مقالات

هوس الصورة

أصبحت الكاميرا تصاحبنا في كل مكان ومع تواجدها داخل الهاتف صرنا نلتقط كل لحظة في صورة.

مشاركة:
حجم الخط:

مولانا والمرآة 

كان جلال الدين الرومي قاضي القضاة في الدولة السلجوقية ومقرب جدا من السلطان وعالم الأمة الاول في قونيا .

في احد الايام ارسل له أحد الأصدقاء مرآة فخمة جدا ومزينة ومرصعة بالذهب.

دخل عليه مساعده و أعطي له المرآة، نظر مولانا جلال الدين الرومي إلى نفسه وأمر مساعده أن يبعد تلك المرآة عنه سريعا.
للحظة قصيرة عندما نظر الرومي لنفسه وكأنه احس بالغرور أو أحس بفتنة النفس داخله.

العالم والكاميرا

عندما دخلت الخادمة إلى مكتبة مولانا الرومي لتنظيفه وجدت المرآة مغطاة وفتحت الغطاء فأذا بها قد شرخت.

تذكرت هذا المشهد من المسلسل التركي الرومي الذي أذيع على شبكة التليفزيون التركي TRT منذ أعوام وانا أتابع هذا الهوس الذي أصاب العالم بالصورة والكاميرا.

أصبحت الكاميرا تصاحبنا في كل مكان ومع تواجدها داخل الهاتف صرنا نلتقط كل لحظة في صورة.

كاميرا المناسبات الخاصة 

في الماضي البعيد عندما كنا اطفال كنا لا نرى الكاميرا الا في مناسبات معينة طبعا كانت الصورة الأولى للمدرسة عندما يحين موعد الالتحاق بالدراسة الابتدائية وعند التقديم لمراحل المدراس بعد ذلك.

لم تكن الكاميرا متاحة لجميع الناس كي يقوموا بالتصوير في منازلهم وكان امتلاك أحدهم كاميرا هذا حدث في حد ذاته يستلزم احتفالات كثيرة .

 معصوم مرزوق يكتب: جنرال أمريكي في زمن “هوجة عرابي” 

صناعة التضليل بالصورة

الكاميرا حالة خاصة 

عندما دخلت جامعة القاهرة في منتصف ثمانينيات القرن الماضي كان رفيق دربي وصديق العمر اخي حسام العاوي ( كبير معدي البرامج في ماسبيرو الآن) قادما من السعودية ولأنه يهوى الفنون جميعا خاصة الفن التشكيلي وأيضا لدراسته الإعلام فقد دخل الكلية بكاميرا (نيكون) قادمة من بلاد النفط.

اتذكر أن حسام كان يلتقط صورا لا تحصى بكاميرته تلك.

كاميرا في شوارع القاهرة 

في كل مكان ذهبنا إليه في القاهرة كانت الكاميرا في يده ولسنوات امتدت طويلا في الجامعة اتذكر أنه ليس لدينا صور لنا في الجامعة، ربما اول الصور كانت في منزلي أو منزله في مناسبات محددة جدا.

لم نكن مغرمين بتصوير أنفسنا.

الغريب أن هذه الحالة امتدت إلى كلانا حتى الآن .

رهبة كاميرا ماسبيرو 

عندما التحقت بالعمل في التلفزيون المصري كنت أشعر برهبة شديدة وانا اقترب من أمام الكاميرا التي هي أداة عملي كنت احب تصوير الجميع وعمل لقاءات مع الجميع الا أن أكون أمام الكاميرا.

على راي محمود عبد العزيز في فيلم سمك لبن تمر هندي (ما علينا ) فقد احاول أن اتتبع لماذا هذا الهوس الشديد بكاميرا الموبايل والتصوير المتتالي لدرجة الملل.

الهاتف يصور كل شيء وكل الأسرار 

اصبحنا نصور كل حالة نحن فيها حتى لو داخل الحمام وتطور الأمر ليصل إلى اللايف والريل والاستوري.

كمان ترى في كل لحظة يطالعك الجميع بما يفعل ويقوم به ثم تطور الأمر أن أصبحت الصورة مصدر للدخل فدخلنا مرحلة صرع الصورة والكاميرا بين أيادينا .

ضغطة زر وتصبح أمام العالم 

عليك فقط أن تضغط على زر اللايف ..أو زر التسجيل لتصبح أمام الناس في أي لحظة ..ويا سلام كمان سيكون لديك دخل بالدولارات حتى أن أحدهم نصح شعبا باكمله أن يكون هذا مصدر دخله.

مصيبة أكثر أن دخلت الكاميرا إلى حالة الخصوصية الشديدة للجميع حتى أصبح كل شئ على الهواء مباشرة.

كاميرا تصوير الأبقار والحمير 

ستجد الفلاحين في أقاليم الدول يمسكون الهاتف وتصوير في نوبة الري، بصحبة الحمار، مع البقر والجاموس، أو قعدة ليلية في مشروبات روحية وغير روحية .

السيدات أصابهن الصرع فصار المطبخ على الهواء كمان أصبح كل ركن في المنزل مباحا للجميع .والكل يقدم فيديو من أجل الكسب بالعملة الصعبة .

كانت مهنة المذيع شاقة جدا 

كانت مهنة المذيع أو مقدم البرامج في التلفزيون في أي دولة اصعب مهنة لأنها التواصل المباشر مع الجمهور وكل كلمة لها حساب ..
اتذكر أن امتحان علم الاجتماع الإعلامي في السنة الدراسية الأولى كان عن تأثير إذاعة خبر تمرد الأمن المركزي 25 فبراير 1986 على خروج الناس في مظاهرات لعدة أيام.

علم الاجتماع الإعلامي 

كان ذكاء أستاذة علم الاجتماع الإعلامي انشراح الشال رحمها الله أن اختبرت العلم بالواقع فجاء السؤال عن تأثير وسائل الإعلام على المجتمع.
اتذكر إني لم اربط هذا مع الحادثة وكتبت ما في الكتاب وخرجت فإذا بها تقول لي راسب يا علي لأن الإجابة كانت في حادث الأمن المركزي وتأثير إذاعة الخبر على المجتمع، وكنا مقربين فقد كانت تأخذنا وزملائي لعمل زيارات ميدانية في دور أيتام وندوات ومقابلات مجتمعية.

الجميع أصبح مذيع ويقدم برامج 

الآن أصبح الجميع مذيع فلاحين وعمال وطلبة وتحالف قوى الشعب العامل أمام الكاميرا الجميع متساويين الآن في إمكانية التواصل مع العالم وبلا حدود.
الجميع يناقش يلقي بيانه، يحلل ويقدم حلول من على الناصية، أو على قمة الحقول، أو من داخل غرف النوم والحمام.
صرنا مباحين .

لم يعد يهم إن نكون في ثقافة جلال معوض ولا أحمد طه، المهم أن لديك هاتف بكاميرا..

الهوس لم يعد خاص بالمدينة فقط بل صار في القرى الريفية أكثر هوسا.

كشف كل مكان ومساحة في منازلنا وقرانا.

صارت المناسبة التى كانت تلتقط في صورة تلتقط في مئات الصور ومعها فيديو و باحدث التقنيات وصار البث مباشر.

استثناء من لا يهوى الكاميرا والتصوير 

لا أعرف أن كنت وبعض الأصدقاء حالة خاصة ام لدينا حالات أخرى ربما كنا الاستثناء الذي يؤكد القاعدة.

لدي صديق أظنه فريد في هذا العالم ليس لديه فيس بوك.
بعض الأصدقاء ليس لديهم حساب على الانستغرام.

وآخرين ليس لديهم حساب على أكس.

طبعا دخلت كلاهما مؤخرا وفي حالة طارئة ولكني لا اتذكر أن قمت بعمل اي نشاط عليهم .نحن جيل غادر التكنولوجيا كثيرا وأنا شخصيا أشعر أنها مؤامرة علينا جميعاً.

مطلوب دراسة اجتماعية لهوس الصورة 

أن هوس الصورة الذي تفشى بينا في المجتمع المصري بهذه الدرجة بحاجة إلى دراسة أكاديمية وبحث من علم النفس والاجتماع لنرى ماذا أصاب المجتمع المصري.

هل نحن بحاجة إلى دراسة كالتي قدمها الدكتور سيد عويس في القرن الماضي أو دراسة كالتي قدمها الدكتور جلال أمين بعنوان ماذا حدث للمصريين.

هل عندما أطالب بهذا اكون متخلفا عن ركب العالم والتكنولوجيا. واذا كان هذا العلم يقدم لنا تكنولوجيا من أجل التسلط علينا ومن أجل مص دماءنا هذا ظني فهل أنا مخطئ.

مجنون في عالم جي بي شات 

آخر مرة تعاملت مع ما يسمى بالذكاء الاصطناعي طلبت منه تصميم صورة لمقال معين فعرض علينا أن يقوم بكتابة المقال نفسه. فقلت له أريد فقط ما فقط ولا اريد منكم جزاء ولا شكور.

غضب الشات جي بي كثيراً وأصبح بعدها يقول لي ماذا تريد بغضب شديد.

هذه علاقتي مع تكنولوجيا الغرب ولست نادما عليها.. كما فعل الرومي مع المرآة الهدية .

شارك المقال: