حمدي عبد العزيز يكتب: عبد الرحمن أبو زهره
كانت براعته الشديدة فى استخدام صوته وجسده كأدوات إبداعية على المسرح تحتاج لصفحات من الاحتفاء النقدى، وهى قدرات انتقل بها لفن السينما والدراما.

الفنان عبد الرحمن أبوزهره (زسائل التواصل)
عبد الرحمن أبو زهره كما حاولت أن أعرف
الاعلام اختزل قيمة عبد الرحمن أبو زهرة فى تشخيصه لدور المعلم سردينة فى مسلسل (لن أعيش فى جلباب أبى) بينما إن القيمة الفنية لعبد الرحمن أبو زهرة تفوق هذا بمراحل.
عبد الرحمن أبو زهرة كان أحد العلامات البارزة للمسرح القومى فى ستينيات وسبعينيات القرن الماضى.
كانت براعته الشديدة فى استخدام صوته وجسده كأدوات إبداعية على المسرح تحتاج لصفحات من الاحتفاء النقدى، وهى قدرات انتقل بها لفن السينما والدراما.

فكان من قلائل المبدعين فى فن التشخيص الذين يمتلكون المقدرة على استخدام عمودهم الفقرى وعضلات وجهه وعينيه فى إرسال الدلالات والإشارات التى تفتح الشفرات النفسية والعصبية والوجدانية والسلوكية للشخصية التى يؤديها.
حمدي عبد العزير يرد على السفير معصوم : لا ناقة واحدة ولاجمل واحد
حمدي عبدالعزيز (3-3) ضرب القواعد ضرورة حتمية القواعد الأمريكية
العزف بسيفونية الصوت
عبد الرحمن أبو زهرة انفرد دون أغلب أبناء جيله والغالبية الساحقة من الأجيال اللاحقة من الممثلين بالقدرة على أن يعزف بصوته سيمفونية فنية.
كان يستطيع بقدرة إبداعية شديدة أن يتحكم فى إيقاعات وتوترات صوته ودرجات العلو والخفض فى حساسية درامية بالغة تتجسد عبرها أدق المشاعر وأصعب الصراعات وأعمق النوازع والرغبات المكتومة وغير المكتومة.
الصرخات الداخلية والموات الداخلى والتنقل بين كل هذا بدقة متناهية وسلاسة مبهرة
لدرجة أنك من الممكن أن تكتفى بعنصر الصوت فقط عند عبد الرحمن أبو زهرة لينتصب منه أمامك عالماً مفعماً بكل العناصر الدرامية من صور ومعانٍ وإيقاعات حركية متقاطعة أو متصارعة أو متداخلة.

موسى أرض الخوف
يكفى فقط أن نتحدث عن عبقرية عبد الرحمن أبو زهرة فى تجسيده لشخصية (موسى) مدير مكتب البريد فى فيلم (أرض الخوف) لداود عبد السيد.
خصوصاً فى اللقطات التى دارت بينه وبين الممثل العظيم الراحل أحمد زكى فى مشهد يمثل ذروة من الأداء بين اثنين من عمالقة فن التشخيص فى لحظة نضوج إبداعى لكليهما.

مشهد حب البنات
حتى فى الفيلم اللايت (حب البنات) فقد أدى مجرد مشهد من المفروض أنه مشهد هامشى من أحداث الفيلم يمثل فيه دور شخصية عابرة بالنسبة للأحداث الافتتاحية للفيلم.
إلا أن عبد الرحمن أبو زهرة فى تشخيصه لشخصية المحامى فى مشهد قراءة وصية الوراثة قد ابتلع أداؤه المشهد من الجميع، وأصبح هذا المشهد علامة أساسية لا يمكن انتزاعها من أى انطباع جيد عن الفيلم.
المشربية والشوارع الخلفية
كما أننا لا ننسى أدواره وإبداعاته التى توالت عبر تاريخه الفنى فى السينما والدراما منذ فيلم (الشوارع الخلفية) والمسلسل الدرامى المهم جداً (المشربية) والذى عرف المصريون عن طريقه الكاتب الراحل أسامة أنور عكاشة والمخرج الراحل فخر الدين صلاح.
ليبدآ بعد هذا المسلسل نقلة ومرحلة جديدة فى الدراما المصرية استكمل فيها إسماعيل عبد الحافظ مشوار فخر الدين صلاح مع أسامة أنور عكاشة.
السينما الجديدة خسرت أبو زهره
فى رأيى المتواضع أنه للأسف لم تستفد السينما والدراما كما ينبغى من الإمكانات الفنية الثرية والمتنوعة لعبد الرحمن أبو زهره ، نتيجة التحولات التى طرأت على طريقة الإنتاج السينمائى والدرامى فى مصر بدءاً من ظهور المرحلة التى أعقبت فيلم (إسماعيلية رايح جاى) وحالة وانتقال السينما إلى مرحلة السطحية والتفاهة النظيفة.
كذلك انتقال الدراما إلى مرحلة ما بعد اسامه انور عكاشه وإسماعيل عبد الحافظ وجمال عبد الحميد ومحسن زايد وتعثر مسيرة خالد مرعى وأمين راضى وظهور دراما مقاولة الممثل البطل تزامناً مع سينما مقاولة الممثل البطل
المحزن حقاً أننا لا نتذكر قيمة المبدعين والمفكرين وأصحاب الفضل فى جعل الحياة أكثر احتمالاً وجمالاً وبهجة إلا عند لحظة الرحيل
لحظة أن نجد أنفسنا متورطين فى خسارة إنسانية جديدة
رحم الله عبد الرحمن أبو زهرة الذى لم يكن مجرد فنان بارع، وإنما إنسان مثقف صاحب مواقف وطنية وآراء تقدمية تعلمنا منها فى شبابنا






