مقالات
معتز منصور
معتز منصور

كاتب وباحث سياسي

بين الردع ونزع الشرعية: كيف كُشف الموقف الحقيقي من المقاومة؟

طوال خمسة عشر شهرًا من الاستنزاف التدريجي، كان الجنوب اللبناني يعيش حربًا منخفضة الوتيرة لكنها شديدة القسوة

مشاركة:
حجم الخط:

ما جرى خلال الأشهر الماضية في لبنان لم يكن مجرد انقسام سياسي حول الحرب أو المقاومة، بل لحظة انكشاف قاسية للبنية السياسية والنفسية التي تحكم نظرة اللبنانيين إلى الحرب والقوة ومعنى الردع نفسه. فالمفارقة التي ظهرت في الخطاب العام لم تكن عفوية، ولا مجرد انعكاس طبيعي لخوف مجتمع يعيش تحت النار، بل كانت تحمل في داخلها وظيفة سياسية أعمق بكثير، تتجاوز الحرب نفسها إلى الصراع على معنى القوة، وعلى شرعية من يمتلكها، وعلى صورة لبنان التي يريدها كل طرف.

طوال خمسة عشر شهرًا من الاستنزاف التدريجي، كان الجنوب اللبناني يعيش حربًا منخفضة الوتيرة لكنها شديدة القسوة. خمسمئة شهيد، أكثر من أحد عشر ألف منزل مدمّر، نزوح متواصل، وبيئة كاملة تُدفع نحو الإنهاك الاقتصادي والاجتماعي والنفسي. في المقابل، كانت الدولة اللبنانية تتحرك ضمن منطق الاحتواء والدبلوماسية ومحاولة منع الانفجار الشامل. لكن ما جرى فعليًا أن هذا المسار لم ينتج حماية حقيقية، بل أنتج إدارةً للخسائر أكثر مما أنتج ردعًا فعليًا. كانت القرى تُستنزف ببطء، فيما الخطاب الرسمي يراهن على الوقت، وعلى الوساطات، وعلى قدرة المجتمع على الاحتمال أكثر مما يراهن على تغيير المعادلة.

في تلك المرحلة تحديدًا، تصاعد خطاب واسع يطالب المقاومة بالتدخل المباشر. ظاهريًا، بدا الأمر وكأنه مطالبة باستخدام القوة لحماية الجنوب ومنع استمرار الاستنزاف. لكن خلف هذا الخطاب كان يوجد شيء آخر أكثر عمقًا وأقل براءة. كثيرون لم يكونوا ينتظرون تدخّل المقاومة بقدر ما كانوا ينتظرون لحظة اختبارها.

هنا تكمن النقطة الأكثر حساسية في المشهد كله. فجزء كبير ممن رفعوا شعار “أين المقاومة؟” لم يكونوا مؤمنين أصلًا بقدرتها على تغيير ميزان الردع، بل كانوا يعتقدون أن اللحظة الحالية هي اللحظة المثالية لإثبات أنها انتهت، وأنها فقدت قدرتها على القتال، وأن كل المعادلات التي راكمتها خلال العقود الماضية لم تعد موجودة إلا في الخطاب السياسي والذاكرة العاطفية لبيئتها.

بمعنى آخر، الدعوة إلى التدخل لم تكن دائمًا تعبيرًا عن الثقة بالمقاومة، بل كانت في كثير من الأحيان محاولة لدفعها نحو اختبار قاسٍ يُفترض أن ينتهي بإعلان سقوطها الرمزي والاستراتيجي. كان المطلوب وضعها أمام خيارين كلاهما قاتل: إذا لم تتدخل ستُقدَّم كقوة عاجزة خائفة فقدت قدرتها الردعية، وإذا تدخلت فستدخل في حرب استنزاف طويلة يُعاد عبرها تحميلها كامل الكلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

أي أن المسألة عند قسم واسع من هذا الخطاب لم تكن يومًا مسألة ردع أصلًا، بل مسألة إثبات. إثبات أن مرحلة كاملة انتهت، وأن نموذج المقاومة فقد شرعيته التاريخية، وأن ميزان القوة الذي حكم لبنان والمنطقة منذ سنوات لم يعد قائمًا.

معتز منصور يكتب: لبنان بين التسوية والعزلة

معتز منصور يكتب: حافة التوازن المتصدع

ولهذا تحديدًا، ما إن انتقلت المواجهة من مرحلة الاستنزاف المحدود إلى الاشتباك الأوسع، حتى تبدّل الخطاب بسرعة لافتة. الأصوات التي كانت تسأل يوميًا: أين المقاومة؟ ولماذا لا تتدخل؟ تحوّل جزء كبير منها إلى الحديث عن عبثية الحرب، وكلفة المواجهة، والانهيار الاقتصادي، وتحميل المقاومة مسؤولية كل ما يجري. لأن الهدف الفعلي لم يكن إنتاج ردع مستقر، بل الوصول إلى لحظة انهيار تُستخدم لإعلان سقوط فكرة المقاومة نفسها.

لكن ما أربك هذا الرهان أن الانهيار السريع الذي كان متوقعًا لم يحدث. لم تختفِ القدرة على القتال، ولم تسقط بنية الردع بالكامل، ولم تتحول المواجهة إلى لحظة تفكك شامل كما كان يُنتظر. وهنا بدأ التوتر الحقيقي داخل الخطاب المضاد للمقاومة، لأنه وجد نفسه أمام معضلة معقدة: كان يريد إثبات أن المقاومة عاجزة عن الرد، لكنه لم يستطع أيضًا تقبّل استمرار قدرتها على الاشتباك وإدارة المعركة وفرض جزء من معادلاتها.

في مكان ما داخل الوعي اللبناني، لم يكن جزء من الناس يريد الاطمئنان إلى أن الردع ما زال قائمًا، بل كان يريد سماع العكس تمامًا. كان يريد أن يقتنع بأن كل شيء انتهى، وأن مرحلة كاملة سقطت، وأن ميزان القوى الذي حكم المنطقة لعقود فقد معناه أخيرًا. لهذا بدا استمرار القدرة على القتال مربكًا أكثر من الحرب نفسها.

ومن هنا ظهر هذا التناقض الحاد في الخطاب العام. كان مطلوبًا من المقاومة أن تخسر في كل الاحتمالات. إن صمتت فهي عاجزة، وإن قاتلت فهي متهورة. أي أن الحكم كان جاهزًا قبل الحرب نفسها. وهذه ليست مجرد ازدواجية أخلاقية أو سياسية، بل أزمة بنيوية في النظرة إلى المقاومة ذاتها. لأن جزءًا من القوى اللبنانية والعربية لم يعد يناقشها بوصفها أداة ضمن صراع مفتوح مع Israel، بل بات يتعامل معها أولًا كخصم داخلي يجب إثبات فشله مهما كانت طبيعة التهديد الخارجي.

وهنا تصبح الحرب نفسها مادةً للصراع الداخلي، لا مجرد مواجهة مع عدو خارجي. أي أن بعض القوى لم تكن تنظر إلى الجنوب باعتباره ساحة تحتاج حماية بقدر ما كانت تنظر إلى الحرب باعتبارها فرصة لإعادة تشكيل التوازنات السياسية داخل لبنان، وإثبات أن نموذج المقاومة فقد شرعيته العملية والتاريخية.

لكن هذه المقاربة تحمل تناقضًا أعمق يتعلق بطبيعة فهم الصراع نفسه. فالردع لا يُقاس بالرغبات السياسية أو الحملات الإعلامية، بل بميزان القوة الفعلي. والتاريخ الحديث للصراع مع Israel يُظهر أن كل معادلات الردع في المنطقة، سواء عبر الجيوش النظامية أو حركات المقاومة، لم تُختبر يومًا في ظروف مريحة أو منخفضة الكلفة. بل إن معنى الردع نفسه يقوم على استعداد القوة لتحمل أثمان المواجهة حين تصبح ضرورية.

هذا لا يعني أن المقاومة فوق النقد، ولا أن كلفة الحرب يجب التعامل معها بخفة أو رومانسية. فالكلفة البشرية والاجتماعية والاقتصادية هائلة فعلًا، وأي نقاش جدي يجب أن يتناول إدارة المعركة، وحدود التصعيد، وحسابات المصلحة الوطنية. لكن المعضلة تبدأ حين يُناقش ثمن المقاومة مع تجاهل ثمن العجز نفسه، وكأن الفراغ الردعي أو الاكتفاء بالدبلوماسية كان سيمنع أصلًا مشروع الاستنزاف والإخضاع.

في العمق، ما كشفته هذه الحرب ليس فقط الانقسام حول المقاومة، بل الانقسام حول معنى الصراع نفسه. هل المطلوب فعلًا إنتاج توازن قوة يمنع الإخضاع الإسرائيلي، أم أن جزءًا من النخب والقوى بات يرى أن كلفة أي مواجهة أصبحت أعلى من فكرة المواجهة نفسها، حتى لو كان البديل هو التآكل البطيء وفقدان القدرة على الردع؟

هذا هو السؤال الحقيقي الذي ظهر خلال الأشهر الماضية. ليس سؤال الحرب فقط، بل سؤال معنى القوة في منطقة لا تزال تُدار حتى اليوم بمنطق الغلبة. لأن المنطقة التي نعيش فيها لا تعاقب الضعفاء فقط، بل تعاقب أيضًا أولئك الذين يخلطون بين الرغبة والواقع، وبين التعب من الحرب وسقوط الحاجة إلى القوة.

شارك المقال: