معتز منصور يكتب: رخاؤكم في ضنك اليمن
المشكلة الأساسية أن أمن السعودية لا يمكن بناؤه على إبقاء اليمن ضعيفا، ولا على تحويل حاجته إلى السلام إلى فرصة دائمة للتحكم في قراره. فاليمن المنهك ليس جارًا آمنا بالضرورة، والحرب لا تمحو الجغرافيا ولا تلغي الروابط الاجتماعية والاقتصادية بين البلدين.
البحر الأحمر ليس عاديا في طريق التجارة العالمية من ضيق باب المندب إلى قناة السويس
لا تتوقف أهمية العبارة المنسوبة إلى الملك عبد العزيز آل سعود، «رخاؤكم في ضنك اليمن»، على ثبوت أنه قالها حرفيا، فذلك يحتاج إلى مصدر تاريخي موثق. أهميتها أنها تختصر، بصرف النظر عن صحة نسبتها، سؤالا ظل يرافق العلاقة السعودية اليمنية لعقود: هل تريد الرياض يمنًا مستقرا يمتلك قراره وسيادته، أم يمنًا لا تتجاوز قوته الحدود التي تسمح للسعودية بإدارة أمنها ونفوذها من خلاله؟
لا يمكن اختزال التاريخ اليمني في السياسة السعودية، فاليمن يمتلك تناقضاته الداخلية وصراعات نخبته وتكويناته القبلية والسياسية، كما تدخلت فيه قوى إقليمية ودولية متعددة. لكن الاعتراف بهذه الحقائق لا يعفينا من مساءلة الدور السعودي، ولا يحول دون ملاحظة نمط تكرر في محطات مختلفة: كلما ظهرت إمكانية لبناء مركز يمني مستقل في قراره، عادت حسابات النفوذ والحدود والأمن السعودي لتؤثر في مسار الأحداث.
تعود إحدى المحطات المؤسسة إلى عام 1934، حين انتهت الحرب السعودية اليمنية بمعاهدة الطائف، التي كرست السيطرة السعودية على عسير ونجران وجازان، ونظمت العلاقة الحدودية بين الطرفين. لم تكن المعاهدة مجرد تسوية لنزاع عسكري، بل كانت جزءا من تأسيس ميزان قوة غير متكافئ بين دولة آخذة في التوسع ومملكة يمنية تعاني ضعف مواردها ومؤسساتها. وظلت الحدود، وما ارتبط بها من هواجس أمنية ومطالب تاريخية، حاضرة في حسابات البلدين، فيما بقي اليمن بالنسبة إلى الرياض مساحة لا يمكن التعامل مع تطوراتها بمعزل عن أمن المملكة ونفوذها الإقليمي.
ظهر البعد السياسي لهذه العلاقة بوضوح أكبر بعد ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، التي أطاحت بالحكم الإمامي وأعلنت الجمهورية. لم تقرأ السعودية الثورة بوصفها شأنا يمنيا داخليا فحسب، بل باعتبارها تحولا يمكن أن يغير موازين القوى على حدودها، خصوصا مع دعم جمال عبد الناصر للجمهوريين ومواجهة القاهرة والرياض في صراع إقليمي أوسع. دعمت السعودية الملكيين، فيما دعمت مصر الجمهوريين، فتحولت الحرب الأهلية إلى ساحة تنافس بين مشروعين إقليميين.
كانت المسألة أبعد من خلاف حول شكل الحكم. قيام جمهورية يمنية تتبنى خطابا قوميا وتستند إلى دعم مصري كان يهدد بنقل التأثير الناصري إلى المجال المحيط بالسعودية، بينما كان بقاء الملكيين ينسجم مع مصالح الرياض آنذاك. وقد كشفت تلك الحرب مبكرا أن طبيعة النظام اليمني لم تكن، في الحسابات السعودية، مسألة يقررها اليمنيون وحدهم؛ فحين تعارض التغيير مع مصالح المملكة، لم تتردد في دعم القوى التي تقاومه.
لم ينته هذا المنطق بانتهاء الحرب الملكية الجمهورية، بل اتخذ أشكالا أكثر تعقيدا. وتبقى تجربة الرئيس إبراهيم الحمدي، الذي تولى الحكم عام 1974 وسعى إلى تقوية مؤسسات الدولة والحد من نفوذ مراكز القوى، من أكثر التجارب دلالة. فقد مثّل مشروعه محاولة لبناء سلطة مركزية أكثر قدرة على فرض القانون وتوحيد القرار، في بلد كانت فيه القبيلة والنخب العسكرية وشبكات المصالح تؤدي أدوارا تتجاوز مؤسسات الدولة أحيانا.
اغتيل الحمدي عام 1977، ولم تثبت بصورة قاطعة مسؤولية السعودية عن اغتياله، رغم استمرار الشبهات السياسية بشأن دورها. ومن المهم ألا تتحول الشبهة إلى حقيقة محسومة لمجرد انسجامها مع قراءة سياسية معينة. لكن وثيقة أميركية منشورة ضمن مجموعة العلاقات الخارجية للولايات المتحدة عام 1978 تناولت النفوذ السعودي في اليمن، وأشارت إلى دعم الرياض زعماء قبليين وإلى صعوبات واجهتها الحكومة اليمنية في إخضاع مراكز القوة المستقلة لسلطة الدولة. وهذه دلالة مهمة، لا لأنها تثبت مسؤولية عن الاغتيال، بل لأنها تكشف طبيعة شبكة النفوذ التي أحاطت بالدولة اليمنية، وحدود قدرتها على الاستقلال عن القوى المحيطة بها.
لم يكن المطلوب، في كل مرحلة، إسقاط الدولة اليمنية بالضرورة؛ فقد يكون ضعفها، أو حاجتها المستمرة إلى الوساطة والتمويل والدعم الخارجي، أكثر ملاءمة لإدارة النفوذ من انهيارها الكامل. الدولة القوية تستطيع التفاوض والاعتراض وبناء علاقات خارجية متنوعة، أما الدولة التي تتوزع فيها السلطة بين مراكز متنافسة، فتظل أكثر عرضة للتأثير الخارجي، حتى حين تحتفظ بمؤسساتها وأعلامها ومقعدها الدولي.
جاءت الوحدة اليمنية عام 1990 لتفتح احتمالا مختلفا، إذ جمعت الشمال والجنوب في دولة واحدة بعد عقود من الانقسام. لكن الوحدة لم تُنهِ التنافس على السلطة، وانفجرت الخلافات في حرب عام 1994. تحركت السعودية في تلك المرحلة ضمن حسابات لم تتطابق دائما مع مصلحة بقاء دولة يمنية موحدة تحت سلطة مركزية مستقلة، وتبدلت علاقاتها بالقوى اليمنية تبعا لموازين الصراع ومصالحها الحدودية والإقليمية. ثم أعادت اتفاقية جدة عام 2000 تنظيم الحدود بين البلدين، وفتحت صفحة جديدة في العلاقة الرسمية مع نظام علي عبد الله صالح.
تكشف هذه التحولات أن السياسة السعودية لم تتحرك وفق موقف ثابت من الوحدة أو الانفصال بقدر ما تحركت وفق تقديرها لما يخدم مصالح المملكة. فالوحدة ليست مرفوضة في ذاتها إذا كان النظام القائم قابلا للاحتواء، كما أن القوى الانفصالية أو المحلية ليست حليفا دائما أو خصما أبديا؛ تتغير قيمة كل طرف بقدر ما يتيحه من نفوذ أو يفرضه من قيود.
ثم جاءت حرب عام 2015 لتضع اليمن أمام كارثة أوسع. قادت السعودية تدخلا عسكريا قالت إن هدفه إعادة الحكومة المعترف بها دوليا، لكن سنوات الحرب لم تنتج دولة مستقرة تستعيد سيادتها، ولم تنهِ الصراع. على العكس، تعمقت الأزمة الإنسانية، وتراجعت مؤسسات الدولة، وتعددت مراكز القوة، واتسعت مساحة التدخل الخارجي. وفي الوقت نفسه، ظهرت بوضوح تناقضات المصالح بين السعودية والإمارات، خصوصا في الجنوب وعلى امتداد السواحل والموانئ والجزر الاستراتيجية، حيث دعمت أبوظبي قوى محلية ذات أجندات لا تتطابق بالضرورة مع أهداف الرياض أو مع مشروع الدولة اليمنية الموحدة.
لا يعني ذلك أن كل ما جرى كان خطة واحدة محكمة لتقسيم اليمن، فالمشهد أكثر تعقيدا، والفاعلون اليمنيون ليسوا مجرد أدوات بلا إرادة. لكن النتيجة الملموسة أن الحرب التي رُفعت باسم استعادة الدولة انتهت إلى إضعافها، وأن التدخلات المتنافسة عمقت الانقسام بدل أن تنهيه. وبين الشعار المعلن والنتيجة الفعلية تتحدد قيمة السياسات، لا بما تقوله عن نفسها، بل بما تتركه على الأرض.
وفي هذا السياق، لا يمكن التعامل مع أنصار الله باعتبارهم تفصيلا يمكن تجاهله في أي تسوية، ولا باعتبار أن إنهاء وجودهم بالقوة وصفة مضمونة لاستقرار اليمن. فهم فصيل يمني سياسي مقاوم نشأ وتوسع داخل ظروف يمنية وإقليمية محددة، وأصبح طرفا رئيسيا في معادلة السلطة والحرب. يمكن الاختلاف معهم أو نقد مواقفهم، لكن استقرار اليمن لن يتحقق بإلغاء مكوناته بالقوة، كما لن يتحقق بإخضاع البلاد لإرادة خارجية، أيا كانت الجهة التي تمارسها.
المشكلة الأساسية أن أمن السعودية لا يمكن بناؤه على إبقاء اليمن ضعيفا، ولا على تحويل حاجته إلى السلام إلى فرصة دائمة للتحكم في قراره. فاليمن المنهك ليس جارًا آمنا بالضرورة، والحرب لا تمحو الجغرافيا ولا تلغي الروابط الاجتماعية والاقتصادية بين البلدين. قد تمنح القوة العسكرية تفوقا مؤقتا، وقد تفرض التبعية هدوءا هشّا، لكنها لا تنتج استقرارا قابلا للاستمرار ما دام أحد الطرفين يرى في استقلال الآخر خطرا ينبغي احتواؤه.
لا نحتاج إلى إثبات أن الملك عبد العزيز نطق بعبارة «رخاؤكم في ضنك اليمن» حتى نفهم ما تثيره من أسئلة. الاختبار الحقيقي هو ما تقوله الوقائع: هل تقبل الرياض يمنًا يختار نظامه، ويبني مؤسساته، ويحدد علاقاته الخارجية من دون وصاية؟ أم تريد جارًا لا يبلغ من القوة ما يسمح له بمراجعة شروط العلاقة؟
إن رخاء السعودية واليمن لا يتعارضان بحكم الجغرافيا، بل يمكن أن يتعاضدا عبر حدود مستقرة وتبادل اقتصادي وتعاون يحفظ سيادة الطرفين. أما ربط أمن المملكة بإضعاف اليمن، فليس ضمانة للرخاء، بل وصفة لتجدد الصراع. ولن يخرج اليمن من مأساته ما دامت إرادة أبنائه موضع تفاوض بين القوى الخارجية، ولن تحصل السعودية على أمن دائم ما دامت تتعامل مع استقلال جارتها بوصفه مشكلة ينبغي إدارتها، لا حقا سياسيا يجب احترامه.
شاركنا برأيك