لأول مرة رواية (محاكمة المرايا) للدكتور محمد فؤاد
مع اقتراب منتصف الليل، كانت التعليقات تتكاثر مثل موجات صغيرة تتبع بعضها بعضًا، وكل موجة تدفع الرجل في الشقة رقم 12 خطوة إضافية نحو زاوية ضيقة داخل نفسه

حصريا في آخر الكلام
رواية : محاكمة المرايا
اعترافات قبل السقوط
بقلم الدكتور محمد فؤاد
شبرا لا تنام… هي فقط تغيّر وضعية جسدها، كما تفعل القطط حين تشمّ خطرًا لا يُرى.. شبرا حيٌّ بُني على فكرة الاحتمال: أرمني يفتح دكانًا صغيرًا ويكتب الأسعار بقلم رصاص كي يمحوها سريعًا، يوناني يعلّق أيقونة فوق ماكينة قهوة قديمة، قبطي يطرق جرس الكنيسة في توقيتٍ لا يتصادم مع أذان الفجر، ومؤذن يمدّ الأذان فوق الأسطح كخيطٍ يشدّ السماء إلى الأرض.
مصانع قديمة صنعت طبقةً وسطى كانت تحلم ببيانو في الصالون… ثم باعه الورثة، ثم صار مكانه جهازًا يلتقط الواي فاي أقوى من اللازم.
والآن… حتى الحلم نفسه تغيّر سعره
في السنوات الأخيرة كانت شبرا تتعلم لغة جديدة: لغة “الترتيبات”. ترتيبات المرور، ترتيبات العيش، ترتيبات الدواء، ترتيبات الأسعار التي لا تقف عند سقف. الناس هنا لا يتحدثون عن السياسة إلا كأحوال جوّ: “الدنيا رايحة على فين؟” ثم يضحكون ضحكة قصيرة ويعودون إلى سعيهم كأن السؤال ترف .. لكن شبرا، رغم كل شيء، كانت تعرف قاعدة واحدة كي تستمر:
لا تفتح الأدراج القديمة .. الدرج القديم ليس خشبًا؛ هو ذاكرة .. والذاكرة في مدينة متعبة… تُباع بسهولة .. في الساعة 11:43 مساءً فُتح درج، ولم يكن أحد يعلم أن الأمر سيبدأ بهذه البساطة المخادعة؛ مجرد إشعار صغير ارتجفت له الهواتف فوق الموائد الخشبية، وعلى حواف النوافذ، وبجوار وسائدٍ ما زالت تحتفظ بحرارة أصحابها. لم يصدر صوت مختلف عن بقية الإشعارات التي تملأ الليل عادةً، ولم تتغير رائحة الشوارع ولا حركة الهواء بين العمارات، لكن شيئًا غير مرئي بدأ يتسرب، كقطرة حبر سقطت في كوب ماء صافٍ وبدأت تنتشر ببطء حتى تغير لونه بالكامل.
ظهر المنشور بعنوان هادئ: “اعتراف رقم 1 – شبرا”. لم يكن الحساب معروفًا، ولا يحمل اسمًا ذا دلالة، ولا صورة شخصية واضحة؛ مجرد ظل رقمي، كأنه تعمّد أن يكون بلا ملامح. غير أن النص نفسه كان على درجة من البرودة والتنظيم جعلته يبدو أقرب إلى تقرير إداري منه إلى اعتراف مذنب يبحث عن غفران. لم يكن فيه صراخ، ولا دفاع، ولا محاولة تبرير طويلة، بل جمل قصيرة محسوبة، تشير ولا تصرّح، تلمّح أكثر مما تكشف، وتترك للقارئ مهمة استكمال المشهد. كانت الكلمات كافية لتحديد الإطار: “كنت أبتسم في عزاء أخي، وأقيس المسافة بيني وبين زوجته كأنني أقيس قبري ..قلت لنفسي: الحزن ضعف بشري، والله يغفر للضعفاء”
في القهوة القريبة من شارع جانبي، حيث يجلس رجال تجاوزوا الخمسين يتبادلون أخبار الغلاء ويستعيدون حكايات المصانع التي أغلقت أبوابها منذ سنوات، قرأ أحدهم المنشور بصوت منخفض، فتجمع الآخرون حوله لا بدافع الفضول وحده بل بدافع شيء أعمق، إحساس بأنهم أمام لحظة لن تمر عادية. لم يكن السؤال الأول “من كتب؟” بل كان “من المقصود؟” وكأن الفاعل أقل أهمية من الضحية، أو من الجسد الذي سيُعلّق عليه الذنب. الحروف الأولى التي ذُكرت كانت كافية لإشعال شبكة من التخمينات الصامتة، فالحي الذي يعرف وقع خطوات بعضه في السلالم لا يحتاج إلى اسم كامل كي يكوّن صورة شبه مكتملة.
في الشقة رقم 12، كان الرجل الذي تشير إليه الحروف يجلس وحده أمام شاشة تلفاز تعمل بلا صوت، يتابع صورًا متحركة لا تدخل إلى وعيه، حين بدأ هاتفه يهتز برسائل قصيرة لا تحمل تفسيرًا واضحًا. فتح أول رسالة فوجد سؤالًا مبتورًا، ثم رسالة أخرى تحمل رابطًا، ثم ثالثة تقول فقط: “قول إنه كذب.” وعندما فتح المنشور وبدأ القراءة شعر بشيء يشبه انزلاقًا داخليًا، كما لو أن الأرض التي يقف عليها فقدت ثباتها فجأة. لم تكن المشكلة في الفكرة العامة، فقد كان يعرف أن البشر يخطئون وأن الأفكار العابرة لا تُعدّ جرائم، بل في الدقة المقلقة للتفاصيل؛ تلك اللحظة في العزاء حين رفع عينيه أكثر مما ينبغي، تلك الثانية التي ظن أنها مرت دون شاهد، تلك الرغبة التي أقنع نفسه أنها لم تتجاوز الخيال. كان النص لا يبالغ، لكنه لا يرحم، يصف دون انفعال، كأن من كتبه لم يكن غاضبًا بل منتظرًا.
خارج الشقة، كان الحي يتبدل ببطء من كيان كبير مترامي الأطراف إلى قرية ضيقة تتنفس على إيقاع خبر واحد. امرأة في الطابق الرابع أغلقت هاتفها ثم فتحته مجددًا، ورجل كان يحسب مصروفات الشهر ترك أرقامه معلقة وانتقل إلى قراءة التعليقات، وشاب في بداية الثلاثينيات أعاد نشر الرابط في أكثر من مجموعة وهو يكتب جملة حذرة توحي بالصدمة ولا تكشف عن شماتة دفينة. لم يكن أحد يصرخ، ولم يخرج أحد إلى الشارع، لكن شبكة خفية من الأحكام بدأت تتشكل، أحكام لا تحتاج إلى قاضٍ ولا إلى دليل مادي، لأنها تستند إلى شعور جماعي بأن الذنب حين يُكتب يصبح حقيقة، حتى لو لم يُثبت.
مع اقتراب منتصف الليل، كانت التعليقات تتكاثر مثل موجات صغيرة تتبع بعضها بعضًا، وكل موجة تدفع الرجل في الشقة رقم 12 خطوة إضافية نحو زاوية ضيقة داخل نفسه. حاول أن يقنع ذاته بأن الصمت أفضل، وأن الرد سيشعل النار أكثر، لكنه أدرك في لحظة واضحة أن اللعبة لم تعد في يده، وأن الصمت نفسه صار جزءًا من السرد، مادة خامًا يمكن تشكيلها ضدّه. وعندما ظهر تعليق جديد من الحساب يقول: “الصمت أيضًا اعتراف”، شعر أن الجملة لم تُكتب للجميع، بل كُتبت له وحده، وأنها وُضعت بعناية لتسدّ آخر منفذ يمكن أن يهرب منه.
صعد إلى السطح دون أن يعلن قراره، كما لو أنه يجرّب مجرد الابتعاد قليلًا عن الجدران التي ضاقت، وكان السلم القديم يحمل وقع خطواته كما حمل آلاف الخطوات قبله، لكن هذه المرة كان الصعود مختلفًا، مشبعًا بإحساس مراقبة لا يرى مصدره. في الأعلى، بدت القاهرة ممتدة ككتلة صامتة، لا تكترث باعتراف فردي ولا بسقوط محتمل، غير أن الحي الصغير أسفل قدميه كان قد حسم أمره، حتى لو لم يقل ذلك صراحة. لم يكن الرجل يفكر في الموت بقدر ما كان يفكر في الغد، في النظرات التي ستلاحقه، في الهمسات التي ستستمر حتى لو خفتت على الشاشات، في العبارة التي ستلتصق باسمه كلما ذُكر. أحيانًا لا يسقط الإنسان لأن خطيئته عظيمة، بل لأن صورته بعد الفضيحة تصبح أثقل من أن يحملها.
حين سقط، كان الصوت أقصر من التعليقات التي سبقته، وأقل ضجيجًا من الحكم الذي صدر عليه دون جلسة استماع. في الصباح، كان الدم داكنًا على الأسفلت، وكانت الهواتف قد سبقت سيارات الإسعاف، وانتقلت القصة من نص إلى صورة، ومن صورة إلى يقين شبه كامل بأن العدالة الأخلاقية قد أُنجزت. غير أن السؤال الذي لم يُطرح بجدية ظل معلقًا في الهواء: من كتب؟ ولماذا الآن؟
بعد ساعات قليلة، نشر الحساب جملة جديدة تقول: “بعض الاعترافات تحتاج جسدًا كي تكتمل.” لم تكن الجملة تبريرًا ولا اعتذارًا، بل إعلانًا باردًا عن نجاح تجربة ما، كأن النص لم يكن اعترافًا بل أداة، وكأن السقوط لم يكن نتيجة بل مرحلة في مخطط أكبر. وفي مكان ما، بعيدًا بما يكفي ليبقى خارج دائرة الشبهة، كانت شاشة تعرض أرقامًا تصعد بانتظام، ونسب تفاعل تتجاوز التوقعات، وصوت هادئ يقول إن المرحلة الأولى انتهت، وإن درجًا آخر ينتظر أن يُفتح.
أما شبرا، التي كانت تعرف قديمًا أن الستر ضرورة للبقاء، فقد وجدت نفسها أمام زمن جديد لا يكتفي بفتح الأدراج، بل يعيد ترتيب محتوياتها على مرأى الجميع، ويقيس أثر كل اعتراف كما لو أنه يقيس نبض مدينة كاملة، مدينة بدأت تكتشف متأخرة أن العار لم يعد شعورًا خاصًا، بل مادة قابلة للإدارة.
كان الصباح قد ابتلع آثار الليل تدريجيًا، وغُسلت البقعة الداكنة على الأسفلت بالماء، وعاد الباعة إلى أماكنهم كأن الحي قرر أن يطوي الصفحة سريعًا، لكن شيئًا لم يُطوَ فعلًا. كانت الوجوه تتجنب النظر طويلًا في عيون بعضها، والهمسات أقصر من المعتاد، وكأن الجميع يخشى أن يلتقط اسمه في الهواء قبل أن يكتمل نطقه.
الهاتف الذي أطلق الشرارة الأولى ظل صامتًا لساعات، كأنه استنفد دوره، وكأن الحساب اختفى بعد أن أدى مهمته، وهذا الصمت كان أثقل من المنشور نفسه؛ لأن الناس يعرفون كيف يواجهون الضجيج، لكنهم لا يعرفون كيف يواجهون الاحتمال.
في المساء، حين بدأت المدينة تستعيد إيقاعها المعتاد، وحين ظن البعض أن ما حدث لن يتكرر، ظهر إشعار صغير جديد… لم يكن منشورًا هذه المرة، ولم يكن عامًا، بل رسالة خاصة وصلت إلى هاتفٍ واحد فقط .. لم تحتوِ على اتهام .. لم تحتوِ على اسم..
كانت جملة قصيرة: “أحيانًا يكون ما لم يُكتب أخطر”
قرأها صاحب الهاتف وهو جالس إلى مائدة العشاء مع أسرته، فتوقف عن المضغ دون أن ينتبه أحد، ورفع عينيه ببطء كما لو أن أحدًا ناداه باسمه من مكان لا يُرى. لم يكن قد ارتكب جريمة واضحة، ولم يكن يظن أن في حياته ما يستحق النشر، لكنه شعر فجأة أن الذاكرة نفسها يمكن أن تُستخدم ضده، وأن اللحظات التي مرت عابرة قد تعود مكتوبة بصيغة أخرى.
في تلك اللحظة، في مكان آخر من الحي، انطفأ نور شرفة فجأة، وأُغلقت نافذة بعجلة، وبدأ شعور غامض ينتشر، لا يشبه الشماتة هذه المرة، بل يشبه الترقب… كأن المدينة كلها أدركت أنها لم تشهد حادثة فردية، بل اختبارًا لم تفهم قواعده بعد.
لم يظهر اعتراف جديد .. لم يُذكر اسم آخر .. لكن الإحساس كان واضحًا:
الدرج الذي فُتح مرة .. لم يُغلق
(إلى لقاء والفصل الثاني )
رابط المقال المختصر:





