مقالات
معتز منصور
معتز منصور

كاتب وباحث سياسي

 معتز منصور يكتب: إدارة مأزق لا صناعة قرار

ما يُقدَّم إعلاميا كتبرير مرتبط بتضارب داخل القيادة الإيرانية لا يصمد أمام بنية الوقائع، بقدر ما يكشف حاجة أمريكية إلى إعادة صياغة القرار نفسه تحت ضغط لم يعد يسمح باستمرار منطق التصعيد المفتوح

مشاركة:
حجم الخط:

قرار ترمب بتمديد وقف إطلاق النار لا يمكن التعامل معه كتحول سياسي مستقل أو كإشارة تهدئة ناتجة عن حسابات دبلوماسية تقليدية، بل كحلقة داخل مسار حرب إقليمية مفتوحة، دخلت فيها الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة مباشرة مع إيران، بينما تحركت جبهات أخرى، وفي مقدمتها لبنان، كامتدادات لبنية الردع لا كساحات منفصلة.

ما يُقدَّم إعلاميا كتبرير مرتبط بتضارب داخل القيادة الإيرانية لا يصمد أمام بنية الوقائع، بقدر ما يكشف حاجة أمريكية إلى إعادة صياغة القرار نفسه تحت ضغط لم يعد يسمح باستمرار منطق التصعيد المفتوح. فواشنطن لا تُنتج هنا قرارا جديدا، بل تعيد ضبط إيقاع مواجهة خرجت من نموذج السيطرة إلى نموذج الاستنزاف.

داخل الولايات المتحدة، لا يبدو العامل الحزبي تفصيلا انتخابيا، بل جزءا من بنية كبح سياسي يتحرك مع اقتراب أي حرب من نقطة التحول إلى عبء داخلي. الحزب الجمهوري يتعامل مع الحرب كملف قابل للارتداد على توازن الكونغرس، ما يجعل استمرار التصعيد مع إيران مسارا مكلفا سياسيا بقدر ما هو غير مضمون عسكريا.

لكن العامل الحاسم ليس سياسيا داخليا فقط. المؤسسة العسكرية الأمريكية نفسها تتعامل مع الحرب من زاوية القدرة على الاستمرار لا زاوية القدرة على الحسم. استنزاف الذخائر بعيدة المدى، وتآكل الجاهزية اللوجستية، يكشف أن واشنطن دخلت نمطا حربيا لا يشبه نماذجها التقليدية، حيث يتحول التفوق التقني إلى عبء إذا لم يُترجم إلى نتائج سياسية حاسمة، بينما الطرف المقابل يعمل ضمن منطق مختلف، يقوم على تحويل الزمن إلى أداة قتال.

في العمق، المشكلة ليست في قرار تكتيكي هنا أو هناك، بل في اصطدام نموذج القوة الأمريكي ببنية مواجهة صُممت أساسا لكسر هذا النموذج. إيران لا تتحرك كجبهة معزولة، بل كمنظومة قادرة على توزيع الضغط عبر مسارح متعددة، من الخليج إلى لبنان، ضمن هندسة ردع مترابطة تجعل أي محاولة للحسم المباشر قابلة للتحول إلى استنزاف ممتد.

ضمن هذا السياق، يصبح قرار التمديد أقرب إلى اعتراف غير معلن بأن هامش المبادرة الأمريكية تقلص، وأن إدارة الحرب انتقلت من منطق فرض الشروط إلى منطق منع الانهيار.

في المقابل، الطرف الإيراني لا يتعامل مع التمديد كتنازل، بل كامتداد طبيعي لمسار الاستنزاف. كل لحظة تجميد مؤقت ليست مساحة تهدئة، بل مساحة إعادة تموضع داخل معادلة تُبنى على أن الحسم السريع غير متاح، وأن الزمن نفسه يتحول إلى عنصر ضغط على الطرف المقابل.

لبنان في هذا السياق ليس هامشا في الحرب، ولا مجرد ساحة ردع ثانوية تُدار من الخارج، بل عقدة تقاطع داخل بنية الصراع الإقليمي نفسه. اختزاله كأداة ضمن منظومة إيرانية يفترض تبعية خطية لا تعكس طبيعة التشابك الفعلي، لأن حزب الله يتحرك داخل معادلة مركبة تجمع بين استقلالية نسبية نابعة من البيئة اللبنانية الداخلية، وبين ارتباط استراتيجي بمنظومة ردع أوسع تتصل مباشرة بمسار المواجهة مع إسرائيل.

الأهم من ذلك أن لبنان لا يعمل خارج مسار الحرب الإقليمية، بل داخل نقطة حساسة يمكن أن تعيد توجيه هذا المسار. فالساحة اللبنانية تشكل أحد مفاصل اختبار التوازن بين ثلاث دوائر متداخلة، إيران بوصفها مركز بناء الردع، إسرائيل بوصفها الطرف المباشر في الاشتباك الحدودي والساعي لتوسيع شروط التفوق، والولايات المتحدة بوصفها الإطار الذي يحاول إدارة سقوف التصعيد لا التحكم الكامل بنتائجه.

من هنا، يصبح لبنان مساحة يمكن أن تُسرّع الانفجار أو تؤخره، بحسب اتجاه الضغط في لحظة معينة، وليس مجرد امتداد لجبهة أخرى. وهذا ما يجعل أي محاولة لفصل الجبهة اللبنانية عن مسار التفاوض أو عن مسار الحرب مع إيران قراءة ناقصة، لأن جزءا من معركة الإقليم يُدار فعليا على هذه العقدة تحديداً، حيث تتقاطع حدود الردع مع حدود التعطيل السياسي والعسكري في آن واحد.

أما الوسطاء، فهم لا يتحركون داخل فراغ تفاوضي، بل داخل فجوة بين طرفين لا يملكان القدرة على الحسم ولا الرغبة في الاعتراف بالخسارة. لذلك تظهر الصيغ الفنية منخفضة المستوى كأداة لإعادة تدوير الصراع، لا لإنهائه، عبر إنتاج مساحة رمادية تسمح لكل طرف بإعادة تعريف ما حدث دون إعلان مباشر عن التراجع.

في النهاية، قرار التمديد لا يعكس استقرارا في مسار الحرب، بل انتقالا إلى مرحلة أكثر تعقيدا من إدارتها. مرحلة لم يعد فيها السؤال من يفرض الشروط، بل من يملك القدرة على منع تحوله إلى الطرف الذي يدفع كلفة الفشل كاملة. وهي لحظة تعني إعادة ترتيب شروط الصراع لا إنهاءه، داخل حدود أضيق وأكثر توترا، وأكثر قابلية للانفجار المؤجل.

شارك المقال: