علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
تقارير
محمد كمال
محمد كمال

كاتب وباحث حقوقي

بتسيلم: مشروع إسرائيلي متسارع لتفكيك الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية

هو توصيف يستخدمه «بتسيلم» لوصف منظومة مترابطة من السياسات والممارسات في الضفة الغربية، تشمل العنف، وتقييد الحركة، والخنق الاقتصادي، والتفكيك الاجتماعي والسياسي، والاستيلاء على الأرض والحيز، ويرى التقرير أنها تعمل مجتمعة على تفكيك شروط الوجود الفلسطيني.

مشاركة:
حجم الخط:

قال مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة بتسيلم إن السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية تعمل،

وفق توصيفه، ضمن منظومة متكاملة تستهدف تفكيك الشروط التي تتيح للفلسطينيين الحفاظ على وجودهم كجماعة،

محددًا خمسة محاور رئيسية تشمل العنف، وتقييد الحركة،

والخنق الاقتصادي، والتفكيك الاجتماعي والسياسي، والاستيلاء على الأرض والحيز.

ويأتي التقرير في ظل تصعيد يقول المركز إنه تسارع منذ نهاية عام 2022، وبوتيرة أكبر منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.

14 سبتمبر/أيلول 2026

وضع مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة بتسيلم ما يجري في الضفة الغربية

ضمن إطار أوسع من الانتهاكات المنفصلة، معتبرًا أنها تشكل، بحسب تقريره الجديد،

منظومة مترابطة تستهدف الشروط المادية والاجتماعية والسياسية للوجود الفلسطيني.

التقرير، الذي يحمل عنوان مشروع المحو: إلغاء إسرائيل للوجود الفلسطيني في الضفة الغربية،

يرى أن هذه الممارسات تعمل وفق ما يسميه منطق المحو؛ أي تفكيك مقومات وجود الفلسطينيين كجماعة مستقلة،

بالتوازي مع ترسيخ السيطرة الإسرائيلية والوجود الاستيطاني.

وتشير معطيات منشورة بالتزامن مع التقرير إلى أن «بتسيلم» استند في عمله إلى أكثر من 2000 إفادة سجلها

لفلسطينيين منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، إضافة إلى عقود من توثيق انتهاكات حقوق الإنسان.

بعد ألف يوم من الحرب.. الضفة الغربية تواجه تصعيدًا غير مسبوق

منطق المحو.. تغيير شروط الوجود

ينطلق التقرير من مفهوم المؤرخ باتريك وولف حول الاستعمار الاستيطاني،

ويستخدم مصطلح «المحو» للإشارة إلى المساس بالشروط التي تسمح للفلسطينيين بالحفاظ على وجود جماعي مستقل.

ويشمل ذلك، وفق التقرير، الأرض والمؤسسات واللغة والثقافة والروابط الاجتماعية والقيادة والذاكرة المشتركة.

ويرى «بتسيلم» أن إعادة تنظيم الحيز الجغرافي تسهم في جعل السيطرة الإسرائيلية والوجود اليهودي أكثر استمرارية،

بينما يصبح الوجود الفلسطيني، وفق توصيفه، أكثر تجزؤًا وهشاشة وتبعية.

ويضع التقرير هذه السياسات ضمن بنية أوسع يصفها بأنها نظام أبارتهايد قائم على التفوق اليهودي بين نهر الأردن والبحر المتوسط.

وهذا توصيف تحليلي وقانوني يتبناه التقرير، وليس حكمًا مستقلًا صادرًا عن جهة قضائية في المادة المصدرية.

رفض دولي لخطط الضم الإسرائيلي في الضفة الغربية وتحذير من تقويض حل الدولتين

«خطة الحسم».. الإطار الذي يستند إليه التقرير

يبرز التقرير ما يعرف بـ**«خطة الحسم»** التي نشرها بتسلئيل سموتريتش عام 2017،

باعتبارها وثيقة تساعد، من وجهة نظر «بتسيلم»، على فهم هذا التوجه.

ويقول التقرير إن الخطة تضع أمام الفلسطينيين ثلاثة خيارات: العيش تحت التفوق اليهودي مع التخلي عن المطالب الوطنية،

أو الرحيل، أو مواجهة القمع بالقوة في حال المقاومة.

ويربط التقرير بين هذا التصور وبين ما يقول إنه انتقال بعض مكوناته إلى السياسات والممارسات الرسمية على الأرض.

وتدعم تقارير منشورة بالتزامن مع صدور الدراسة هذا الربط باعتباره جزءًا من الحجة الأساسية التي يقدمها «بتسيلم».

خمسة محاور لـ«مشروع المحو»

يحدد التقرير خمسة محاور مترابطة يقول إنها تعمل معًا وتؤثر كل منها في الأخرى.

أولًا: العنف وبث الرعب

يصف «بتسيلم» المحور الأول بأنه توسيع لاستخدام القوة القاتلة، والانتقال من الاقتحامات المتفرقة إلى أنماط أكثر تدميرًا،

بما يشمل ـ وفق التقرير ـ استخدام القصف الجوي والآليات الثقيلة في المناطق السكنية والمخيمات.

كما يتحدث عن تزايد التداخل بين الجيش والمستوطنين، من خلال تسليح المستوطنين وإدماجهم في أطر عسكرية رسمية،

إلى جانب ما يصفه باعتداءات تقع تحت حماية القوات الرسمية.

ويشير التقرير كذلك إلى اقتحامات المنازل ليلًا، والتعذيب في مراكز الاحتجاز والتحقيق،

والعنف الجنسي والإذلال، إضافة إلى التمثيل بالجثامين أو احتجازها. وهذه كلها وقائع وتوصيفات كما يوردها التقرير.

ثانيًا: تقييد الحركة والتنقل

يتحدث التقرير عن منظومة واسعة من الحواجز والعوائق التي يقول إنها تضم أكثر من 900 عائق مروري وحاجز وبوابة وسدة ترابية.

ويقول إن هذه المنظومة تقطع أوصال القرى والمدن وتفرض حالة مستمرة من عدم اليقين على السكان.

كما يتناول جدار الفصل ومنطقة التماس، والقيود المفروضة على وصول الفلسطينيين إلى الأراضي والمنازل،

إلى جانب شبكة الطرق والمعابر التي يقول التقرير إن بعضها مخصص للمستوطنين.

وتؤكد التغطية المنشورة بالتزامن مع التقرير أن مسألة القيود على الحركة تمثل أحد محاور «مشروع المحو» الخمسة.

ثالثًا: الخنق الاقتصادي

يضع التقرير الاقتصاد الفلسطيني في قلب منظومة الضغط.

ويشير إلى إلغاء تصاريح العمل لأكثر من 140 ألف عامل في الخط الأخضر عقب أكتوبر/تشرين الأول 2023،

وما يربطه بذلك من ارتفاع البطالة والفقر.

كما يتناول احتجاز أو تأخير تحويل أموال المقاصة إلى السلطة الفلسطينية،

وتأثير ذلك على السيولة والرواتب، إلى جانب القيود على التعاملات المصرفية بالشيكل.

ولا يقتصر الأمر، وفق التقرير، على حركة الأموال والعمل، بل يشمل أيضًا البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية،

مثل المياه والكهرباء والصرف الصحي والزراعة، مع الإشارة إلى استهداف قطاعات الزيتون والعنب والمواشي

والدفيئات ومصادرة الأراضي الرعوية.

رابعًا: التفكيك الاجتماعي والسياسي

يرى التقرير أن الضغط على الوجود الفلسطيني يمتد إلى المجال السياسي والاجتماعي.

ويتحدث عن تجريم وقمع العمل السياسي والجمعيات، وإغلاق أو نزع الشرعية عن منظمات حقوق الإنسان

والنقابات واللجان الشعبية، إضافة إلى ملاحقة الناشطين والصحفيين.

كما يتناول المؤسسات التعليمية والجامعات، والرقابة على الكتب والمناهج، واستهداف وكالات دولية،

وفي مقدمتها الأونروا، باعتبار ذلك جزءًا مما يصفه بضرب الوعي والذاكرة الجماعية.

ويشير كذلك إلى التضييق على الرموز الوطنية الفلسطينية، وإلى ما يصفه بتغيير الوضع القائم في الأماكن الدينية

والتضييق على المصلين، ومنها المسجد الأقصى.

خامسًا: التطهير العرقي والاستيلاء على الحيز

يتناول التقرير في محوره الخامس الأدوات التي يقول إنها تستخدم لإعادة تشكيل السيطرة على الأرض.

ومن بينها إعلان مساحات من الأراضي باعتبارها «أراضي دولة» أو «مناطق عسكرية مغلقة»

أو «مناطق إطلاق نار» أو «محميات طبيعية»، إلى جانب سياسات التخطيط وهدم المنازل.

كما يتحدث عن تغييرات في هيكل الإدارة ونقل صلاحيات إلى جهات مرتبطة بالاستيطان،

إضافة إلى مشروع «تسوية الأراضي» لتسجيل الملكيات باسم الدولة.

ويربط التقرير كذلك بين البؤر الزراعية الاستيطانية والعنف ضد التجمعات البدوية والرعوية،

ويقول إن ذلك أسهم في تهجير عشرات التجمعات الفلسطينية وتفتيت التواصل الجغرافي بينها.

من الانتهاكات المنفصلة إلى منظومة واحدة

الخيط الأساسي في التقرير هو أن هذه المحاور لا تعمل، وفق «بتسيلم»، بصورة مستقلة.

فالعنف، بحسب التحليل الوارد فيه، يعزز التهجير؛ والقيود على الحركة تضغط على الاقتصاد والحياة الاجتماعية؛

والخنق الاقتصادي يضعف قدرة السكان على الصمود؛ بينما يؤدي تفكيك المؤسسات والمجال السياسي

إلى إضعاف قدرة المجتمع الفلسطيني على تنظيم نفسه والدفاع عن حقوقه.

وفي المقابل، يؤدي الاستيلاء على الأرض وتوسيع السيطرة إلى إعادة تشكيل الحيز الجغرافي بطريقة يقول التقرير

إنها تعزز الوجود الاستيطاني وتدفع الفلسطينيين إلى مزيد من التجزؤ.

وتشير التغطية الفلسطينية للتقرير إلى أن «بتسيلم» يعتبر هذه العناصر أجزاء من آلية واحدة، لا مجرد أحداث منفصلة.

العلاقة بين الضفة الغربية وقطاع غزة

يربط التقرير بين ما يجري في الضفة الغربية والتحولات التي طرأت على الممارسات العسكرية الإسرائيلية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وبحسب التقرير، انتقلت إلى الضفة بعض الأساليب التي استخدمت في قطاع غزة، بما فيها القصف الجوي،

والتدمير الواسع للمناطق السكنية والبنية التحتية، وتشديد استخدام القوة العسكرية والتهجير الجماعي.

ويذهب «بتسيلم» إلى أن غزة والضفة يمثلان، وفق تحليله، مسارين مختلفين ضمن مشروع واحد يستهدف

قدرة الفلسطينيين على الحفاظ على وجودهم كشعب.

التوصيف القانوني

في الجانب القانوني، يخلص التقرير إلى أن تراكم الممارسات التي يرصدها يشكل،

وفق توصيفه، جريمة أبارتهايد باعتبارها جريمة ضد الإنسانية، إلى جانب انتهاكات مرتبطة بحظر الضم والنقل

القسري وحق تقرير المصير.

وتوضح التغطية المنشورة حول التقرير أن «بتسيلم» يشير أيضًا إلى القانون الدولي وإلى الرأي الاستشاري

لمحكمة العدل الدولية الصادر في يوليو/تموز 2024 بشأن عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة.

«منظومة حصانة».. لماذا يستمر الوضع؟

لا يربط التقرير استمرار هذه الممارسات بالسياسات الميدانية وحدها، وإنما يتحدث عن «منظومة حصانة»

يقول إنها توفر غطاءً قانونيًا ومؤسسيًا يؤدي إلى إفلات واسع من العقاب والمحاسبة.

ويرى أن ذلك يسمح بتحويل العنف والسيطرة إلى ممارسة متكررة وجزء من الحياة اليومية.

ماذا يطالب «بتسيلم»؟

يرى التقرير أن الإصلاحات الجزئية أو إجراءات «إدارة الصراع» لا تعالج، من وجهة نظره، البنية التي تنتج هذه الممارسات.

وبدلًا من ذلك، يدعو إلى إنهاء نظام الأبارتهايد والسيطرة العسكرية، والاعتراف بالحقوق الفردية والجماعية

والسياسية للفلسطينيين، بما في ذلك حقهم في تقرير المصير.

وتشير التغطية الفلسطينية للتقرير كذلك إلى دعوته المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات تتجاوز التعامل مع الاستيطان

وعنف المستوطنين وهدم المنازل ومصادرة الأراضي باعتبارها أحداثًا منفصلة.

الخلاصة

يقدم تقرير «مشروع المحو» قراءة تقوم على جمع خمسة مسارات رئيسية في إطار واحد:

العنف، وتقييد الحركة، والخنق الاقتصادي، والتفكيك الاجتماعي والسياسي، والاستيلاء على الأرض والحيز.

وبحسب «بتسيلم»، فإن خطورة هذه السياسات لا تكمن في كل ممارسة على حدة،

وإنما في تراكمها وترابطها وتأثيرها المشترك في شروط الحياة الفلسطينية.

ومن هنا ينتقل التقرير من توثيق الانتهاكات إلى طرح سؤال أوسع: هل تعمل هذه الممارسات مجتمعة

على إعادة تشكيل الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية؟

إجابة «بتسيلم» هي نعم؛ إذ يعتبر أن المطلوب ليس إدارة آثار هذه السياسات،

وإنما تغيير البنية التي تنتجها وإنهاء السيطرة العسكرية، مع ضمان الحقوق الفردية والجماعية للفلسطينيين

 

 

شارك المقال:

شاركنا برأيك