يوسف عبد اللطيف يكتب: (أذون الخزانة ) هو احنا بنسد عجز الموازنة ولا بنشتري الموازنة نفسها؟
قال: "المواطن ما يعرفش يعني إيه أذون خزانة.. بس لما الدولة تسحب 100 مليار جنيه من السيولة في يوم واحد، الفلوس دي هي نفسها اللي كانت المفروض تروح قرض لصاحب مصنع النسيج المقفول في آخر الشارع
الدولار يرتفع في مواجهة الجنيه
100 مليار جنيه في يوم واحد
جلس “فهيم بك طراطيعو” على قهوة شعبي، يفرك يديه في حماس، وعيناه تلمعان ببريق الهيبة والجاه،كان يمسك بالجريدة الرسمية.
يقشر ببصره الصفحة الأولى، ثم مال على صديقه “صابر أفندي الغلبان” المتربص بالدنيا بثوبه الرمادي ونظارته المكسورة المربوطة بخيط، وقال بلسان يفيض انتفاخا:
“شوف يا صابر يا خويا.. بيانات البنك المركزي بتقول إن بكرة الأحد، الحكومة هتطرح 100 مليار جنيه أذون خزانة دفعة واحدة! دي فرصة العمر، لو كنت أنا المسؤول عن الدفاتر بكرة، أول قرار آخده إني أشتري الـ 100 مليار دول وأقعد أقبض أرباحي وأنا حاطط رجل على رجل!.
تطلع إليه “صابر أفندي” بنظرة حادة تمزج بين الحزن والتهكم، وهز رأسه أسفا وهو ينفخ دخان جوزته:
“يا فهيم بك يا طراطيعو.. أنت طول عمرك هائم في الأوهام وعقلك في المهلبية! هو احنا بنسد عجز الموازنة ولا بنشتري الموازنة نفسها؟ دي استدانة خاطفة ومستعجلة لتدبير احتياجات عاجلة، مش عزومة على كباب!”
عدل “فهيم بك طراطيعو” ياقة قميصه وقال بثقة العارفين:
“ولكن يا صابر، الأرقام تشرح القلب! الطرح مقسم بذكاء إستراتيجي، 30 مليار جنيه لأجل 91 يوما بتصدر الأحد وبتستحق 5 يناير 2027، و70 مليار ثانية لأجل 273 يوما وتستحق في 6 يوليو 2027، يعني عملية متكتكة ومضبوطة بالتقويم!”
تمتم “صابر أفندي” بنبرة دافئة تمزقها المرارة:
“مضبوطة إيه يا حزين؟ دي الـ 30 مليار الأولى عاملة زي سندوتش الفول السريع، تأكله من هنا، تلتفت تلاقي يناير دخل عليك يطالبك بالدين والفوائد! أما الـ 70 مليار التانية فدي رحلة نعيش بيها للصيف، ونقعد وقتها نفكر هنستدين من مين عشان نسد أصل الدين القديم! الخزانة بقت عاملة زي جيب الموظف في آخر الشهر.. يدخل إيده يدور على الفكة اللي شالها للزمن، يلاقي الزمن هو اللي واقف على الباب بيطالبه بالباقي!”
يوسف عبد اللطيف يكتب: دفتر توفير في طابور المدرسة الصباحي (قصة واقعية يومية)
انضم للحديث “مستثمر بيه المضمون”،وهو يمسك بقلمه الذهبي ويرسم دوائر على المفرش الورقي
وقال مبتسما:
“يا جماعة، انتو مش فاهمين حاجة! الـ 15 بنكا من المتعاملين الرئيسيين بيموتوا في اللعبة دي، أذون تباع بخصم وترد بالقيمة الاسمية كاملة، وضريبة 20% مقدورة عليها، يا بلاش! أين تجد تجارة أضمن من هذا؟ أرباح محجوزة مقدما من غير وجع دماغ!”
التفت إليه “صابر أفندي” وقال بالحسرة ذاتها:
“صحيح الأرقام الرسمية بتقول إن صافي الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي قفز لـ 31.2 مليار دولار في أغسطس، والبنك المركزي لوحده عنده 18.8 مليار دولار، ودي نقطة قوة وصمود للسيولة قدام العالم، لكن المفارقة الساخرة إننا رغم كل الدولارات دي بننزل السوق الأحد الجاي بنستلف 100 مليار جنيه في يوم واحد عشان نسد مصاريف العيش اليومي! قوة في الواجهة، وضعف في السلوك التمويلي اللي بياكل الأرباح قبل ما تتولد!”
سأله “فهيم بك طراطيعو” ببراءة: “وطيب والمواطن البسيط يا صابر.. إيه علاقته بال100 مليار دي؟”
تنهد “صابر أفندي” ونظر إلى الشارع، ثم أشار بأصبعه وقال:
“المواطن ما يعرفش يعني إيه أذون خزانة.. بس لما الدولة تسحب 100 مليار جنيه من السيولة في يوم واحد، الفلوس دي هي نفسها اللي كانت المفروض تروح قرض لصاحب مصنع النسيج المقفول في آخر الشارع أو ورشة الجلود اللي بركودها حرم شباب المنطقة من اللقمة! لما البنوك تسلف الحكومة المضمونة، المصنع يغلق أبوابه، والإنتاج يقل، والتاجر يرفع سعر السلعة لتغطية الفائدة، فيصحى الغلبان يلقى جنيهه اللي كان بيشتري بيه كيلو الطماطم أمس، بقى بيشتري نص كيلو بس، لأننا اقترضنا عشان نسدد، ثم اقترضنا عشان نسدد اللي اقترضناه!”
مشهد على هامش الحوار
أغلق عم “كامل” الترزي دكانه الصغير مجاور القهوة، وجمع خيوطه الملونة ومقصه الصادئ في صرة قماشية قديمة، ثم وقف يطالع جاره العاجز عن دفع ثمن تصليح بنطاله العتيق، وهز رأسه صامتا وهو يطفئ القنديل.
في شارع المظلومين، لا أحد يقرأ نشرات أذون الخزانة، لكن الجميع يشعرون بثقل الخزينة عندما ينحني الظهر للشراء، فيا خزانة المظلومين.. كم من مليار يقترض باسمك، وظهر المواطن هو الذي ينحني للضريبة
شاركنا برأيك