أحمد علام يكتب: لماذا إيران (2) لماذا أفغانستان وليس فلسطين؟
اتجه جزء من الطاقة الإسلامية الفاعلة إلى أفغانستان، كان العالم الإسلامي يشهد تحولًا دينيًا وفكريًا أخر.
لماذا أصبحت إيران هدفا أمريكيا عربيا من قبل الثورة الإيرانية؟
استنزاف الصحوة الإسلامية
هل أصبحت أفغانستان ساحة دولية لإدارة استنزاف الاتحاد السوفيتي فقط؟
أم كانت أيضا ساحة لاستنزاف طاقة الأمة الإسلامية الشبابية الفاعلة والمالية أيضا؟
هنا تبدأ القصة التي لا تحظى بالاهتمام الكافي.
في العالم العربي كان هناك جيل كامل من الشباب الإسلامي المتحمس الذي نشأ في أجواء الصحوة الإسلامية.
كانت أمامه فلسطين المحتلة
كانت هناك أنظمة عربية سلطوية.
كانت هناك قضايا العدالة والاستقلال والتبعية.
ثم أصبحت أفغانستان فجأة القضية الإسلامية الكبرى.
بدأ العلماء والدعاة يتحدثون عن الجهاد الأفغاني.
جُمعت الأموال والذكوات، وفُتحت شبكات السفر، وتكونت مؤسسات لاستقبال المتطوعين.
برزت شخصية الشيخ عبد الله عزام (رحمة الله عليه) الفلسطيني الأصل، الذي أصبح من أهم منظري ودعاة الجهاد الأفغاني، ثم أنشأ مع آخرين مكتب الخدمات الذي ساهم في تنظيم استقبال العرب القادمين إلى الساحة الأفغانية.
هنا يحق لنا أن نسأل سؤالًا لا أن نصدر حكمًا
ماذا كان يعني انتقال جزء من أكثر الشباب الإسلامي حماسة من قلب المجتمعات العربية إلى جبال أفغانستان؟
كان يعني، موضوعيًا، أن طاقة ثورية هائلة أصبحت موجهة إلى عدو خارجي هو الاتحاد السوفيتي.
كان الاتحاد السوفيتي عدو الولايات المتحدة الأول.
وهكذا التقت، ولو لأسباب مختلفة، رغبة الشباب المسلم في الجهاد مع المصلحة الاستراتيجية الأمريكية في استنزاف موسكو.
ليس معنى ذلك أن المجاهد الأفغاني كان «عميلًا لأمريكا».
ليس معنى ذلك أن عبد الله عزام كان يعمل لحساب CIA.
هذه اختزالات وحماقات تفسيرية تفسد التاريخ بدل أن تفسره.
المعنى مختلف:
يمكن لأطراف متعددة أن تدخل الحدث نفسه بدوافع مختلفة تمامًا، بينما تكون المحصلة الاستراتيجية النهائية مفيدة لقوة أكبر تدير جانبًا مهمًا من بيئة الصراع.
السؤال الأصعب: لماذا أفغانستان وليس فلسطين؟
هنا تبرز مفارقة عبد الله عزام نفسه.
رجل فلسطيني، وبلده تحت الاحتلال الإسرائيلي، يصبح أحد أكبر دعاة الجهاد في أفغانستان.
السؤال هنا ليس طعنًا في الرجل ولا في دوافعه.
السؤال تاريخي:
كيف أصبحت أفغانستان، على بعد آلاف الكيلومترات من فلسطين، مركز التعبئة الجهادية الإسلامية الكبرى في الثمانينيات، بينما كانت فلسطين محتلة؟
من الذي امتلك المال؟ من امتلك وسائل النقل؟ من فتح الحدود؟ من أغلقها؟ ومن استطاع تسليح آلاف المقاتلين؟
ومن حدد البيئة السياسية التي جعلت حركة الأموال والبشر إلى أفغانستان ممكنة؟
هذه الأسئلة أكثر أهمية من البحث عن مؤامرة بسيطة يكون فيها شخص واحد جالسًا في واشنطن يحرك الجميع.
في الداخل حدث تحول آخر
بينما اتجه جزء من الطاقة الإسلامية الفاعلة إلى أفغانستان، كان العالم الإسلامي يشهد تحولًا دينيًا وفكريًا أخر.
توسعت، بتمويل خليجي ضخم، مؤسسات ومدارس وكتب ودعاة ينتمون إلى اتجاهات سلفية مختلفة، وانتشرت أدبيات شديدة الاهتمام بتفاصيل العقيدة والبدعة والمظهر والالتزام الفردي، وبمسألة طاعة الحاكم والتحذير من الخروج عليه.
لا يصح وضع كل السلفيين في مدرسة واحدة، ولا القول إن كل هذا النشاط صُنع أمريكيًا.
لكن يصح أن نسأل عن وظيفته السياسية الموضوعية في تلك اللحظة التاريخية.
فالإسلام الذي يسأل: كيف نغير النظام السياسي؟
ليس هو الإسلام السياسي نفسه الذي يجعل السؤال المركزي: هل يجوز الخروج على ولي الأمر؟
الإسلام الذي يسأل: كيف تتحرر الأمة من الهيمنة الأجنبية؟
ليس هو المجال الديني نفسه عندما ينصرف إلى مسائل الهوية المذهبية والمظهر والسلوك الفردي.
هنا ظهر تحول ثالث بالغ الخطورة، من الثورة الإسلامية إلى «الخطر الشيعي»
الخلاف السني–الشيعي لم يبدأ سنة 1979 بالطب، عمره قرون، لكن وجود الخلاف شيء، وتحويله إلى محور تعبئة سياسية إقليمية شيء آخر.
لذلك فالسؤال الصحيح ليس: هل عرف المسلمون الخلاف بين السنة والشيعة قبل الخميني؟
بالطبع عرفوه.
السؤال هو: متى أصبح هذا الخلاف أداة مركزية لفهم الصراع السياسي في المنطقة؟
من المفيد هنا تذكر اليمن في الستينيات
دخلت مصر الناصرية والسعودية في صراع شديد حول الحرب اليمنية، ووقفتا على طرفي نقيض، ومع ذلك لم يكن الخطاب العربي الشعبي آنذاك مبنيًا أساسًا على أن هذا «سني» وذاك «شيعي»
كان الصراع يُقرأ سياسيًا: جمهورية وملكية، ناصرية وسعودية، رجعية وتقدمية، وحرب عربية.
أما بعد الثورة الإيرانية، فقد أخذ البعد المذهبي يكتسب وزنًا سياسيًا متعاظما.
هنا كان للتنافس السعودي–الإيراني دور بالغ الأهمية.
إيران قدمت ثورتها باعتبارها إسلامية عابرة للمذهب، وكان من مصلحة خصومها أن تُقرأ باعتبارها ثورة شيعية فارسية لا نموذجًا إسلاميًا يمكن أن ينتقل إلى مجتمعات سنية.
الفارق بين الصورتين هائل.
في الصورة الأولى يسأل الشاب العربي: هل يمكن أن نسقط التبعية ونقيم نظامًا مستقلًا؟
في الصورة الثانية يسأل: هل هؤلاء شيعة يريدون نشر التشيع؟
لقد تغير السؤال نفسه.
هكذا أعيد تشكيل المجال الإسلامي
إذا جمعنا هذه التحولات معًا، تظهر أمامنا صورة بانوراميه تستحق التأمل.
بعد 1979 ظهرت ثلاثة مسارات كبرى داخل المجال الإسلامي:
مسار ثوري تمثله إيران، يربط الإسلام بتغيير السلطة والاستقلال ومواجهة النفوذ الأمريكي والإسرائيلي.
مسار جهادي أصبح مركز ثقله في أفغانستان ضد الاتحاد السوفيتي.
مسار سلفي سعودي محافظ ازداد حضور تياراته، يعطي أولوية للاستقرار وطاعة الحاكم ومحاربة الثورة والفتنة.
أضيف إلى ذلك كله تصاعد الطائفية: سني في مواجهة شيعي
لا يعني هذا أن جهة واحدة جلست وخططت لهذه الخريطة كاملة، فالتاريخ أكثر تعقيدًا من ذلك.
لكن السياسة الدولية ليست دائمًا صناعة الأحداث، كثيرًا ما تكون فن استثمار الأحداث الموجودة وتوجيه مساراتها. وهذه نقطة جوهرية في فهم الهيمنة الأمريكية.
انتهت أفغانستان… ولكن إيران بقيت
انسحب الاتحاد السوفيتي من أفغانستان.
ثم انهار الاتحاد السوفيتي نفسه.
انتهت الحرب الباردة، وتغير العالم
تغير رؤساء الولايات المتحدة، ومات الخميني، وتغيرت أجيال كاملة في إيران، لكن الصراع الأمريكي–الإيراني لم ينته.
هنا نصل إلى السؤال الذي يقودنا إلى الجزء الثاني:
إذا كان الاتحاد السوفيتي قد اختفى، فلماذا بقيت إيران عدوًا؟
إذا كان البرنامج النووي هو المشكلة، فلماذا بدأ الصراع قبل أن يصبح البرنامج النووي محور الأزمة بعقود؟
إذا كانت المشكلة هي حزب الله، فالصراع بدأ قبل تأسيس حزب الله.
إذا كانت المشكلة هي الصواريخ، فالعداء أقدم من الترسانة الصاروخية الإيرانية الحالية.
إذن هناك شيء أعمق ينبغي البحث عنه
منذ 1979 خرجت إيران من النظام الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة، ولم تعد إليه، ودفعت ثمنًا هائلًا.
حربًا، وعقوبات، عزلة، حصارًا، وصراعات إقليمية.
لكنها بنت في الوقت نفسه قاعدة صناعية وعلمية وعسكرية خاصة بها، ووسعت نفوذها الإقليمي، ودعمت قوى تقاتل إسرائيل، وأصبحت قوة لا تستطيع واشنطن إدارة الشرق الأوسط كما تريد من دون أن تصطدم بها.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي للمقال أكثر وضوحًا:
هل تريد الولايات المتحدة منع إيران من امتلاك قنبلة نووية فقط؟
أم تريد منع ظهور قوة إقليمية مستقلة تستطيع أن تقول لها: لا؟
وهذا هو موضوع المقال الثالث
شاركنا برأيك