عزت إبراهيم يكتب: لا عودة للحرب بين أمريكا وإيران
ليس معنى ذلك أن أمريكا تخلت عن استخدام القوة، المعنى أن القوة أصبحت تعمل بصورة متزايدة داخل استراتيجية مساومة أوسع، بدلا من أن تكون الحرب في حد ذاتها هي النهاية المطلوبة.
الرئيس الأمريكي بدا مضطربا في الأمم المتحدة بين التهديد بالحرب والوصول إلى اتفاق
مؤشرات تقول أن عودة العمليات العسكرية بين أمريكا وإيران بات أمرا صعبا للغاية رغم التوتر العالي المستوي وفي ظل تناقل أخبار عن لقاءات أمريكية- إيرانية في نيويورك
الأشهر السبعة من الحرب غيرت حسابات القوة والكلفة لدى واشنطن وطهران ودول الخليج في الوقت نفسه.
الحرب نفسها بددت الفكرة التي بدأت بها، وهي أن التفوق العسكري الأمريكي يمكن أن ينتج تسوية سياسية سريعة.
عندما بدأت العمليات في 28 فبراير كان الافتراض الأمريكي أن الضغط العسكري المكثف سيضع طهران أمام خيار سريع بين قبول الشروط الأمريكية أو تحمل خسائر لا تستطيع الاستمرار معها.
بعد قرابة سبعة أشهر لا تزال القضايا الجوهرية نفسها بلا حل نهائي:
البرنامج النووي، والعقوبات، وحرية الملاحة في هرمز، والوجود العسكري الأمريكي، ومستقبل علاقة إيران بشبكتها الإقليمية.
قالت رويترز في 22 سبتمبر أن واشنطن وطهران ما زالتا تتبادلان التهديدات، وفي الوقت نفسه تبحثان إمكان العودة إلى التفاوض.
الدرس الذي يصعب تجاهله في أي قرار أمريكي مستقبلي هو أن النجاح في إصابة الأهداف الإيرانية لا يعني تلقائيا القدرة على فرض نهاية سياسية للحرب.
إيران بدورها اكتشفت أن القدرة على إطالة الحرب تختلف عن القدرة على الانتصار فيها.
أظهرت طهران أنها تستطيع الاحتفاظ بأدوات ضغط مؤثرة
تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، استهداف منشآت وقواعد، الاستفادة من امتداد الأزمة إلى البحر الأحمر واليمن، ورفع تكلفة الحرب الاقتصادية على خصومها.
صحيفة Financial Times وثقت في الأيام الأخيرة حجم التحول القسري في التجارة الإيرانية من البحر إلى الطرق البرية، مع اختناقات لوجستية وتكاليف مرتفعة وضغوط تضخمية شديدة داخل إيران.
لذلك يصبح الاحتفاظ بأوراق الضغط أكثر فائدة لطهران من استخدامها باستمرار إلى درجة استنزاف الاقتصاد الإيراني نفسه.
أقوى مؤشر جديد هو أن مضيق هرمز بدأ يتحول من ساحة حرب إلى ورقة تفاوض.
نقلت رويترز في 22 سبتمبر عن مسؤول إيراني رفيع أن بلاده تستطيع إعادة فتح المضيق خلال سبعة أيام إذا خففت الولايات المتحدة الضغط العسكري ورفعت حصارها عن الموانئ الإيرانية.
أهمية الخبر تتجاوز تفاصيل العرض الإيراني، فهو يعني أن طهران تنظر إلى سيطرتها على حركة الملاحة باعتبارها أصلا تفاوضيا يمكن مبادلته بمكاسب سياسية وأمنية، وليس هدفا يجب الاحتفاظ به إلى الأبد.
عندما تدخل أهم ورقة استراتيجية إيرانية إلى المساومة، تصبح التسوية أكثر فائدة من استمرار الحرب بالنسبة للطرفين.
حديث ترامب نفسه بدأ يعكس هذه الازدواجية بين التهديد والرغبة في الوصول إلى نهاية
في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 سبتمبر استخدم الرئيس الأمريكي لغة شديدة تجاه إيران، ودعا إلى زيادة عزلتها اقتصاديا، إلا أنه قال أيضا إنه يتوقع الوصول إلى اتفاق بعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
ونقلت رويترز وAssociated Press في اليوم نفسه أن الإدارة لا تغلق باب التفاوض، وأن وزير الخارجية ماركو روبيو أبدى استعدادا للحوار.
ليس معنى ذلك أن أمريكا تخلت عن استخدام القوة، المعنى أن القوة أصبحت تعمل بصورة متزايدة داخل استراتيجية مساومة أوسع، بدلا من أن تكون الحرب في حد ذاتها هي النهاية المطلوبة.
الحرب أثبتت للبنتاجون أن مشكلة الذخائر أخطر من مشكلة الأموال
كشفت رويترز في 15 سبتمبر، استنادا إلى تقرير مكتب الميزانية في الكونجرس CBO، أن الولايات المتحدة أنفقت نحو 38 مليار دولار على الحرب حتى أول أغسطس، وأن استمرارها يمكن أن يضيف ثلاثة مليارات دولار شهريا.
الأهم أن معظم الكلفة العسكرية ارتبط بالاستهلاك السريع للذخائر، وأن تعويض بعض المخزونات قد يستغرق نحو خمس سنوات.
كما أشارت رويترز إلى أن الولايات المتحدة استخدمت فعليا معظم مخزونها من بعض الصواريخ بعيدة المدى عالية الدقة. هذه الخبرة ستدخل بالضرورة في حساب أي رئيس أمريكي يفكر لاحقا في إعادة فتح الحرب مع إيران.
لهذا أصبحت حرب إيران مرتبطة مباشرة بالمنافسة مع الصين، وهي نقطة ربما تكون أكثر تأثيرا من كلفة الحرب المالية نفسها.
تقرير CBO الذي نقلته رويترز حذر من أن النقص في الصواريخ الاعتراضية والذخائر الدقيقة يمكن أن يضعف استعداد الولايات المتحدة لمواجهة أزمة كبرى أخرى، وذكر تحديدا احتمالات تتعلق بالصين وتايوان.
المعادلة الأمريكية هنا واضحة
كل صاروخ يستخدم في حرب طويلة في الشرق الأوسط هو جزء من مخزون لا يصبح متاحا بصورة فورية في المحيطين الهندي والهادئ.
لذلك يمكن أن تدفع أولوية الصين الاستراتيجية واشنطن مستقبلا إلى فرض سقف أكثر صرامة على حجم أي مواجهة جديدة مع إيران.
الاقتصاد الأمريكي جعل استمرار الحرب أكثر ارتباطا بالسياسة الداخلية مما كان عليه في بدايتها.
أظهر استطلاع Reuters/Ipsos المنشور في 21 سبتمبر تراجع معدل تأييد ترامب إلى 32 في المئة، بينما أصبحت تكلفة المعيشة والحرب الإيرانية من بين القضايا التي تثقل تقييم الجمهور للإدارة.
وانخفض التأييد له بين الجمهوريين أنفسهم من 82 إلى 73 في المئة خلال أسبوع وفقا للاستطلاع.
لا يعني هذا أن الرأي العام يمنع رئيسا أمريكيا من استخدام القوة، لكنه يعني أن الدخول مجددا في حرب طويلة ستكون له كلفة سياسية داخلية يمكن قياسها بسرعة أكبر مما كان عليه الأمر في بداية الصراع.
أسعار الوقود حولت الحرب من قضية بعيدة في الشرق الأوسط إلى مشكلة يشعر بها الناخب الأمريكي بصورة يومية.
كتبت رويترز في 18 سبتمبر أن أسعار الديزل القياسية أصبحت نقطة ضغط سياسية خطيرة قبيل انتخابات التجديد النصفي، مع تجاوز سعر الجالون ستة دولارات في بعض المؤشرات الأمريكية وارتفاع الأسعار العالمية للمنتجات المكررة.
كما ربطت الوكالة بين اضطرابات الشرق الأوسط وانخفاض طاقات التكرير وارتفاع تكاليف النقل والزراعة والصناعة.
عندما تمتد الحرب من شاشات الأخبار إلى تكلفة نقل الطعام والبضائع، يصبح الحفاظ على حرب طويلة أكثر صعوبة لأي إدارة.
مضيق هرمز أظهر أنه يستطيع نقل الصراع الإيراني إلى قلب الاقتصاد العالمي خلال أيام.
أوضح تقرير رويترز عن كلفة الحرب أن نحو خمس النفط العالمي كان يمر عبر المضيق قبل اندلاع القتال، وأن تعطيل التدفقات رفع أسعار الطاقة وألقى بتداعيات مباشرة على التضخم العالمي.
وفي 20 سبتمبر سجلت رويترز تراجعا حادا في أسعار النفط بمجرد تحسن التوقعات بشأن إمكان استئناف الاتصالات الأمريكية ـ الإيرانية.
هذا التفاعل الفوري للأسواق يجعل خفض التصعيد مصلحة لا تخص واشنطن وطهران وحدهما.
بدأ الكونجرس يتحول من متفرج على الحرب إلى قيد سياسي متزايد على استمرارها.
ذكرت Associated Press في 16 سبتمبر أن مجلس النواب صوت للمرة الثالثة لصالح قرار بموجب صلاحيات الحرب يسعى إلى وقف العمليات العسكرية الأمريكية غير المصرح بها ضد إيران، ومر القرار بأغلبية 220 صوتا مقابل 204، وانضم سبعة جمهوريين إلى الديمقراطيين.
صحيح أن هذه التحركات لم تنجح حتى الآن في فرض نهاية للحرب بسبب قدرة الرئيس على مقاومتها أو استخدام الفيتو، إلا أن تكرار التصويت واتساع الانشقاق الجمهوري يغيران البيئة السياسية التي سيجري فيها أي قرار مستقبلي بإعادة الحرب.
الأكثر دلالة أن المعارضة للحرب لم تعد مقصورة على الديمقراطيين أو التيار الانعزالي التقليدي.
تابعت Associated Press انتقال نائبين جمهوريين يمثلان دوائر تنافسية في آيوا إلى تأييد قرار وقف العمليات، بعد أن كانا يعارضانه في السابق، وأشارت إلى أن أعضاء جمهوريين آخرين يسمعون اعتراضات متزايدة داخل دوائرهم الانتخابية.
كما ذكرت رويترز في 21 سبتمبر أن مرشحين جمهوريين لمجلس الشيوخ طالبا بإنهاء الحرب بسرعة.
هذا لا يمثل انقلابا جمهوريا شاملا على سياسة ترامب، لكنه يكشف أن الكلفة السياسية للحرب أصبحت موجودة داخل الحزب نفسه.
فشلت الحرب في البقاء محصورة بين أمريكا وإيران، وهذه خبرة تجعل تكرارها أكثر خطورة.
خلال الشهور الماضية امتدت التداعيات إلى السعودية واليمن والبحر الأحمر ومضيق باب المندب وأسواق الطاقة.
وفي سبتمبر تقدم الحوثيون على الساحل اليمني واستولوا على المخا ومناطق استراتيجية أخرى، بينما تعرضت السعودية لسلسلة من الهجمات والإنذارات الأمنية.
هذه الخبرة أظهرت أن فتح جبهة ضد إيران يمكن أن ينتج سلسلة أزمات جانبية يصعب على واشنطن التحكم في توقيتها أو اتجاهها.
واشنطن بدأت بالفعل تحاول فصل هذه الجبهات بعضها عن بعض بدلا من دمجها في حرب إقليمية واحدة.
كشفت رويترز في 16 سبتمبر أن مسؤولين أمريكيين عقدوا اجتماعا سريا مع ممثلين عن الحوثيين في مسقط، رغم تصنيف الحركة منظمة إرهابية من جانب إدارة ترامب ورغم تقدمها العسكري الأخير.
وأبلغ الحوثيون الجانب الأمريكي، بحسب مصادر رويترز، أنهم سيواصلون الالتزام بعدم استهداف السفن الأمريكية والإسرائيلية وفقا لترتيبات سابقة.
الأهم أن واشنطن لم تستجب لطلب سعودي بالتدخل العسكري المباشر ضد الحوثيين. هذا السلوك يعكس محاولة احتواء انتشار الحرب أكثر مما يعكس استعدادا لتوسيعها.
دول الخليج خرجت من الحرب باستنتاج مختلف عن الفكرة التقليدية القائلة إن مزيدا من الضغط العسكري الأمريكي سيحل المشكلة الإيرانية.
نشرت Financial Times في 21 سبتمبر تقريرا مهما تحت عنوان Gulf states urge reset with Iran as conflict drags on، أشارت فيه إلى دعوة قطر لإنشاء إطار أمني إقليمي يشمل إيران، وحديث المستشار الإماراتي أنور قرقاش عن الحاجة إلى «عقلية جديدة»، إلى جانب طرح سعودي لفكرة ترتيبات إقليمية لعدم الاعتداء.
هذا التحول لا يعني اختفاء الشكوك الخليجية تجاه إيران، وإنما يعكس اقتناعا متزايدا بأن الأمن الدائم لا يمكن بناؤه على الحماية العسكرية الخارجية وحدها.
تغير الموقف الخليجي قد يكون أحد أكبر العوائق أمام حرب أمريكية جديدة في المستقبل
أي حملة أمريكية واسعة ضد إيران تحتاج إلى قواعد ومطارات وموانئ ومنشآت لوجستية ومسارات جوية وأجهزة إنذار مبكر في الخليج.
وإذا أصبحت الأولوية لدى الحكومات الخليجية منع أراضيها ومنشآتها من التحول مجددا إلى ساحات للحرب، فستصبح الحسابات الأمريكية العسكرية والسياسية أكثر تعقيدا.
تقرير Financial Times الأخير أظهر أن الإمارات وقطر والسعودية تبحث، بدرجات مختلفة، عن آليات للتعامل المباشر مع إيران، لا عن ترك العلاقة معها مرهونة بالكامل بمسار الصراع الأمريكي ـ الإيراني.
بدأت الولايات المتحدة ودول الخليج التفكير في تغيير البنية الجغرافية التي منحت إيران هذه القدرة الاستثنائية على الضغط.
كشفت Financial Times في 22 سبتمبر عن مقترح لإنشاء صندوق استثماري أمريكي ـ عربي بقيمة أولية تبلغ نحو عشرة مليارات دولار لتطوير البنية التحتية وخطوط الطاقة القادرة على تقليل الاعتماد على مضيق هرمز، مع إمكان توسع الاستثمار إلى مبالغ أكبر.
إذا تطورت هذه المشروعات، فقد ينخفض تدريجيا الدافع الأمريكي إلى استخدام الحرب لمنع إيران من تهديد هرمز، لأن جزءا من الاستراتيجية سيصبح تقليل أهمية الورقة الإيرانية نفسها.
دخلت الصين للمرة الأولى بصورة أوضح في إدارة تداعيات الحرب، وهو ما يضيف قوة أخرى إلى معسكر منع الانفجار الإقليمي
ذكرت رويترز في 18 سبتمبر أن بكين، بناء على طلب سعودي، طلبت من إيران استخدام نفوذها للحد من هجمات الحوثيين على منشآت النفط السعودية. استجابة الأسواق كانت سريعة، فانخفضت أسعار النفط.
الصين تعتمد على إمدادات الطاقة الخليجية ولها علاقات اقتصادية وثيقة مع إيران والسعودية في الوقت نفسه، ولذلك فإن مصلحتها الأساسية هي منع هرمز وباب المندب من التحول إلى منطقتي اضطراب دائم.
وجود الصين في هذه المعادلة يزيد عدد القوى الكبرى التي لديها مصلحة مباشرة في احتواء جولة الحرب المقبلة قبل أن تبدأ.
الحرب أنتجت معرفة متبادلة أكثر واقعية بحدود الردع
إيران عرفت أن الولايات المتحدة تستطيع إلحاق أضرار عسكرية شديدة بها، والولايات المتحدة عرفت في المقابل أن إيران تستطيع تحويل الرد إلى مشكلة إقليمية واقتصادية ممتدة، من هرمز إلى القواعد الأمريكية وأسعار الوقود وشبكات الملاحة.
لا يعني ذلك وجود توازن عسكري بين الطرفين؛ الفارق في القدرات التقليدية ما زال كبيرا. الذي تغير هو إدراك كلفة تحويل التفوق الأمريكي إلى نتيجة سياسية نهائية.
ويمكن قراءة استمرار التهديدات إلى جانب قنوات الاتصال، كما تظهر تقارير رويترز في 22 سبتمبر، باعتباره بداية لهذا النوع من الردع المتبادل غير المتكافئ.
سقوط فرضية «الحرب القصيرة» ربما يكون الإرث الاستراتيجي الأهم للصراع الحالي.
بدأت الحرب في 28 فبراير، وكانت التصريحات الأمريكية المبكرة توحي بإمكان حسمها خلال فترة قصيرة، إلا أنها دخلت شهرها السابع وفتحت أزمات جانبية في الملاحة والطاقة واليمن والسعودية.
وأشارت Associated Press في تقريرها عن تصويت الكونجرس إلى المفارقة بين الوعود المبكرة بحرب قصيرة وبين امتداد القتال وتبادل الصواريخ على مدى شهور. في أي أزمة أمريكية ـ إيرانية مقبلة سيكون من الأصعب إقناع صانع القرار بأن الضربة الأولى ستظل ضربة منفردة أو أن التصعيد يمكن التحكم فيه بسهولة بعد بدايته.
إذا انتهت الحرب الحالية، فالأرجح أن العلاقة لن تنتقل إلى سلام تقليدي وإنما إلى صيغة أكثر خشونة من السلام وأقل خطورة من الحرب المفتوحة.
التقارير الأخيرة لـرويترز وFinancial Times تشير إلى ملامح هذه الصيغة: إيران تحتفظ بأوراق هرمز والنفوذ الإقليمي، الولايات المتحدة تحتفظ بالوجود العسكري والعقوبات والقدرة على الضرب، دول الخليج تبني مسارات تفاوض مباشرة مع طهران، وعمان وقطر تؤديان دور الوسيط، بينما يجري البحث عن بدائل جغرافية لمسارات الطاقة المعرضة للضغط الإيراني.
ستكون هناك أزمات وتهديدات وربما ضربات محدودة، إلا أن الجميع سيملك أسبابا أقوى لمنعها من التحول إلى حرب أخرى تستمر شهورا.
لذلك لا يبدو السيناريو الأكثر أهمية بعد الحرب هو «المصالحة» بين واشنطن وطهران، وإنما بناء قواعد غير مكتوبة لإدارة العداء. آخر ما نشرته رويترز في 22 سبتمبر يلخص هذا التناقض:
ترامب يطالب بتشديد العزلة الاقتصادية على إيران ويحتفظ بخيار القوة، وفي الوقت نفسه يتحدث عن اتفاق بعد انتخابات نوفمبر، وإيران ترفض التخلي عن أدوات الضغط وتلوح بالرد إذا استؤنفت العمليات، وفي الوقت نفسه تعرض إعادة فتح هرمز مقابل تنازلات أمريكية.
هذه ليست مقدمات صداقة، وإنما مقدمات مساومة تحت التهديد، قد يصبح هدفها الأساسي منع أي طرف من تجاوز النقطة التي تعيد الجميع إلى حرب شاملة.
الخلاصة التي تجمع هذه التطورات هي أن الحرب لم تنه الصراع الأمريكي ـ الإيراني، لقد رفعت كلفة إدارته عسكريا.
واشنطن تخرج منها أكثر وعيا بكلفة الذخائر والطاقة والصين والسياسة الداخلية، وطهران أكثر وعيا بكلفة الحصار والاستنزاف الاقتصادي، ودول الخليج أكثر اقتناعا بأنها لا تستطيع تحمل حرب دورية بين القوتين على أراضيها وممراتها البحرية.
النتيجة المرجحة ليست سلاما أمريكيا ـ إيرانيا، وإنما استمرار الخصومة في ظل قواعد تمنعها قدر الإمكان من التحول إلى حرب شاملة.
وبعد تجربة الأشهر الماضية، أصبح الطرفان يعرفان أن بدء الحرب أسهل كثيرا من إنهائها، وأن جولة جديدة قد تعيد إنتاج الأزمات نفسها من دون ضمان نتيجة أفضل.
شاركنا برأيك