وهم الحافة، كيف يُعاد إنتاج الحرب دون أن تقع
الإطار الحاكم هنا ليس حدثًا عابرًا في مضيق هرمز، ولا خبرًا عن استهداف قطعة بحرية، بل معادلة صراع ممتد: مشروع أمريكي يسعى إلى إخضاع إيران وإعادة تشكيل بيئتها الاستراتيجية

صورة تعبيرية للمقال
المشكلة في قراءة التصعيد القائم بين الولايات المتحدة وإيران ليست في نقص المعلومات، بل في سوء ترتيبها داخل بنية الصراع. ما يُقدَّم كاقتراب من حرب شاملة هو في حقيقته إعادة تموضع داخل حرب قائمة أصلًا، حرب لم تبدأ اليوم كي “تعود”، ولم تتوقف كي “تُستأنف”، بل تتحرك بين أطوار الضغط والاحتكاك دون أن تنفجر إلى مستوى الاشتباك المفتوح.
الإطار الحاكم هنا ليس حدثًا عابرًا في مضيق هرمز، ولا خبرًا عن استهداف قطعة بحرية، بل معادلة صراع ممتد: مشروع أمريكي يسعى إلى إخضاع إيران وإعادة تشكيل بيئتها الاستراتيجية، مقابل مشروع إيراني قائم على كسر هذا الإخضاع عبر بناء شبكة ردع متعددة الطبقات، جغرافيا وعسكريا ووظيفيا. ضمن هذه المعادلة، تصبح كل “الأخبار العاجلة” مجرد أدوات في إدارة الاشتباك، لا مؤشرات حاسمة على انتقاله إلى طور جديد.
معتز منصور يكتب: إدارة مأزق لا صناعة قرار
معتز منصور يكتب: حافة التوازن المتصدع
هنا يقع الخلط الكبير. تحويل خبر غير مؤكد عن ضرب مدمرتين مثل USS Truxtun وUSS Mason إلى دليل على اندلاع حرب، هو قراءة سطحية تتجاهل أن حدثًا بهذا الحجم، لو وقع فعلًا، لكان كسرًا فوريًا لقواعد الاشتباك، وليس مجرد حلقة في تدفق الأخبار. هذا النوع من التهويل يخدم وظيفة محددة، رفع منسوب التوتر، وإيهام الجمهور بأن الانفجار بات حتميًا، بينما الواقع أكثر تعقيدًا.
الذي يجري فعليًا هو صراع على “هندسة الحافة”، لا القفز منها. الولايات المتحدة تدفع بثقلها العسكري إلى المنطقة، لا لأنها قررت الحرب، بل لأنها تحاول إعادة فرض قواعد ردع تآكلت بفعل الفعل الإيراني التراكمي. في المقابل، إيران لا تستعرض قوتها بهدف إطلاق المواجهة، بل لتثبيت معادلة أن أي محاولة لفرض ممرات آمنة بالقوة في الخليج ستتحول إلى كلفة استراتيجية على واشنطن.
هذا هو جوهر المعادلة، وليس ما يُتداول عن “عودة الحرب الخميس”. التوقيت هنا أداة نفسية، لا تقديرًا عملياتيًا. الحرب، إذا كانت ستقع، لا تُعلن بموعد، بل تُفرض عبر كسر كبير في التوازن، وهو ما لم يحدث بعد.
واشنطن لا تبحث عن حرب شاملة الآن، ليس بدافع ضبط النفس، بل لأن مسرح الخليج العربي لا يسمح بحرب يمكن التحكم بنتائجها. أي انفجار واسع في هذا الممر الحيوي سيضرب بنية الاقتصاد العالمي، ويُفقد الولايات المتحدة قدرتها على إدارة الإيقاع الذي تحاول فرضه. لذلك، يتجه السلوك الأمريكي نحو الضغط المستمر، والاستنزاف المحسوب، ومحاولة دفع إيران إلى إعادة التموضع دون الوصول إلى نقطة الانفجار.
في المقابل، إيران لا تحتاج إلى “انتصار حاسم” بالمعنى الكلاسيكي. استراتيجيتها قائمة على تفكيك مفهوم النصر ذاته. يكفيها أن تمنع واشنطن من تحقيق أهدافها، أن تُبقي كلفة الاشتباك مرتفعة، وأن تحوّل كل تحرك أمريكي إلى عبء، لا إلى إنجاز. هذا ما يجعل الزمن يعمل لصالحها نسبيًا، لكن ليس بلا كلفة، بل ضمن معادلة استنزاف متبادل.
أما إدخال إسرائيل كعامل ضغط باتجاه التصعيد، فهو صحيح جزئيا، لكنه ليس مركز القرار. إسرائيل تدفع نحو توسيع الاشتباك لأنها ترى في بقاء إيران ضمن هذا المستوى من الردع تهديدًا استراتيجيًا طويل الأمد، لكنها لا تملك وحدها قرار إشعال الحرب في هذا المسرح. القرار يبقى أمريكيًا، محكومًا بحسابات أعقد من مجرد ضغط حليف.
في الإقليم، مواقف مثل تلك الصادرة من العراق لا يمكن قراءتها كتحول استراتيجي حاسم، بل كجزء من إعادة تموضع داخل ساحة مزدوجة النفوذ. العراق ليس “عمقًا صافيا” لأي طرف، بل مساحة اشتباك سياسي وأمني، تتغير تموضعاتها وفق ميزان الضغط.
الخلاصة التي يفرضها هذا المشهد، أن الحديث عن “حتمية الحرب” ليس توصيفًا دقيقًا، بل انعكاسًا لنجاح أدوات الحرب النفسية في فرض سرديتها. ما يجري هو إدارة صراع على الحافة، حيث يسعى كل طرف إلى دفع الآخر خطوة إضافية دون أن يسقط معه. الانفجار ممكن، نعم، لكنه ليس نتيجة تلقائية للتصعيد، بل يحتاج إلى لحظة كسر لم تتشكل شروطها بعد.
بهذا المعنى، لا الحرب عادت، ولا السلام قائم. نحن أمام حالة ثالثة، حرب تُدار دون أن تُعلن، وصراع يُعاد إنتاجه كل يوم بأدوات مختلفة، بينما يبقى الانفجار الكبير مؤجلًا، لا ملغى.






