تقرير: كواليس الأمم المتحدة ومعارك الشرق الأوسط خلف المنصة
رفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سقف اللغة بصورة حادة. اتهم إسرائيل بمواصلة الانتهاكات في غزة والضفة، وانتقد عجز الأمم المتحدة عن وقف الصراعات، وقال إن المنظمة أُضعفت إلى درجة أصبحت معها غير قادرة على أداء مهمتها الأساسية في حفظ السلام والأمن
تبابينت الكلمات على منصة الأمم المتحدة وبقيت غزة وإيران حاضران في القاعة
لم تكن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد خطب تتعاقب على منصة واحدة، بل مسرحًا مفتوحًا لتحركات واتصالات ورسائل جانبية ومواجهات دبلوماسية امتدت من القاعة إلى أروقة نيويورك.
وبين كلمات الرؤساء، واللقاءات المغلقة، والانسحابات والاعتراضات، ومحاولات الوساطة والضغط، ظهر الشرق الأوسط باعتباره أحد أكثر الملفات سخونة وحضورًا، من غزة وإيران إلى سوريا ولبنان والخليج.
نيويورك تفتح دفتر الحروب.. من تهديد ترامب لإيران إلى حصار إسرائيل بالكلمات
لم تحتج الدورة الحادية والثمانون للجمعية العامة للأمم المتحدة إلى وقت طويل كي تتحول منصة نيويورك من ساحة للحديث التقليدي عن التنمية والمناخ وإصلاح النظام الدولي إلى مرآة مكبرة لحروب الشرق الأوسط.
ففي الساعات الأولى من المناقشة العامة يوم 22 سبتمبر 2026، انتقلت الكلمات من التحذير من انهيار قواعد النظام الدولي إلى التهديد بالحرب، ثم إلى غزة والضفة الغربية وسوريا وإيران ومضيق هرمز ولبنان.
بدا أن كل زعيم جاء إلى المنصة وفي حقيبته تعريف مختلف لكلمة «السلام»
واشنطن تحدثت عن السلام من موقع القوة، والأردن وتركيا وقطر ركزت على القضية الفلسطينية، بينما دفعت فرنسا وبريطانيا باتجاه ربط أمن إسرائيل بقيام دولة فلسطينية واحترام سيادة دول المنطقة.
كان الأمين العام أنطونيو غوتيريش قد وضع الإطار العام قبل كلمات الزعماء عندما حذر من «تتابع» الصراعات في الشرق الأوسط، مطالبًا بوقف القتال وتدفق المساعدات واستعادة حرية الملاحة، ومؤكدًا أن حل الدولتين يتعرض لخطر التلاشي.
ترامب رابع المتحدثين.. الدبلوماسية وفي الجيب الآخر التهديد
جاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رابعًا في ترتيب المتحدثين بعد الأمين العام ورئيس الجمعية العامة والرئيس البرازيلي، وكانت إيران الحاضر الأثقل في الجزء المتعلق بالشرق الأوسط.
دافع ترامب عن الحملة الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، ولوّح بإمكانية «إبادة» إيران إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، لكنه في الوقت نفسه تحدث عن توقعه إمكان الوصول إلى تسوية.
ربط ذلك بالمرحلة التالية لانتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر. كما طالب الدول بتشديد العزلة الاقتصادية على طهران، مع التأكيد مجددًا أن واشنطن لن تسمح لها بامتلاك سلاح نووي.
في الملف الفلسطيني قدم ترامب خطته الخاصة بغزة باعتبارها إطارًا للتهدئة وإعادة البناء، وأشاد بالدول المنضمة إلى ما يسمى «مجلس السلام».
وهكذا حمل الخطاب رسالة مزدوجة:
باب تفاوض مفتوح من جهة، وقوة عسكرية جاهزة للاستخدام من جهة أخرى. وبعد الخطاب أكد ترامب أن الاتصالات مع الإيرانيين ما زالت مستمرة وأنه يعتقد بإمكان الوصول إلى تسوية.
الملك عبدالله بعد ترامب مباشرة.. غزة والضفة قضية واحدة
بعد ترامب مباشرة صعد الملك عبدالله الثاني إلى المنصة في الترتيب الخامس، فوضع الملف الفلسطيني في قلب كلمته.
حذر العاهل الأردني من التعامل مع غزة والضفة الغربية كملفين منفصلين، معتبرًا أنهما وجهان لأزمة سياسية واحدة تهدد إمكان قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، ودعا المجتمع الدولي إلى الانتقال من «إدارة الصراع» إلى معالجته سياسيًا وفق القانون الدولي وحل الدولتين.
تكتسب الكلمة أهميتها من موقع الأردن الجغرافي والسياسي؛ فعمّان تنظر إلى التوسع الاستيطاني وتغيير الوقائع في الضفة باعتبارهما ملفين يرتبطان مباشرة بالأمن الإقليمي والأردني، وليس مجرد تطورات فلسطينية داخلية.
أردوغان سادسًا.. الهجوم ينتقل إلى إسرائيل والأمم المتحدة
في الترتيب السادس، رفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سقف اللغة بصورة حادة.
اتهم إسرائيل بمواصلة الانتهاكات في غزة والضفة، وانتقد عجز الأمم المتحدة عن وقف الصراعات، وقال إن المنظمة أُضعفت إلى درجة أصبحت معها غير قادرة على أداء مهمتها الأساسية في حفظ السلام والأمن.
كما أكد استمرار دعم أنقرة لإقامة دولة فلسطينية وانتقد استمرار المعاناة الإنسانية في غزة.
بذلك تغير اتجاه المواجهة من التهديد الأمريكي لإيران إلى مساءلة إسرائيل والمنظومة الدولية التي سمحت باستمرار الحرب.
أمير قطر ثامنًا.. هرمز وغزة على الطاولة نفسها
ثم جاء أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في الترتيب الثامن. ركز على مسارين مترابطين: الحرب مع إيران وأزمة غزة.
وصف منطقة الخليج بأنها تمر بمرحلة شديدة الخطورة، ودعا إلى إعادة فتح المسار الدبلوماسي وإعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز، مؤكدًا أن الأزمة لا يمكن حلها بصورة مستدامة بالقوة العسكرية وحدها.
وفي القضية الفلسطينية قال إنه لا يمكن الحديث عن نظام دولي عادل بينما تظل فلسطين «نقطة عمياء» داخله.
وصف ما جرى في غزة بأنه إبادة جماعية، وهو توصيف سياسي وقانوني تتبناه قطر ودول وجهات أخرى بينما ترفضه إسرائيل، وما زالت قضية الإبادة أمام محكمة العدل الدولية دون حكم نهائي في موضوعها.
ماكرون الرابع عشر.. «السلام على الورق» لا يكفي
وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المنصة في الترتيب الرابع عشر. ركز على مبدأ رفض المعايير المزدوجة، وربط بين سيادة لبنان وسوريا وحقوق الفلسطينيين وأمن إسرائيل.
وانتقد الفجوة بين إعلان خطط السلام وبين الواقع الإنساني في غزة، كما شدد على أن الاستيطان والتطورات في الضفة تهدد الحل السياسي.
في الوقت نفسه طالب باحترام حرية الملاحة في مضيق هرمز ودعم سيادة لبنان وتمكين الدولة السورية من استعادة وحدتها وسيادتها.
بريطانيا في ختام اليوم.. دعم إسرائيل لا يعني قبول كل سياساتها
في الجلسة المسائية، جاء رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في الترتيب الثلاثين أكد بيرنهام أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني وباطل.حذّر من أن المشروع الاستيطاني الإسرائيلي “E1” يقسم الضفة الغربية ويهدد بجعل إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة أمراً بعيد المنال.
أشار إلى أن بريطانيا اتخذت إجراءات حاسمة بـ حظر تجارة السلع مع المستوطنات غير القانونية، وفرض عقوبات على المشاركين في بنائها ودعمها. وأكد تمسك لندن بحل الدولتين.
هكذا انتهى اليوم الأول: واشنطن تلوح بالقوة ضد طهران، وعواصم عربية وإقليمية تعيد فلسطين إلى مركز المنصة، وأوروبا تحاول رسم مساحة بين أمن إسرائيل ورفض توسيع الحرب والاستيطان.
لم تكن نيويورك في 22 سبتمبر قاعة تبحث عن أزمة واحدة؛ كانت غرفة عمليات سياسية تُعرض فيها خريطة شرق أوسط يتغير أمام الجميع.
شاركنا برأيك