حمادة إمام يكتب: الطريق إلى كامب ديفيد (2) السادات جاء منفردا
واصل بيجين كلامه: " السادات لم يجئ، إلينا مفوضًا من أحد،فهو لم يستشر زملاءه من الملوك والرؤساء العرب قبل أن يجيء إلينا.
ذهب السادات إلى إسرائيل وحيدا واستغل بيجن الفرصة
الكتاب الأبيض بيان الخارجية المصرية
البيان الختامي الذي أصدرته وزارة الخارجية وحمل عنوان »الكتاب الأبيض« كان بيانًا دبلوماسيًا بمعني كان بيانًا خاليًا من الحقيقة ولم يقل كل شيء عن الدوافع والأسباب التي أجبرت السادات علي قبول التصديق علي معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية ضاربًا بكل قواعد الأمن القومي عرض الحائط.
وجاء البيان الدبلوماسي بمقدمة تبريرية ربطت قبول مصر التوقيع علي الاتفاقية برغبتها دعم بناؤها الاقتصادي في عهد السلام.
إن كانت الحقيقة التي كشفتها مذكرات الذين عاصروا مفاوضات كامب ديفيد مثل كارتر وبطرس غالي ومحمد إبراهيم كامل قد كشفت الجانب الآخر أو الخفي من دوافع وأسباب قبول السادات الدخول في المعاهدة وأن شرط قبول إسرائيل لتوقيع اتفاقية سلام كان مقابل تنازل مصر علي برنامجها النووي وإنقاذ جيمي كارتر من السقوط في انتخابات الرئاسة الأمريكية.
وإذا كان »الكتاب الأبيض« للخارجية المصرية قد تحدث عن الظروف التي واجهت مصر عام 1981، فإنها لم تذكر هذه الظروف وإن كان الكلام عنها ووضعها في سياقها التاريخي كفيلاً بذاته أن يسقط كل أوراق التوت من فوق أجساد كل الذين تآمروا علي حلم مصر النووي.
في أواخر شهر يوليو 1978، توجه إلي إسرائيل »موريس أميتاي« مدير مؤسسة »آبياك« AIPAC (لجنة العلاقات العامة الأمريكية ــ الإسرائيلية) وهي المؤسسة الممثلة لقيادة الحركة الصهيونية واليهودية بصفة عامة في الولايات المتحدة، ويشار إليها عندما يرد علي الألسنة تعبير »اللوبي الصهيوني« في أمريكا.
حمادة إمام يكتب: فى الطريق الى الكامب (1) السادات تنازل عن البرنامج النووى
كان »اميتاي« يحمل معه من أمريكا صورة مقلقة لحيرة الحركة الصهيونية واليهودية في الولايات المتحدة.
فمعظمهم مبهور مأخوذ بمبادرة السادات والإدارة الأمريكية وعلي رأسها الرئيس كارتر نفسه يحلون عليهم كل يوم بأن بيجين لم يقدم رد إسرائيل بعد علي هذه المبادرة.
ثم إن الرئيس السادات أصبح في أمريكا نجمًا تليفزيونيًا، وصورته علي كل البرامج الإخبارية توحي بأنه فعل كل ما في استطاعته وأكثر، ولكنه لم يتلق حتي الآن ردًا مناسبًا.
والصحف الأمريكية الصادرة صباحًا ومساءَ في الولايات المتحدة تتحدث كلها عن احتمالات خطرة علي نظامه، إذا لم يحدث شيء يثبت للناس أن زيارته التاريخية لم تكن مجرد مشهد تليفزيوني انطفأ وغابت ألوانه وأصواته.
وأحس »بيجين« أن الصورة التي نقلها »اميتاي« يحتمل أن تؤثر علي عدد من ساسة إسرائيل وبينهم بعض أقرب المساعدين إليه.
وكان طلبه الذي نقل إلي »اميتاي« هو دعوة القلقين والمترددين من زعماء الحركة الصهيونية في أمريكا إلي لقاء عاجل وخاص معه يعقد في مصيف “نهاريا”
أقبلت الطائرات بركابها تقطع الأجواء بسرعة حاملة أقطاب
المؤسسة في الولايات المتحدة. وأمام جمعهم المتلهف جلس »مناحم بيجين« يشرح تصوراته. والشاهد أنه كان محاميًا يترافع عن قضية درسها بعناية.
وقد بدأ بيجين فقال: إنه سمع عن قلق القادة والزعماء اليهود الأمريكيين، وهو يستطيع أن يتفهم دواعي قلقهم،لكنه يطلب منهم في هذه المرحلة الدقيقة ألا يتحول قلقهم ليصبح عنصرًا ضاغطًا عليه وعلي حكومة إسرائيل ثم استطرد:
“إن هناك من يقولون: إنني أضعت وقتًا طويلاً، وأنا لا أعتقد أن هناك وقتًا ضاع وإنما أظن أن استراتيجيتنا تمضي كما رسمنا. ولدّي لبيان ذلك عنصران:
أولهما: إنني أفضل أن يدرك الرئيس السادات بالتجربة، وخطوة خطوة، أنه إذا أراد اتفاقًا معلنًا لهذا الاتفاق لا يجب أن يكون إلا اتفاقًا مصريًا ــ إسرائيليًا فقط.
إنه بدأ معنا، وهو يطالب بالانسحاب الكامل من يهودا والسامرة، بل ويطلب منا العودة إلي تقسيم القدس.
وهذا من وجهة نظري ــ وأرجو أن تكونوا متفقين معي فيه ــ مستحيل ولست أن الرجل الذي يسمح بضياع الحلم التاريخي لإسرائيل.
ثم إن الشعب الإسرائيلي انتخبني علي أساس برنامج محدد معروف للكافة، وهو برنامج يقوم علي كامل أرض إسرائيل، ونحن لا نريد من مصر إلا أن يدرك السادات أنه ليس أمامه معنا غير سلام منفرد يوقعه نيابة عن مصر ــ وفقط.
واستطرد »بيجين« يقول : »إن الرئيس السادات قد قرر أن يجيء إلي القدس وهو علي اطلاع كامل بالنسبة لسياسة الحكومة التي أرؤسها.
وقد أعدت تأكيد خطوة هذه السياسة في نفس الوقت الذي وجهت فيه الدعوة إليه لأنني لم أشأ أن أترك شيئًا للمصادفات.
وإذن، فقد جاء الرجل وهو يعرف ما يمكن أن يحصل عليه عندنا، وإذا كانت آماله قد دفعته إلي تصور ما هو أكثر.
فذلك ليس ذنب إسرائيل، ولا ذنب الحكومة، ولا ذنبي، وليس أمامنا إلا أن نعطيه الفرصة لكي يتوصل بنفسه إلي هذه الحقيقة.
إننا قلنا ما عندنا علنا في برنامجنا الانتخابي، وقلناه في بيانات الحكومة. وقلناه في جلسات المفاوضات بيننا، ولم نخف شيئًا”
واصل بيجين كلامه:
” السادات لم يجئ، إلينا مفوضًا من أحد،فهو لم يستشر زملاءه من الملوك والرؤساء العرب قبل أن يجيء إلينا.
الرئيس الوحيد الذي استشاره وهو الأسد، رفض صراحة أن يعطيه تفويضًا بالحديث نيابة عنه.
إذن، فإنه جاءنا وحده، وإذا كان يريد اتفاقًا معنا فهو سيوقعه وحده وبالنيابة عن بلده وحده،والانتظار الذي يقلق منه بعضكم هو ــ في واقع الأمر ــ فرصة ضرورية لترك الحقائق تستقر في عقل السادات وحتي تجيء تصرفاته متسقة مع هذه الحقائق.
ثانيًا: إن السادات هو الذي يجب أن يكون في عجلة من أمره وليس نحن. فهو قد رهن مستقبله السياسي بالمبادرة التي قام بها وفق حساباته.
وكان هو الذي أعلن بنفسه أنه سوف يقدم استقالته ويعتزل إذا فشلت مبادرته.
ولا أظنكم تختلفون معي في تقديري بأنه ليس هناك سياسي عربي مستعد للاستقالة أومستعد للاعتزال إذا فشل.
والحقيقة التي أعترف بها:
السادات لم يفشل، وإنما هو نجح في مبادرته وذلك ليس بالطريقة التي يتصورها، إنه فتح الطريق بهذه المبادرة إلي اتفاق مصري ــ إسرائيلي.
ولم يكن له أي حق في أن يتجاوزها ما يتعدي ذلك، وإذا أراد أن يبقي في السلطة وأن يبقي في الأضواء فعليه هو وليس علينا نحن ــ أن يمشي في مبادرته إلي خاتمتها الطبيعية وهو الذي يجب أن يتعجل ذلك وليس أنا”
انتقل »بيجين« إلي موقف الرئيس الأمريكي »كارتر« فقال:
“إن الرئيس كارتر قد يكون هو الآخر في عجلة من أمره لأسباب انتخابية،وأنا أقول لكن بصراحة إن موقفي لن يتأثر بجدول أعمال الرئيس الأمريكي لأن مستقبل أرض إسرائيل ليس بندًا مطروحًا في الانتخابات الأمريكية، وإنما هو أمر يتقرر هنا”
ختم »بيجين« كلامه قائلا
إنه أراد أن يضع ما عنده أمام زعماء الحركة الصهيونية واليهودية في أمريكا لكي يساعدوا إسرائيل ولا يساعدوا عليها، وهذه مسئوليتهم التاريخية.
إن »ناحوم جولدمان« وهو ينقل بعض ملامح ما جري في هذه الجلسة للمستشار النمساوي برونو كرايسكي عقب قائلا:
إن بيجين في هذه الجلسة أدي مرافعة عمره وكتب قضيته أمام محلفين كانوا علي استعداد للتعاطف معه رغم وساوس سابقة خطرت لهم”
التعليقات مغلقة على هذا المقال.