتوم.
وإنما تكمن المشكلة حين تستمر الموارد المؤسسية التي نشأت في ظل تلك الأسبقية في إعادة إنتاج تفاوت القدرة بين مؤسسات الحكم، فلا تستطيع المؤسسات التمثيلية والرقابية تحويل اختصاصاتها الدستورية إلى قدرة مستقلة على ممارستها.
عندئذ تتوافر الشروط التي قد ينعكس معها اتجاه الضمانة: فبدل أن يكون الدستور ضمانة للمجتمع في مواجهة السلطة، تصبح السلطة ضامنة للدستور في مواجهة مخاوف المجتمع.
ويغدو بقاء القاعدة معتمدًا على تعهد تعلنه الجهة التي يُفترض أن تقيدها القاعدة.
وهكذا قد تتعاقب الدساتير وتتغير النصوص، بينما تستمر المشكلة نفسها: الدستور يُطمأن عليه، لا يُحتكم إليه.
ومن ثم فالسؤال الذي لم تفقده التجربة المصرية منذ بدأت معاركها الدستورية الحديثة هو: كيف تتحول الدولة التي سبقت الدستور إلى دولة يحكمها الدستور؟
لا تكون الإجابة بإضعاف الدولة لحساب النص، ولا بإطلاق قدرة السلطة باسم حماية الدولة، وإنما بإعادة اتجاه الضمانة إلى وضعه الصحيح:
مؤسسات تجعل قوة الدولة وسيلة لإنفاذ الدستور، ودستور يجعل سموه ضمانة لعدم تحول هذه القوة إلى سلطة بلا حدود.
فالتعهد الرئاسي بعدم المساس بالدستور موقف سياسي تُختبر قيمته باتساقه مع الممارسة، واحترام اختصاصات المؤسسات الأخرى، وبقاء المجال العام مفتوحًا للنقاش الدستوري المشروع.
أما حصانة الدستور فلا تتحدد بما يعلنه الحاكم أو بما يلقاه إعلانه من ترحيب، بل بقدرة المؤسسات على إنفاذ أحكامه، وبالحدود التي يفرضها على السلطة حين تحافظ عليه وحين تسعى إلى تعديله.
وعندئذ لا تكون حماية الدستور وعدًا يتوقف على إرادة الحاكم، بل قاعدة ملزمة تحكم ممارسته للسلطة.
شاركنا برأيك