الحرب مع إيران تُهمّش غزة
كيف أثّرت الحرب مع إيران على غزة؟أدت الحرب المرتبطة بإيران إلى تراجع أولوية ملف غزة دولياً، ما ساهم في تعثر مفاوضات وقف إطلاق النار، وتصاعد الأزمة الإنسانية، وتشدد مواقف إسرائيل وحماس في ظل غياب ضغوط دولية فعالة.

في ظل انشغال العالم بالحرب الإيرانية، تتراجع أولوية وقف إطلاق النار في غزة وسط تصلّب مواقف إسرائيل وحماس وتدهور الأوضاع الإنسانية
التقرير مترجم عن تشاتام هاوس (Chatham House)، المعروف رسمياً باسم المعهد الملكي للشؤون الدولية،
استناداً إلى تقرير تحليلي للدكتورة جولي نورمان، الباحثة المشاركة في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والمنشور في مايو/أيار 2026.
أدّت الحرب الدائرة مع إيران إلى تراجع ملف غزة إلى هامش الاهتمام الدولي والإقليمي،
في وقت تتدهور فيه الأوضاع الإنسانية داخل القطاع بوتيرة متسارعة،
بينما تتضاءل فرص التوصل إلى تسوية سياسية أو إحراز تقدم في اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس.
ويرى التقرير أن انشغال القوى الدولية والإقليمية بالصراع مع إيران منح الطرفين،
إسرائيل وحماس، مساحة أكبر لتشديد مواقفهما وترسيخ الأمر الواقع،
في ظل غياب أي ضغوط خارجية جدية تدفع نحو تنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام الأميركية التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
رفض أمريكي إسرائيلي لمقترح فلسطيني بشأن غزة وسط تعثر المفاوضات
تعثر المرحلة الثانية من خطة ترامب
وبحسب التقرير، فإن الانتقال من المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار إلى المرحلة الثانية من خطة ترامب ذات النقاط العشرين كان
متوقعاً أن يكون بالغ الصعوبة، نظراً لتضمنه قضيتين تعتبران الأكثر حساسية:
نزع سلاح حركة حماس، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة.
وترفض حركة حماس حتى الآن أي حديث عن نزع سلاحها، خصوصاً في غياب مسار سياسي واضح يقود إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وفي أبريل/نيسان الماضي، رفضت الحركة خطة قدمها نيكولاي ملادينوف، الممثل الخاص لغزة في مجلس السلام المدعوم أميركياً،
والتي كانت تربط بين إعادة إعمار القطاع وتسليم السلاح.
وأكدت الحركة أنها لن تدخل في مفاوضات بشأن المرحلة الثانية قبل تنفيذ إسرائيل الكامل لبنود المرحلة الأولى،
وخاصة ما يتعلق بإدخال المساعدات الإنسانية وفق الكميات المنصوص عليها في اتفاق الهدنة.
ويشير التقرير إلى أن حماس لا ترى أي حافز للتخلي عن السلاح في ظل غياب عملية سلام حقيقية أو ضمانات لمشاركة سياسية مستقبلية،
بخلاف تجارب تاريخية مثل أيرلندا الشمالية أو جنوب أفريقيا، حيث تزامن نزع السلاح مع مسارات سياسية واضحة.
علاء عوض يكتب: أربعون يومًا غيرت العالم
إسرائيل تدعم مجموعات مسلحة مناوئة لحماس
ويضيف التقرير أن إسرائيل زادت من تعقيد ملف نزع السلاح عبر دعم مجموعات فلسطينية مسلحة مناوئة لحماس داخل غزة،
من بينها القوات الشعبية قرب رفح، وقوة مكافحة الإرهاب قرب خان يونس، إضافة إلى مجموعة أشرف المنسي قرب مدينة غزة.
وتنشط هذه الجماعات داخل المناطق التي تسيطر عليها حماس، بينما يعيش معظم سكان القطاع البالغ عددهم نحو 2.2 مليون نسمة في تلك المناطق.
ويرى التقرير أن وجود هذه المجموعات يمنح حماس مبرراً إضافياً للتمسك بسلاحها،
في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية، كما أن اتهام تلك الفصائل بالتعاون مع إسرائيل قد يؤدي إلى تعزيز شعبية حماس بدلاً من إضعافها،
ويقلل فرص ظهور بدائل سياسية حقيقية داخل القطاع.
إسرائيل غير متحمسة للانسحاب من غزة
في المقابل، يؤكد التقرير أن القيادة الإسرائيلية لا تجد هي الأخرى دوافع قوية للانسحاب من القطاع، خصوصاً مع تعثر تشكيل
قوة الاستقرار الدولية التي كان من المفترض أن تنتشر في غزة بالتزامن مع انسحاب الجيش الإسرائيلي وفق الخطة الأميركية.
ورغم إعلان القائد الأميركي للقوة انضمام خمس دول إلى المهمة، لا تزال طبيعة عمل هذه القوة وصلاحياتها غير واضحة،
وسط شكوك واسعة بشأن استعدادها لخوض أي مواجهة مباشرة مع حماس داخل القطاع.
ويزيد هذا الغموض من احتمالات بقاء القوات الإسرائيلية في غزة لفترة طويلة.
ووفق التقرير، كانت إسرائيل قد سيطرت بعد وقف إطلاق النار على نحو 53% من مساحة القطاع ضمن ما يعرف بالخط الأصفر،
قبل أن تظهر تقارير حديثة تشير إلى توسيع نطاق السيطرة العسكرية الإسرائيلية ليشمل نحو 11% إضافية من أراضي غزة.
ويحذر التقرير من أن هذه الحدود المؤقتة قد تتحول تدريجياً إلى واقع دائم على الأرض.
المناطق العازلة.. استراتيجية إسرائيلية ممتدة
ويشير التقرير إلى أن سياسة المناطق العازلة أصبحت جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية،
ليس فقط في غزة، بل أيضاً في جنوب لبنان وسوريا، خاصة بعد هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
ويذكّر بأن إسرائيل سبق أن احتلت أجزاء من جنوب لبنان بين عامي 1982 و2000، كما حافظت حتى قبل عام 2023 على منطقة عازلة
بعرض نحو 300 متر على طول حدود قطاع غزة.
ويرى التقرير أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خصوصاً في عام انتخابي، لن يكون مستعداً لتقليص مناطق السيطرة الإسرائيلية
في القطاع حتى لو قدمت حماس تنازلات سياسية أو أمنية.
تعطل دور الإدارة الفلسطينية الانتقالية
كما يتناول التقرير تعثر عمل اللجنة الوطنية لإدارة قطع غزة وهي هيئة فلسطينية انتقالية أنشأها مجلس السلام بهدف إدارة القطاع خلال المرحلة الانتقالية.
ورغم تشكيل اللجنة منذ يناير/كانون الثاني الماضي، فإن أعضاءها الـ 15 ما زالوا يقيمون في القاهرة بعد منعهم من دخول غزة،
ما أثار انتقادات واسعة بشأن شرعية اللجنة واستقلاليتها وقدرتها الفعلية على إدارة القطاع.
ويشير التقرير إلى أن منع دخول اللجنة، بالتوازي مع رفض إسرائيل منح السلطة الفلسطينية دوراً فعلياً في غزة،
يساهم في تكريس حالة الفراغ والفوضى، ويعزز في الوقت نفسه موقع حماس باعتبارها القوة الوحيدة الفاعلة على الأرض.
الحرب الإقليمية تُرسّخ الجمود
ويرى التقرير أن الحروب في إيران ولبنان ساهمت في تشديد مواقف جميع الأطراف، إذ تعتبر حماس وحزب الله
أن صمودهما أمام العمليات العسكرية الإسرائيلية المتكررة يعزز خطاب المقاومة،
بينما ترى إسرائيل أن عدم تحقيق “ضربة قاضية” ضد إيران أو الحزب يستدعي مزيداً من التشدد في غزة وتأجيل أي نقاش يتعلق بإقامة دولة فلسطينية.
وفي الوقت نفسه، انصب تركيز الرئيس الأميركي دونالد ترامب وكبار مستشاريه، وعلى رأسهم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، على الملف الإيراني،
بينما انشغلت دول الخليج، مثل قطر والإمارات والسعودية، بالأوضاع الأمنية والاقتصادية المرتبطة بالحرب.
تحذيرات من كارثة إنسانية متفاقمة
ويختتم التقرير بالتحذير من أن تجاهل غزة ستكون له تداعيات خطيرة على استقرار المنطقة بأكملها،
في ظل استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية داخل القطاع.
ويؤكد أن نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار أدّيا إلى تفاقم أزمة الغذاء، فيما تسبب تراكم النفايات غير المعالجة في انتشار التلوث والأمراض والأوبئة.
ورغم محدودية النفوذ الأوروبي والبريطاني على القضايا الجوهرية في الاتفاق، يدعو التقرير الدول الغربية
والإقليمية إلى الضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل لضمان الحد الأدنى من الإجراءات الإنسانية،
وعلى رأسها السماح بدخول “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” واستمرار تدفق المساعدات الإنسانية.
ويخلص التقرير إلى أن إبقاء غزة خارج دائرة الاهتمام الدولي لن يؤدي إلا إلى تغذية الصراعات الحالية وخلق بيئة خصبة لاندلاع
نزاعات جديدة في المستقبل.
رابط المقال المختصر:





